فرقت الشرطة في اسطنبول، بإطلاق الغازات المسيلة للدموع واستخدام الهراوات، تظاهرات الاحتجاج الأخيرة التي اشتعلت في تركيا مؤخراً. وفي هذه المناسبة أراد اليساريون إحياء ذكرى المذبحة التي أودت بحياة ما يزيد على 30 متظاهراً عام 1977. وقد تفاقم الأمر ووصل إلى صدام واسع النطاق وإلى الأزمة السياسية التي عصفت بتركيا. إن الشرطة وآخرين في السلطة قلقون من أن أي تجمع قد يخرج عن نطاق السيطرة. وقد انطلق مليون شخص إلى الشوارع مؤخراً للمطالبة بأن تحتفظ تركيا بطابعها العلماني. ومن المحتمل أن تقوم احتجاجات أخرى.
وقد بدأت المشكلة الحقيقية بسبب اختيار رئيس جديد ليحل محل أحمد نجدت سيزار في سدة الرئاسة، والذي استمرت ولايته سبعة أعوام حتى السادس عشر من مايو. ويتم اختيار الرئيس من قبل البرلمان حيث أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يتمتع بالأغلبية العظمى. في بادئ الأمر بدا الأمر وكأن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، سيتولى هذا المنصب. ولكن بعد أن اعترض كل من الجيش، والمعارضة، وسيزار، رشح بدلاً من ذلك وزير خارجيته عبدالله غول. ولم يتدخل الجيش مجدداً سوى بعد التصويت الأول غير الحاسم في البرلمان في 27 أبريل، مستخدماً لغة بدت للبعض أنها تعكس تهديداً بانقلاب عسكري.
وسبب كراهية أن يصبح أردوغان أو غول رئيساً هو أن حزب العدالة والتنمية حزب إسلاميٌ بصورة معتدلة. علاوة على ذلك فإن كلاً من زوجتيهما تضعان الحجاب. ودستور تركيا العلماني الذي وضعه أتاتورك لا يعكس موقفاً صارماً من ذلك. والجيش ينظر إلى نفسه باعتباره حارساً لتلك التقاليد. فقد تدخل مراراً في الماضي، ومؤخراً عام 1997، عندما أطاح بحكومة إسلامية تولت السلطة في وقت سابق، وحدثت هذه الإطاحة فيما أصبح يعرف بالانقلاب ما بعد الحداثي. ولأن بيان السابع والعشرين من أبريل نشر قبل منتصف الليل مباشرة في موقع الجيش الإلكتروني، فإن المتندرين يتحدثون عن انقلاب إلكتروني هذه المرة.
ينبغي ألا يصل الأمر إلى ذلك الحد. هناك خطاب سجله أردوغان تم بثه على التلفاز مؤخراً، طالب فيه بالهدوء والوحدة الوطنية، وذكّر الأتراك بالحاجة إلى المحافظة على الاستقرار وحماية النجاحات الاقتصادية الأخيرة للبلد. ولم يعرض إسقاط ترشح غول. بعد ذلك نظرت المحكمة الدستورية في الأمر. وأصدرت حكمها على وجه السرعة، معلنةً أن غول لم يتلق الدعم الكافي في البرلمان ليصبح المرشح الرئاسي. ومع إلغاء ترشح غول، يتوقع المراقبون من الحكومة أن تطالب بانتخابات مبكرة، ربما في يوليو المقبل (كان من المقرر إجراء الانتخابات في نوفمبر المقبل). وعلى الأرجح فإن ذلك سيسهم بالكثير في إعادة الطمأنينة إلى قلوب قادة أنشطة الأعمال أيضاً.
وبحسب الوضعية الراهنة، من المحتمل أن يفوز حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، ربما بأغلبية متزايدة أيضاً. ولكن ربما لن يصر الحزب على ترشح غول للرئاسة. فكثيرٌ من الأتراك يريدون أن يروا تسوية لتخفيف حدة التوترات المتصاعدة. وحتى بعض مؤيدي حزب العدالة والتنمية قلقون من أنه قد يصبح قوياً جداً في حال سيطر على جميع الأجهزة الحكومية.
وشجب الاتحاد الأوروبي تدخل الجيش في نقاش ديمقراطي. وأجاب بعض الأتراك بقولهم إن العلمانية أهم من الديمقراطية. إن الشعور المناهض للاتحاد الأوروبي في تزايد على أية حال، ذلك أن بروكسل يتم النظر إليها على أنها تهدر الوقت في المحادثات حول العضوية التركية. والمشاعر المناهضة لأميركا أصبحت قوية أيضاً بسبب الحرب على العراق. وفي هذا الموقف، فإن نمو النزعة الوطنية في تركيا قد تكون مشكلة تماماً كنمو نزعة التشدد. وفرص اقتراب تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تقل باستمرار. فتدخل الجيش في الحياة السياسية لم يحسن صورة تركيا في العالم على الإطلاق.
عن «إيكونوميست»