يتناول المؤلف في هذه الحلقة الأخطاء العديدة التي ارتكبتها إدارة بوش في التعامل مع ملف إعادة إعمار العراق بعد الحرب، ويرى أن مجمل تلك الأخطاء قد نشأ عن خطأين إستراتيجيين ارتكبهما بريمر وهما تسريح الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث،
هذا بالإضافة إلى الفساد في شركات المقاولات الخاصة التي كان يفترض بها أن تقوم بتنفيذ مشروعات إعادة إعمار العراق. ويروي لنا المؤلف تفاصيل اللقاءات التي كانت تتم لبحث هذا الملف والخلافات التي كانت قائمة بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، وهو ما انعكس سلباً على أوضاع الشعب العراقي التي باتت أسوأ مما كانت عليه في عهد صدام حسين. في شهر نوفمبر 2005 قامت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية برحلة مفاجئة من البحرين إلى الموصل مباشرة حيث هبطت طائرتها في المطار المحلي ثم اتجهت على متن طائرة هليكوبتر إلى قاعدة عسكرية محصنة بكثافة في ضواحي المدينة. وهناك كانت ترتدي سترة مضادة للرصاص وهي تحيي قوة من الجنود الأميركيين ترتدي ملابس عسكرية مموهة، وعددا من القادة العراقيين المحليين. وكانت هذه الزيارة المفاجئة أول زيارة لها تتم خارج بغداد وقد قصدت بها أن تبعث رسالة. وكانت إستراتيجية إدارة بوش الجديدة الشاملة آنذاك تتضمن ثلاثة أمور هي: «التطهير والاستيلاء ثم الإعمار» والفكرة من وراء ذلك هي الاستيلاء على مدينة ثم التواجد العسكري فيها، ثم البدء في عملية إعادة بناء مكثفة ومركزة.
وكانت مجلة الشؤون الخارجية «فورين أفيرز» قد نشرت في خريف عام 2005 مقالا كتبه أندرو كربنوفيتش وقال فيه إن طريق النصر في العراق يتمثل في نشر ما أسماه «استراتيجية نقطة النفط»، ولكن إدارة بوش عدلت الاسم إلى «استراتيجية نقطة الحبر» لكي تتحاشى أي اتهام بنهب نفط العراق، غير أن مضمون الفكرة ظل دون تغيير ومفاده أن النجاح الاقتصادي والسياسي في إعادة بناء أية مدينة سوف ينتشر إلى التجمعات السكانية المجاورة مثل انتشار نقطة الحبر على الورق. وكانت فرق إعادة الإعمار الإقليمية هي آلية تنفيذ الاستراتيجية الجديدة التي أحضرها السفير زلماي خليل زاده معه من أفغانستان حيث كان يقود البعثة الأميركية قبل أن يصبح أعلى شخصية دبلوماسية أميركية في العراق في يونيو 2005. وكان من المفروض أن تقوم تلك الفرق برأب الصدع بين وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون. وقد شهدت كوندوليزا رايس وخليل زاده تلك الفجوة منذ البداية في مجلس الأمن القومي مما أصاب عملية إعادة الإعمار بالشلل في وقت مبكر.
وتضمنت الاستراتيجية الجديدة تخصيص فريق لكل محافظة من محافظات العراق الثماني عشرة مع وجود مسؤولين من الحكومة الفيدرالية للعمل مع العراقيين في عملية إعادة بناء متواضعة لمشروعات مثل الآبار والفصول المدرسية الجديدة. وعندما أعلنت كوندوليزا رايس في الموصل تشكيل الفرق استدعت إلى الذاكرة مشروع مارشال والصراع من أجل إعادة بناء ألمانيا واليابان. وبعد شهر توجه بوش إلى اجتماع سري لمجلس الأمن القومي في أحد فنادق واشنطن ليتحدث مع أعضاء المجلس حول العلاقات الخارجية. وكانت شعبية بوش قد تدهورت نتيجة حمامات الدم المستمرة في العراق. وذكر كارل روف كبير مستشاريه السياسيين أن الإدارة تحتاج إلى دعم موقفها بعد الحرب في أربع خطب يلقيها بوش قبل اختيار العراقيين حكومة جديدة في انتخابات ديسمبر 2005.
ولأول مرة منذ غزو العراق يلقي الرئيس الأميركي خطابا هاما يتحدث فيه عن إعادة الإعمار. وكان هذا الخطاب من المرات القليلة التي يعترف فيها بوش بوجود مشاكل في العراق إذ يقول: «لم تسر عملية إعادة الإعمار دائما بشكل جيد كما كنا نأمل بسبب التحديات الأمنية الميدانية في المقام الأول» وتحدث بوش عن حالات نجاح سياسة نقطة الحبر مثل إعادة فتح مدارس وتنشيط الأعمال الصغيرة، ثم أشار إلى بناء ملعب لكرة القدم مع إضاءته وزراعته. وبحلول شهر مايو 2006 بدأت الفرق تتعثر مثلما تعثرت مبادرة إعادة الإعمار في حقول أخرى، وبعد شهر من إعلان رايس استمرت وزارتا الخارجية والدفاع في نزاعهما بشأن تشكيل تلك الفرق.
وأرادت وزارة الخارجية أن تقوم القوات المسلحة الأميركية بحماية كل مركز من مراكز القيادة الإقليمية نظرا لأن سلسلة الفضائح والعنف خلال ثلاث سنوات أجهضت الحماس لاستئجار شركات الأمن الخاصة، ورأت وزارة الخارجية أنه إذا كان قد أمكن للقوات الأميركية الانتشار لحماية شركة هاليبيرتون فلماذا لا تفعل ذلك بالنسبة لوزارة الخارجية؟. غير أن وزارة الدفاع استمرت في إصرارها على أنها تعاني من نقص كبير في القوات اللازمة لحماية مواقع جديدة بغض النظر عن مدى أهميتها وردد أحد مسؤولي الوزارة المثل الأميركي الذي يقول: «لا تستطيع سلب بيتر لتدفع لبول!!».
ومع مرور الوقت بدأ عدد الفرق يتقلص إلى نصف العدد المقرر رغم إمدادها بالرجال من جانب شركاء التحالف والعراقيين، وثبتت صعوبة سد الثغرات الناشئة عن هذا النقص. واستماتت وزارة الخارجية الأميركية في البحث عن موظفين مؤهلين لشغل المناصب الرئيسية دون جدوى إذ قبل عدد قليل جدا العمل في العراق، ورفض الكثيرون ربط مصيرهم بمشروع متعثر، وأدت المشاكل إلى نفاد صبر إدارة بوش واستنزاف كرمها عندما توسعت العملية إلى بناء الأمة في العراق.
وبحلول ربيع عام 2006 لم يتبق إلا نحو ملياري دولار من مجموع 30 ملياراً من أموال دافعي الضرائب الأميركيين. وأعلن الجيش الأميركي أن معظم المشروعات الكبرى سوف تنجز في نهاية 2006 أو بدايات عام 2007 وتضمنت ميزانية إدارة بوش الجديدة ميزانية إضافية بقيمة 1, 5 مليارات دولار لعملية إعادة الإعمار خصصت معظمها تقريبا لتدريب العسكريين العراقيين وتزويدهم بالمعدات، ولم يتبق إلا مبلغ ضئيل لا يتجاوز مئات قليلة من ملايين الدولارات من أجل مشاريع جديدة و«أنشطة بناء الديمقراطية»، هكذا تذكر الإدارة الأميركية كلمة الإعمار في كل مجال حتى أنها تلحقها بالديمقراطية أيضا.
ويقول مؤلف الكتاب: «وهكذا تبخرت مزاعم بوش بأن إدارته سوف توفر بنية تحتية في العراق هي الأفضل في المنطقة». وأعلن الجنرال بيل ماكوي أكبر مسؤول ذي رتبة عالية في سلاح المهندسين التابع للجيش الأميركي قائلا: «إن الولايات المتحدة لم تقصد أبدا إعادة بناء العراق بالكامل، ولكنها أرادت ببساطة إمداده بالانطلاقة التي يحتاج إليها لتحقيق التقدم والازدهار».
تغطية الفشل
بعد هذا الحديث الذي نقله المؤلف عن مؤتمر صحافي عقده الجنرال ماكوي في ديسمبر 2005، ألا يحق لنا أن نتساءل: ألا يعتبر ما جاء في ذلك المؤتمر الصحافي تراجعا أميركيا عن كل مزاعم إعادة الإعمار في العراق؟ ويمضي توماس ميلر في كتابه ليرد على ما يذكره كبار المسؤولين الأميركيين لتغطية الفشل في إعادة الإعمار، إذ يزعم هؤلاء المسؤولون أن العراقيين أصبحت لديهم «القدرة» على توليد أكثر من 7 آلاف ميغاوات من الكهرباء، والقدرة على توصيل المياه إلى 3,2 مليون شخص إضافي، وعلى أن تكون لديه قوة من الشرطة تضم عشرات الآلاف من الضباط والجنود.
ويعلق مؤلف الكتاب على ذلك بقوله إن الكلمة الرئيسية في قول هؤلاء المسؤولين هي «القدرة» لا الحديث عن الخدمات الفعلية التي توصلها عملية الإعمار بالفعل إلى العراقيين. وحديثهم هو عما تستطيع تلك القدرة توفيره إذا لم تكن هناك حرب دائرة، وإذا كان العراقيون قد تلقوا تدريبا جيدا وتمويلا كافيا، وإذا لم تتعطل المعدات التي يقدمها المقاولون، أي بمعنى آخر إذا لم يكن العراق هو عراق اليوم!!
ويتهم مؤلف الكتاب الحكومة الأميركية بإعلان إحصائيات مزيفة ـ مثل أشياء كثيرة في عملية إعادة الإعمار ـ وهدفها من ذلك إقناع الأميركيين والعراقيين أن مساهماتهم الهائلة بالدماء والنقود قد جعلت من العراق مكانا أفضل، ولكن الحقيقة شيء مختلف بعد ثلاث سنوات من بدء الجهود الأميركية الأولى لإعادة الإعمار، فإنتاج النفط وصل إلى مستويات أدنى مما كانت عليه قبل الحرب، وانخفض ضخ النفط العراقي اليومي بنحو 500 ألف برميل يوميا عما كان العراق ينتجه في ظل نظام صدام حسين.
ومع الارتفاع الكبير في أسعار النفط في عام 2006 فإن العراق يفقد فرصة تحقيق دخل محتمل يزيد على عشرة مليارات دولار في السنة، أي ما يقرب من ثلث الأموال التي تعهدت بها الولايات المتحدة لعملية إعادة الإعمار في المقام الأول، ولو كانت الخطة الأميركية قد استثمرت مبالغ أكبر أو أن مقاوليها الأساسيين أحسنوا التصرف، لكانت الأموال المتوفرة قد ساهمت في بناء مدارس جديدة وتدريب أعداد أكبر من القوات، أو الاستثمار في أعمال جديدة ومنظمات إقامة الديمقراطية. كذلك تدهورت الكهرباء إلى أقل من مستواها قبل الحرب، فبغداد المركز السياسي والثقافي والإعلامي للبلاد تعاني هذه الأيام من وجود الكهرباء لمدة أربع أو ست ساعات فقط بعد أن كانت الكهرباء تتوفر لها على مدى نحو أربع وعشرين ساعة يوميا قبل الحرب.
ويقول ميلر: «أما حالات الإظلام الدائمة، والعنف اليومي المتولد من انفجار السيارات المفخخة، وعمليات الاختطاف، والعنف الطائفي، وتناثر الجثث المشوهة في الشوارع، فإنها تذكّر ملايين العراقيين العاديين بأن نوعية حياتهم قد فسدت فسادا بشعا منذ الغزو الأميركي. لقد أصبح كل ذلك وفي كل مكان مصدرا للشعور بالضياع، وأداة لتجنيد المسلحين. إن شركات مثل بكتل وفلور وبيريني ومجموعة واشنطن الدولية، أنجزت الأعاجيب في معظم أنحاء العالم، أما في العراق فتلك قصة أخرى. وفي الحقيقة ما أبشع الصورة التي يرسمها المؤلف بقلمه خاصة وأنه كان قد قام بزيارة للعراق أثناء إعداده لكتابه، ورغم قسوة تلك الصورة وما تثيره في النفس، إلا أنه لابد للقارئ العربي أن يعرفها حتى وإن قمنا باستعراض جوانب قليلة مما يذكره مؤلف الكتاب.
وبالنسبة لمياه الشرب والصرف الصحي فإن مياه الشرب لم تعرف طريقها إلى البيوت على الإطلاق، كذلك، لم تتجه مواد الصرف الصحي إلى مراكز المعالجة الصحية، وقد تشققت أنابيب المياه والصرف الصحي من الإهمال وحركة آلات الحرب الأميركي الثقيلة وهي تذرع الشوارع. ووفقا لبعض التقديرات، فإن نحو 60% من مياه الشرب ونحو 20% من مياه الصرف الصحي تتسرب من الأنابيب. ومعنى ذلك أن العراقيين مازالوا عرضة لمخاطر الأمراض، ومازالوا يصطادون السمك ويغسلون الملابس ويستحمون في أنهار ملوثة، بالإضافة إلى عدم الانتهاء من بناء عشرات العيادات الطبية والمستشفيات لأن شركة المقاولات بارسوتر ارتفعت نفقات الأمن فيها زيادة كبيرة فقررت الولايات المتحدة إلغاء المشروع برمته.
وبقيت جدران العيادات الطبية غير المطلية واقفة في الأحياء الفقيرة المحرومة رمزا لوعود لم تنفذ. وقد اضطر آلاف الأطباء والممرضات إلى الهجرة هربا من العنف. ومن النادر وجود إحصائيات موثوق بها ولكن معظم خبراء الصحة الدوليين يعتقدون أن معدل الوفيات بين الأطفال نتيجة الأمراض المعدية ظل كما كان في ربيع عام 2006 وما قبل الحرب. ويرى المؤلف أن من الممكن أن يكون أكبر إنجازات إعادة الإعمار في مجال التعليم كما أن مدينة الصدر والنجف في حالة أفضل الآن.
ومع ذلك يرى توماس ميلر مؤلف الكتاب أن النقاط المضيئة مجرد استثناء إذ يبدو أنه بعد ثلاث سنوات من الجهود والتكاليف التي قامت بها الولايات المتحدة مازال الناس الجالسون في البيوت أو أماكن العمل أو العبادة في حال أسوأ مما كانوا عليه في ظل نظام صدام الديكتاتوري، وهم يعانون من الحر الشديد وانقطاع الكهرباء والتعتيم، وأرهقهم السأم والاشمئزاز من المياه القذرة وبرك مياه الصرف الصحي، وهم في نفس الوقت يشاهدون أحباءهم وهم يموتون في مستشفيات تفتقر إلى الكهرباء والمعدات، والأسوأ من ذلك كله رؤيتهم لبلدهم وقد مزقه العنف وتهدده حرب أهلية واسعة النطاق.
وبالنسبة للقوات الأميركية والموظفين المدنيين والمقاولين الأفراد في العراق فإن انتكاسة الولايات المتحدة تعني بالنسبة لهم الضياع والعنف والموت وبدون تحقيق نتائج لا يستطيع الجنود والقادة العسكريون إقناع العراقيين بأن الوجود الأميركي في بلادهم سوف يحسن حياتهم بشكل ملموس. وقد استغل المسلحون تدميرهم لأنابيب النفط وأبراج الإرسال لكي يبرهنوا على عقم أميركا وشركائها في الحكومة العراقية الجديدة. وأصبح الافتقار إلى الطاقة الكهربائية تعبيرا مجازيا عن الافتقار إلى سلطة حاكمة.
من الملوم؟
ويشير المؤلف في نبرة ساخرة إلى ما سبق أن اعتبره الرئيس بوش إنجازا، ويقول ميلر إنه قد تكون هناك بعض المشاريع المنجزة مثل ملاعب كرة القدم وأرضياتها المزروعة بالعشب، ولكن عملية إعادة إعمار العراق فشلت فشلا ذريعاً في إنجاز ما هو أكثر أهمية وهو تحويل العراق إلى دولة ديمقراطية مزدهرة، واللوم كله يقع على عاتق إدارة بوش بدءا من الرئيس نفسه حتى أكبر المسؤولين في الحكومة مثل رامسفيلد ورايس وباول. ولم يكن الخطأ هو عدم إرسال قوات كافية، والعنف كانت العقبة الكبرى الوحيدة ضد نجاح بناء الدولة، وأصبحت أنابيب النفط وخطوط نقل الكهرباء أهدافا سهلة ومريحة للمقاومة،
وقد قتل أكثر من خمسمئة مقاول أميركي وأجنبي عام 2006 ممن كانوا يعملون في إعادة الإعمار، وقتل جندي أميركي من بين كل خمسة جنود وأصيب الآلاف من الجنود الأميركيين وأدى خطر التنقل في العراق إلى بقاء المقاولين محبوسين في أماكن إقامتهم عدة أيام دون أن يستطيعوا أداء عملهم. كذلك تأثرت جودة تنفيذ المشروعات لعجز المشرفين عليها عن زيارة المواقع لفحص مستوى التنفيذ. وأدى العنف إلى انتعاش صناعة الأمن الخاصة في العراق فأضيفت مجموعات كبيرة من الرجال المسلحين إلى أرض المعركة. وكثيرا ما يصطدم مقاولو الأمن الذين لا يدينون بالولاء لأحد، مع العراقيين وحتى مع القوات الأميركية الأمر الذي عقّد جهود كسب عقول وقلوب الشعب العراقي.
ومنذ البداية تجاهل كبار المسؤولين في إدارة بوش دراسة التفاصيل العملية لإعادة الإعمار وركز بوش ورايس ورامسفيلد اهتمامهم على المشاكل السياسية والعسكرية، ووقعت مسؤولية إعادة الإعمار على عاتق سلسلة من البيروقراطيين من الصف الثاني والثالث المنتشرين في عدد قليل من الوكالات الحكومية مثل سلاح الهندسة التابع للجيش، والمعونة الأميركية، ووزارة الخارجية. واضطر رجال مثل جيري بريمر وديفيد ناش وبيل تايلور إلى الاعتماد على موظفين متفاوتين في كفاءتهم، وكثير منهم نشيطون في عملهم ولكن ينقصهم المران والمعدات اللازمة لتعقيدات بناء مجتمع جديد.
وكذلك لم تكن لدى رؤساء العملية السلطة أو وضوح الرؤية للوقوف في وجه تدخل رجال السياسة في واشنطن الذين رأوا في العراق فرصة ذهبية لأصدقائهم وشركائهم في البزنس ومؤيديهم. ولذا فإن الإهمال ونقص الخبرة وعدم وجود قائد يتمتع بسلطة سياسية أثمرت تقلبات عنيفة في الاستراتيجية. وقبل الحرب كانت البنتاغون والمسؤولون عن التخطيط بقيادة دوغ فيث نائب وولفويتز يعتقدون أن العراقيين سوف يتسلمون السلطة، وبعد أن ثبت أن ذلك لم يحدث لجأت الولايات المتحدة إلى إسناد مسؤولية إعادة الإعمار إلى شركات ضخمة متعددة الجنسيات بملايين الدولارات وعقود مفتوحة.
وعندما تعثر تحقيق تقدم، انتقلت القوة الدافعة إلى تسليم السلطة للعراقيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد وإلى الإمكانيات المطلوبة لممارسة السلطة، وفي النهاية تحولت إدارة بوش إلى إنشاء فرق إعادة الإعمار الإقليمية كوسيلة للتقارب مع المواطنين المحليين والعمل معهم، ولكن تلك الفرق أصبحت في ذيل طابور طويل من المبادرات التي لم ينفذ إلا نصفها. وأدى التغيير والتبديل المستمران في الأولويات وعجز البصيرة إلى انتشار الفساد وإهدار الوقت والأموال اللذين قوضا أي فرصة لتجديد العراق.
وعندما بدأت العملية تمس أموال دافع الضرائب الأميركي تحرك المسؤولون في الولايات المتحدة ببطء شديد وحذر بالغ مما أصاب العمل بالشلل وإهدار ملايين الدولارات في نفقات الأمن، ولكن أموال العراق أخذت تتسرب من الأبواب مع القليل من التخطيط وانعدام المساءلة. وأدى الفساد وشركات المقاولة إلى ظهور حرب دافعها الجشع وهذه هي حقيقة الأمر. ولم يكن المواطنون الأميركيون والعراقيون المستفيدين منها، بل عادت الفوائد على «الهوامير» والمتضامنين معهم والمحتالين.
أخطاء مأساوية
يرى صاحب الكتاب أن قرار إدارة بوش التراجع عن جهود إعادة الإعمار يمثل أكبر الأخطاء المأساوية التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق، وأن تقليص التمويل والتوقف عن العمل بجد يدين الإدارة بأنها تدفع مشروعها لإعادة الإعمار نحو فشل نهائي. وقد تجاهل بوش دروس التاريخ. في نهاية الأمر، فلقد كانت عملية إعادة الإعمار في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية مأساوية أيضا ولكن الدبلوماسيين والزعماء السياسيين الأميركيين آنذاك تراجعوا عن مواقفهم وقاموا بتعديلها وابتكروا خطة مارشال التي مثلت أكبر استجابة وبعد نظر في ذلك الوقت لأنهم في الساعة الأخيرة قاموا بإعادة بناء عملية إعادة الإعمار.
ومما يؤكد الصورة على حقيقتها في العراق، والتي تحدث عنها توماس كريستيان ميلر مؤلف الكتاب الذي نتناوله بالعرض والنقاش، ما نشر في وسائل الإعلام الأميركية والعالمية مؤخرا ومفاده أن المجلس القومي للاستخبارات الأميركية أصدر وثيقة ترسم صورة للموقف في العراق أشد قتامة من الصورة التي يحلو للرئيس بوش أن يتحدث عنها. وذكر أنطوني كوردسمان أحد مديري مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن تقرير المجلس يقدم صورة أكثر واقعية وقتامة عن العراق مما أعلنه بوش في استراتيجيته الجديدة.
ويتناول التقرير احتمالات الاستقرار في العراق والحديث عن التحديات على الطريق. ويرى مدير المجلس القومي للاستخبارات أن العراق يبدو الآن أقل استقرارا، ويضيف كوردسمان إلى ذلك أن تزايد التباعد داخل المجتمع العراقي، وضعف القوى الأمنية والدولة عامة، واستعداد جميع الأطراف للجوء إلى العنف، كل ذلك يزيد من حدة التطرف السياسي والعنف الدموي. ويضم كوردسمان صوته إلى جانب مؤلف الكتاب إذ يقول إن الحقيقة هي أن فشل إدارة بوش والمحافظين الجدد في التحضير لعملية الاستقرار وإعادة بناء الدولة، كان أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى ظهور العنف والصراع المدني في العراق. أما التركيز على الانتخابات المحلية والدستور بالأسلوب الذي تمت به، فقد أدى إلى تقسيم البلاد إلى مذاهب وأعراق ولم يوفر أرضية صلبة للحكومة أو للوصول إلى تحقيق تسوية ومصالحة.
وكل التقارير والمؤلفات التي صدرت بعد الحرب تؤكد صدق توماس ميلر والمعلومات التي رصدها في كتابه خاصة وأنه يذكر أنه ظل لمدة سنتين يكتب لصحيفة لوس أنجلوس تايمز تقارير معمقة عن عملية إعادة الإعمار في العراق وتضمنت نتائج أربع رحلات قام بها إلى العراق. ويدرج المؤلف في نهاية كتابه قائمة بعدد ضخم من أسماء من أجرى معهم مقابلات من الأميركيين والعراقيين المدنيين والعسكريين، وأسماء من أمدوه بمعلومات قيمة أو من خاطروا وأطلعوه على وثائق هامة تتصل بموضوع كتابه وتقاريره الصحافية.
ويختار المؤلف عنوانا فرعيا طريفا هو «السيرك» ليصف المزيج المختلط من الناس الذين كدستهم إدارة بوش للعمل في العراق في مناصب هامة. ويبدأ ذلك الفصل القصير بالحديث عن أن بول بريمر بعد وصوله إلى العراق أغرق نفسه في السياسة بدلا من أن يوجه عنايته إلى حالة العراق المادية، ولذلك فقد اتخذ قرارين أثارا جدلا كبيرا وكان لهما تأثير مأساوي حال دون النجاح. القرار الأول قضى بطرد كبار مسؤولي حزب البعث من وظائفهم، وكانت البنتاغون تعتقد أن طردهم ضروري لتثبت للعراقيين أن الولايات المتحدة جادة في إزاحة صدام حسين وأعوانه،
ويشير المؤلف إلى أن عضوية الحزب كانت أحد شروط التقدم الوظيفي ولذلك فإن ذلك القرار كان له أثر كبير في إزاحة جميع أو معظم الكوادر الإدارية الخبيرة من الخدمة العامة، فوجد كبار مستشاري الوزارات أنفسهم وهم يعملون مع بيروقراطيين من الدرجة الثالثة والرابعة لا يعرفون كيف يديرون مؤسسات ضخمة. أما القرار الثاني الذي أصدره بريمر فقد سرح بمقتضاه الجيش العراقي، ووصف بريمر قراره هذا بأنه إقرار بالحقيقة إذ كان الجيش العراقي قد اختفى في وجه قوات التحالف الغازية.
أما مساعدو الجنرال غاي غارنر فقد أخذوا يقتفون آثار عدة جنرالات عراقيين واقترح المساعدون في اجتماعاتهم الاستعانة بهم في عملية إعادة الإعمار ولكن التغيير المفاجئ للخطط خلّف استياء عميقا لدى القادة العسكريين العراقيين وخاصة بين أعلى القيادات السنية الذين ربما توجهوا إلى قيادة المقاومة. ولما كانت عملية التسريح قد طالت القوات المسلحة العراقية بجميع رتبها فقد حوّل بريمر بجرة قلم نصف مليون شخص إلى أعداء محتملين، وتحول كثير من الجنود العراقيين إلى الجماعات المسلحة بدلا من اشتراكهم في اعادة بناء بلادهم.
وقد استأثر بريمر بالسلطة وأصبح الرجل الوحيد الذي يتلاعب بتشكيل حكومة جديدة، والتشاور مع العسكريين بشأن الحملة الجارية، وإقامة مجتمع جديد. ولم يطلب بريمر من أحد القيام بمهمة إعادة الإعمار التي كانت في آخر سلم أولوياته. وفي واشنطن بذل المسؤولون جهدا محموما للعثور على أشخاص يخدمون في العراق. وكانت تلك مسؤولية مكتب شؤون الموظفين في البيت الأبيض المسؤول عن تقليص الوظائف السياسية في البنتاغون. وكان هناك اثنان هما المسؤولان عن ذلك المكتب.
وقد توجه كلاهما إلى من يعرفونهما بشكل أفضل وهم الأصدقاء الجمهوريون من الإدارات الماضية والحالية، وكان من بينهم أشخاص مشكوك في كفاءتهم ومؤهلاتهم. ويردد مؤلف الكتاب أسماء بعضهم والمعلومات عن حياتهم وأعمالهم وقد تضمنت تلك الأسماء وزيرا سابقا للنقل ليرأس وزارة النقل العراقية ولكنه طرد من الوظيفة بعد أن ضبط وهو يتفاوض لبيع شركة الطيران العراقية المملوكة للدولة لصالح شركة نفط متهمة بفضيحة فساد في برنامج النفط مقابل الغذاء، وهناك شخص آخر فشل في إدارة المؤسسات التجارية المملوكة للدولة، وكان من المتبرعين للحزب الجمهوري وزميل دراسة لبوش، والثالث كان مديرا للشرطة في إحدى الولايات الأميركية، وقد اختارته إدارة بوش لتدريب قوة شرطة جديدة وكان اختياره بفضل عشيقة له ذات نفوذ، كما ترددت مزاعم عن صلاته بالمافيا.
والشخص الرابع كان متورطا في فضيحة متعلقة بإدارة الإسكان وتنمية الريف الأميركية في ثمانينات القرن الماضي. وقد أسندت إليه وظيفة كبير مستشاري وزارة الإسكان والإعمار العراقية، ولكنه طرد بعد أن اتهمه مسؤولو التحالف بعقد اجتماعات سرية لعقد صفقات بين مقاولين أميركيين ونظرائهم العراقيين. ويذكر الكتاب أن الولاء للحزب الجمهوري كان أحد العوامل المهمة في عملية استخدام الموظفين الأميركيين لكن ركوب فرسان المرشحين السياسيين للتعاقد أصبح مثار نكتة أميركية يبدو أنها تدور حول البيت الأبيض وتقول النكتة: «.. وهل أسموه القصر الجمهوري بدون سبب» وفي ذلك إشارة إلى اقتصار التعيين للعمل في العراق على أعضاء الحزب الجمهوري، وقد أرادت إدارة بوش أن تظهر للعراقيين منافع الديمقراطية ولكنها بدلا من ذلك قدمت لهم هذا السيرك الذي اختير عشوائيا وعمل دون تعليمات ولا قواعد للعمل بينما ينام المريض على الطاولة وهو يحتضر ولا أحد يعرف ماذا يفعل!!
عرض ومناقشة: صلاح عويس

