يورد المؤلف في هذه الحلقة قصة مأساوية بطلها ضابط أميركي تربى على الأخلاق ومفاهيم الشرف والحرية والديمقراطية، وقدم إلى العراق في مهمة تقتضي تدريب قوات عراقية خاصة لمواجهة الحالات الطارئة كحماية العراقيين من كبار الشخصيات ومواجهة عمليات الاختطاف واحتجاز رهائن.
وذلك بالتعاون مع شركة أمن خاصة في العراق، ولكنه عندما وصل إلى العراق اكتشف حجم الفساد المستشري في صفوف القائمين على شركات الأمن الخاصة وكيف تضرب بعرض الحائط جميع القيم الإنسانية من أجل تحقيق مكاسب مادية، وانتهى به الحال إلى الانتحار بإطلاق رصاصة على رأسه من مسدسه قد تكون هي رصاصة الرحمة للتخلص مما أصابه من توتر وقلق شديدين بسبب التناقض الداخلي الذي عاشه في العراق بين مبادئه التي يؤمن بها وبين ما يمارسه على أرض الواقع في العراق.يحفل الكتاب الذي نستعرضه بعشرات الموضوعات التي حققها مؤلفه فيما يسمى صحافة العمق التي عرف بها، فنراه يقفز من قطاع معين في البنية التحتية العراقية إلى آخر دون أن يهتم كثيرا بالتسلسل التاريخي للأحداث لأنه يرى أن جهود دول التحالف نفسها ليست منتظمة وتعاني من الاضطراب. وقد اعتدنا نحن القراء أن نجد أن معظم الكتب التي صدرت عن الحرب في العراق تتناول الأخطاء السياسية والعسكرية في عملية الغزو .
كما تشير إلى ذلك صحيفة الواشنطن بوست التي ترى أيضا أن تلك الأخطاء أصبحت مألوفة مثل الخطأ في وضع خطط الاحتلال حتى في المدى القصير وتصرف بول بريمر اللاواعي بتدمير جميع ما تبقى من النظام في العراق بضربة قاضية للجيش العراقي وحزب البعث، والفساد والعجز المذهل في جهود إعادة البناء بقيادة الولايات المتحدة اللذين تسببا مع تصرفات أخرى في تحويل موقف الشعب العراقي إلى موقف معادٍ لمحتليه.وهنا نجد أن معظم مقالات وتصريحات المحللين والسياسيين الأميركيين تتفق مع قول توماس ميلر إن واشنطن أهملت دولة هي في أمس الحاجة إلى إعادة بنائها، وتركتها نهبا لأهواء الشركات الخاصة والمقاولين المسعورين بحب المال. كذلك يروي صاحب الكتاب كيف أن الافتقار إلى خطوط واضحة للسلطة قضى على الكفاءة والفاعلية والشعور بالمسؤولية.
وعند هذه النقطة أرجو أن يسمح لي القارئ العزيز بالعودة إلى الفصل الأول من الجزء الأول من الكتاب، فعندما أخذت في قراءة الكتاب وقعت عيناي على عنوان ذلك الفصل وهو: «رجل الشرف» فتصورت أن المؤلف قد ينوي الاستغراق في كيل المدائح لبعض الناس.
ولكنني عندما انتهيت إلى الفصل الرابع عشر والأخير من الكتاب وجدت المؤلف يستأنف حديثه عن رجل الشرف ذاك وإذا به يتناول مأساة إنسانية وأخلاقية مروعة لضابط وأستاذ جامعي وفيلسوف أميركي اسمه الكولونيل تيد وستيوزنغ. وقصة هذا الرجل الشريف جديرة بأن نتناولها بشيء من التفصيل.
**قصة الرجل الشريف
ولد تيد عام 1960 ونشأ في أسرة سوية وكان شابا متدينا يحب وطنه ويرى الأشياء بيضاء أو سوداء، حقيقية أو زائفة، صحيحة أو باطلة، ولم يكن في عالمه مكان للنسبية التي ترى أن قيم الإنسان تختلف من وقت لآخر باختلاف الظروف والاعتبارات. وتخرج تيد من أكاديمية ويست بوينت بتفوق وتقلب في مناصبه العسكرية حتى أصبح ضابطا للعمليات على مستوى الفرق العسكرية ثم رئيسا لأركان حرب الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا.
ومع ذلك كان يهفو دائما إلى الدراسات الفكرية فالتحق بقسم الفلسفة في جامعة إيموري في ربيع عام 2003، وكان موضوع دراسته الرئيسي هو «الشرف» وانكب على دراسة الحروب القديمة والنصوص اليونانية القديمة مثل تلك التي كانت محفوظة في مكتبات بغداد.
وأخذ يقارن بينها وبين الروايات الحديثة عن الحرب الأهلية وغيرها من الحروب لأنه أراد أن يعرف بالضبط ماذا كانت تعني كلمة الشرف بالنسبة للجندي الأميركي في العصر الحديث. وكان يعشق المناقشات حول أرسطو وأبقراط وسقراط وأفلاطون وكانت وديكارت. وقد ذهب إلى جامعة إيموري مرتين: الأولى في بدايات تسعينات القرن العشرين للحصول على الماجستير، والثانية في عام 2000 للحصول على الدكتوراه.
وقد اختار تلك الجامعة لأن قسم الفلسفة فيها لديه برامج دراسية في «الأخلاقيات العسكرية التطبيقية» بالإضافة إلى دراسة الفلسفة اليونانية الكلاسيكية. وكان تيد يحب سقراط بشكل خاص، والعبارة الأثيرة لديه هي ما قاله سقراط قبل إعدامه: «أولئك الذين يعتنقون الفلسفة الصحيحة إنما يمارسون الموت». وعين بعد ذلك أستاذا أكاديميا في ويست بوينت ليدرّس اللغة الإنجليزية والفلسفة لطلابها وأقام بمساكن الأكاديمية هو وزوجته ميشيل وأطفاله الثلاثة.
وفي خريف عام 2004 تلقى استدعاء من أحد قادته السابقين في الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا فلم يتردد في القبول قائلا إنه يريد أن يمارس الخدمة العسكرية ويستخدم مهاراته. وعندما ركب السفينة في يناير 2005 في طريقه إلى العراق كان يشعر بحماس بالغ لتطبيق دراساته في الميدان.
وقد تم تكليفه بواحدة من أهم المهمات الأميركية في عملية إعادة بناء العراق وهي تدريب قوات أمن عراقية جديدة لإراحة القوات الأميركية من ذلك العبء. وتصور تيد أنه لن يقوم فحسب بالتدريس لجيل جديد من الجنود ليكونوا ضباطا، بل وسوف تتاح له الفرصة أيضا للتدريس لشعب جديد وإفادته بما تعلمه طوال دراساته العليا عن الشرف والحرية والديمقراطية.
**جيش المقاولين
وإذا قفزنا مباشرة مع المؤلف إلى نهاية الكتاب في الفصل الرابع عشر المعنون: «تكاليف الحرب»، فسوف نتابع حياة الكولونيل البروفيسور الدكتور تيد وستيوزنغ.يقول المؤلف ميلر: عندما وصل من ويست بوينت إلى موقعه الجديد في العراق، وجد تيد نفسه في موقع قيادة جيش من نوع آخر هو مقاولو شركات الأمن الخاصة الذين يعملون وكأنهم جنود المشاة في عملية إعادة البناء. وقد جاء الكولونيل إلى بغداد ليعمل فيما اعتبرته وزارة الدفاع الأميركية أخطر المهام.
وكانت مهمته الرئيسية الإشراف على شركة أمن خاصة اسمها (يو. إس. آي. إس) ومركزها الرئيسي في ولاية فيرجينيا. وقد حصلت على عقود قيمتها 79 مليون دولار لتدريب فرقة من الشرطة العراقية على القيام بالعمليات الخاصة، وتحددت للكولونيل وللشركة مهلة ستة شهور لتدريب نخبة النخبة التي أطلق عليها اسم: «وحدة الطوارئ للرد السريع» .
وقد شكلت الوحدة لكي تتولى حماية كبار الشخصيات العراقية والعمل كفريق في مواجهة عمليات الاختطاف وحالات احتجاز رهائن طلبا للفدية. وكان من المفترض تشكيل ثلاث مجموعات تضم كل واحدة منها نحو ستين رجلا. ولم يكن تيد يتمتع بخبرة خاصة في الإشراف على شركات المقاولات أو تكتيكات الشرطة، ومع ذلك استغرق في العمل بهمة شديدة، وكان العراق يمثل لديه فرصة للمعرفة الذاتية وهي رغبة فلسفية تعلو لديه فوق كل شيء.
وفي بداية الأمر كان الكولونيل تيد ودودا للغاية مع المقاولين وأنشأ علاقات وثيقة مع المتدربين العراقيين وأخذ يمارس التدريب معهم يوميا بل وحتى يخرج معهم في التدريب على شن الغارات. ولفتت جهوده نظر الجنرال ديفيد بترايوس قائد عملية التدريب فطلب ترقيته إلى رتبة الكولونيل في إجراء غير عادي لمنح ضابط رتبة أعلى بشكل مباشر دون انتظار دوره في الترقية كما جرت العادة في معظم جيوش العالم.
وفي ابريل عام 2005 تعكر مزاج تيد وأصيب بالإحباط بسبب بطء إيقاع التقدم في العراق، وأصبح يشعر بالقلق من حالات التأخر في التدريب وفقد المعدات مثل الخوذ والأسلحة. وكتب رسالة إلى والده يقول فيها إن «الأمور لا تسير بشكل جيد» بل إنه وصل إلى حد التهديد بالاستقالة في إحدى المرات، وكتب في إحدى رسائله يقول: «سوف أقاتل من أجل مهمتي فإما أن أموت أو أكلف بمهمة أخرى، أو أفصل من العمل.
ولن أمنح أولئك الحمقى متعة أن أطلب منهم إعفائي». كذلك بدأ مقاولو مهمة تدريب الشرطة يضايقونه. وكانت شركة يو. إس. آي. إس قد تلقت مؤخرا تعديلا في عقدها يجبرها على مراقبة نفقاتها بدقة، وبدأ الكولونيل تيد يصطدم بمسؤوليها بسبب المسائل المالية، ولم يعد يستطيع أن يفهم سبب اهتمام هؤلاء المسؤولين الأساسي بالموقف المالي وتخصيص اهتمام اقل بإنجاز المهمة المنوطة بهم.
**صدمة مفاجئة
في شهر مايو حدث أن تلقى تيد رسالة من مجهول تقع في أربع صفحات وتحتوي على اتهامات مفصلة بتصرفات خاطئة وانتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبتها الشركة. وبدا أن كاتب الرسالة قد يكون موظفا سابقا فيها. وقد حدد في رسالته أسماء مسؤولين بها، وتبين أن لديه معلومات مفصلة عن عقد الشركة، ووصف بدقة عمليات كثيرة لها واتهمها بأنها تعمدت تضليل الحكومة بالنسبة لعدد المتدربين المحدد في العقد حتى تزيد من هامش أرباحها.
والأخطر من ذلك أن كاتب الرسالة كشف بالتفصيل عن حادثتين وزعم أن مقاولي الشركة شاهدوا أو اشتركوا في قتل عراقيين، وذكر أن أحد المقاولين شارك عددا من متدربي الشرطة العراقية في هجوم على الفلوجة في نوفمبر 2004 ثم أخذ يتباهى بعد ذلك بعدد العراقيين الذين قتلهم. وتروي الرسالة حالة ثانية شاهد فيها أحد موظفي الشركة متدربين وهم يقتلون اثنين بريئين من المدنيين العراقيين، ولكن كبار مسؤولي الشركة وقيادييها أخفوا كل شيء عن الحادثة.
ولم يرد أحد المديرين الكشف عن أي معلومات عنها لأنه خشي أن تؤثر على تعاقدات الشركة. ولم يضيع تيد وستيوزنغ الوقت، وسارع بإخطار رؤسائه المباشرين قائلا إنه يعتقد أن ما جاء في الرسالة صحيح. ولم يجد المسؤولون الأميركيون أي إخلال بالنسبة لمسألة ضيقة جدا وهي ما إذا كانت الشركة ملتزمة بشروط العقد أم لا، وبدا أنه لم يتم التحقق بدقة من الاتهامات الأشد خطورة.
ولم يكن مؤكدا أن المسؤولين الأميركيين سوف يحيلون تلك الجرائم إلى المحاكمة حتى لو كانت التهم حقيقية. ويذكر مؤلف الكتاب أن مسؤولا أميركيا أخبره شخصيا بأن تلك الجرائم ارتكبت في العراق لا في أميركا ولذلك فقد ثارت شكوك حقيقية حول من يملك السلطة القضائية في مثل هذه الحالات.
كانت الرسالة المجهولة صدمة كبيرة هزت كيان الكولونيل تيد إذ أن صاحب الرسالة ذكر فيها أنه يظن أن تيد تربطه علاقة صداقة بإدارة الشركة، وأن مديريها يستغلونه بسبب افتقاره إلى معرفة التدريب وشروط التعاقد. وقالت الرسالة أيضا إن «الفكرة المهيمنة عليهم هي أن يجنوا أكثر ما يمكنهم من الأموال مع بذل أقل جهد ممكن في العمل.
وبهذا أصبحت الشركة تزيد من أرباحها أمام عينيه». وفي يوم 18 مايو كتب تيد خطابا إلى عائلته يذكر فيه أنه في ورطة ولا يدري ماذا يفعل إزاءها، وقام باستشارة محام عسكري فأجابه بأنه لا يتوفر لديه علم شخصي بحقيقة تلك المزاعم، ولكنه ظل يشعر بالانزعاج.
وهنا يشير صاحب الكتاب إلى أن أحد المسؤولين الأميركيين قال له: «كنا جميعا نعمل هناك تحت ضغوط هائلة، فتلك مهمة ضخمة وبالغة الصعوبة. وبالنسبة للكولونيل تيد فقد كانت الأخلاقيات همه الأول حتى أنه ينزعج إلى حد كبير لو أشار أحد إلى أنه ربما يكون قد ارتكب خطأ».. وفي هذا الكلام إشارة لاتهام الرسالة له بسبب الشك في طبيعة علاقته بمديري الشركة.
**أزمة ضمير
وبدأ تيد يشكو لزملائه مبديا كرهه للمقاولين الذين قال إنهم يتقاضون أموالا كثيرة من الحكومة. وذكر أحد مسؤولي سلاح مهندسي الجيش الأميركي للمحققين فيما بعد: أن الاجتماعات مع المقاولين لم تكن سهلة أبدا بل كانت مثيرة للخلافات والنقاش الدائم. وقال أحد ضباط المقاولات ممن عملوا مع تيد إن الكولونيل لم يكن مرتاحا للمبالغ الضخمة التي يتقاضاها المقاولون.
وكانت محادثاته مع عائلته أكثر عنفا وتشاؤما حتى أنه أصبح يشك في أن حياته قد تكون معرضة للخطر. وقد هاتف زوجته ميشيل بعد تلقيه الرسالة المجهولة بقليل وأخبرها بأنه ينوي الاستقالة، وقال لها «إنه لا يستطيع أن يكون شريكا في ذلك العمل بعد الآن فالمقاولون فاسدون والعراقيون غير جديرين بالثقة» وأنه فقد السيطرة على العمل.
وبحلول شهر يونيو بدأ زملاؤه يقلقون على صحته إذ بدأ يفقد كثيرا من وزنه حتى أنه كان يضطر دائما إلى تعليق بنطاله بحمالات على كتفيه حتى لا يسقط، وبدا نحيلا ومرهقا ولم يعد ينام أكثر من أربع أو خمس ساعات، وامتنع عن الذهاب إلى صالة التدريبات الرياضية، وأخذ يمضغ التبغ، وتبدل سلوكه تماما ولم يعد يشترك في الأنشطة الاجتماعية مثل عروض الأفلام الليلية مع أنه لم يكن شخصا انعزاليا أبدا، وأصبح عصبيا في مكتبه ويكرر ويعيد ما يقوله .
ويحملق أحيانا في الفراغ لعدة ساعات، وأصبحت أسرته هي أيضا تشعر بقلق متزايد بينما تعمد هو إرسال رسائل مختصرة بالبريد الاليكتروني مغفلا توسلات العائلة له بأن يرسل تفاصيل عن أزمته فيرد بأنه سوف يذكر لهم المزيد بعد عودته إلى الوطن. وكتب ذات مرة إلى أخيه تيم يقول له «الأمور ليست سهلة في العراق مع أن كل شيء هام. أضف إلى ذلك الفساد والشر و.. الخ.. الخ.. العمل شاق ولكنني مثابر».
وردت عليه العائلة بسيل من الرسائل المعبرة عن حبها ودعمها له، وأرسلت إليه زوجته جهازا لتشغيل الاسطوانات (سي. دي) وكتابا للفيلسوف أرسطو. وتذكر الزوجة مكالمة هاتفية معه أثارت مخاوفها، فتقول: «سمعت شيئا في صوته يعبر عن الخوف وقال لي إنه أصبح يكره ساعات الليل ويشكو من شعوره بالوحدة». وذكر واحد من زملائه أنه «بدا متلهفا على مغادرة العراق، وأنه كانت لديه رغبة ملحة في العودة إلى الوطن في أسرع وقت ممكن».
وفي يوم 14 يونيو غادر تيد مكتبه في المنطقة الخضراء الخاضعة لسيطرة القوات الأميركية. وتوجه إلى «معسكر دبلن» مركز قيادة شركة يو. إس. آي. إس في مطار بغداد لمشاهدة عرض لمدى جاهزية الشرطة العراقية. وكان من المقرر أن يعقد عدة اجتماعات مع مسؤولي الشركة ومقاولين آخرين، ولذلك قرر المبيت في معسكر الشركة.
وفي تلك الليلة وفي أحد المكاتب لوحظ أنه أخذ مسدسه في يده وبدأ يلعب به ويحملق في الفضاء متململا وينبش رجليه بأظافره ثم يفرك قدميه ويغمغم بكلام لنفسه. وفي اجتماع الصباح التالي لمناقشة أسباب تأخر عمليات البناء بدا قلقا ومنزعجا وقال أحد مسؤولي الجيش إن تيد جلد المقاولين الحاضرين قائلا لهم: «هل يستطيع أي منكم أن يخبرني لماذا لا يستطيع إحراز تقدم؟» وأضاف المسؤول العسكري أن الكولونيل سئم من المقاولين الشرهين إلى المال وقال لهم إنه لم يأت من أجل ذلك، وانفض الاجتماع سريعا قبل موعد الغداء.
**نهاية مأساوية
وفي نحو الساعة الواحدة بعد الظهر ذهب أحد مديري شركة يو. إس. آي. إس ليتفقد الكولونيل تيد في الكابينة التي يقيم فيها لأنه كان مقررا أن تعود به السيارة إلى المنطقة الخضراء. وعندما دق المدير الباب ولم يرد عليه أحد عاد إلى نقطة التجمع وانتظر بعض الوقت ثم عاد إلى الكابينة ومعه موظف آخر في الشركة.
ونظر الموظف من خلال أحد الشبابيك فرأى تيد وستيوزنغ مستلقيا على الأرض في بركة من الدماء. واندفع المدير إلى داخل المقطورة وحاول إنعاشه. وذكر بعد ذلك للمحققين أنه التقط مسدس تيد الذي كان عند قدميه وقذف به داخل السرير.
وفي محاولة لإيضاح سبب التقاطه للسلاح في مسرح الجريمة قال المدير إنه كان يتوقع تجمع الناس وخشي أن يرتطم به أحد فتنطلق منه رصاصه. وبعد ثلاثة شهور من التحريات أعلن المحققون أن الكولونيل تيد وستيوزنغ قد مات منتحرا، وأنه وجدت آثار بارود على يديه، وأن غلافا فارغا لرصاصة في الغرفة وجدت به علامات تشير إلى أنها أطلقت من مسدسه العسكري.
ثم كانت هناك مسألة أخرى وهي أن المحققين عثروا على مفكرة ملقاة على السرير تحتوي على أربع صفحات مليئة باختصارات وكلمات تحتها خطوط، وثبت أن الأوراق مكتوبة بخط يد الكولونيل. وتضمن جزء منها هجوما على قائديه الاثنين وهما الجنرال ديفيد بترايوس والجنرال جوزيف فيل، ولكن معظم الأوراق كان يحتوي على سرد مؤلم للنضال من أجل الشرف في بلاد غريبة. ويثبت المؤلف في كتابه السطور التالية من تلك الأوراق بعد إكمال مختصراتها:
«لا أستطيع دعم مهمة تؤدي إلى الفساد وإهدار حقوق الإنسان، وإلى الكذابين. لقد تلوثت سمعتي.. لا مزيد بعد الآن.. أنا لم أتطوع لتأييد المقاولين الفاسدين والمتعطشين إلى المال، ولا للعمل لصالح القادة الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم وحدها. ولقد جئت لكي أخدم بشرف، ولكني أشعر بأن العار قد لحق بي.. أنا لا أثق بأي عراقي.
ولا أستطيع العيش على هذا النحو. الموت قبل المزيد من تلوث السمعة. الثقة جوهرية ولم أعد أدري بمن أثق. لماذا تؤدي الخدمة إذا لم تستطع إنجاز المهمة، وإذا لم تعد تؤمن بالقضية، وعندما تصطدم كل جهودك وحماسك للنجاح بالأكاذيب والافتقار للدعم وبالأنانية؟.. لا مزيد.. الحياة في حاجة إلى الثقة.. لا مزيد لي هنا في العراق».
«رجل صحيح وحرب خاطئة» تحت هذا العنوان الفرعي يقول توماس كريستيان ميلر إنه حتى ذلك الوقت كان تيد وستيوزنغ أول ضابط كبير في القوات المسلحة يلقى مصرعه. وقد أثار انتحاره سلسلة من التحقيقات وتولى أحدها المفتش العام بالجيش الأميركي. وانتهى التحقيق إلى أن شركة يو. إس. آي. إس لم ترتكب أية أخطاء.
ولكن انتحاره سجل صداما بين التلميع المفرط للعسكريين وثقافة العنف والفساد لدى العراقيين. وقد أجرى تحقيق منفصل قامت به الكولونيل ليزا برايتنباخ أخصائية علم النفس بالجيش الأميركي التي بدأت بدراسة عميقة لحالة الكولونيل تيد قبل وفاته.
وراجعت الطبيبة كل رسائله وقابلت زملاءه، وانتهت إلى أنه حمّل نفسه ضغوطا كبيرة لتحقيق النجاح، وأنه كان صارما في تفكيره بدرجة غير عادية. وقد عانى من محاولة التوفيق بين تمسكه بالأخلاق والفوضى التي سادت العراق. وقالت الطبيبة إنه كان قد اختار مجال دراسة تبرز في مقدمتها القضايا الأخلاقية والمعنوية التي اعتنقها ودافع عنها.
ومع ذلك لم تكن في مهمته الحالية قواعد ولا حتى إجراءات ثابتة لاتباعها بحيث تملي التصرف الصحيح وكتبت الكولونيل ليزا تقول في تقريرها: «كانت الرسالة المجهولة التي وصلت أصعب عوامل إثارة الاكتئاب وربما أكثرها إيلاما. وقد فجرت حالة قصوى من الاضطراب والانقباض النفسي.
وفي العراق التقى تيد بالعدو وهو الجشع، وأصبح يشعر دائما بخيبة الأمل بسبب اهتمام المقاولين الوحيد بالمال بدلا من عمل الشيء الصحيح لمجرد أنه صحيح، وأخذ يتصارع مع فكرة أن القيم المالية هي التي تعلو فوق القيم الأخلاقية في الحرب في العراق».
وهنا تشير ليزا إلى الخلل في قولها عن الكولونيل تيد: «رغم ذكائه فإن قدرته على إدراك فكرة أن الهدف الرئيسي للعاملين في القطاع الخاص هو الربح، كانت محدودة بدرجة تبعث على الدهشة، فهو لم يستطع نقل تركيبة ووجهة عقله من النظرية العسكرية الخاصة بإكمال مهمة ما بغض النظر عن التكلفة، ولا هو استطاع تغيير إيمانه بضرورة عمل الشيء الصحيح لأنه صحيح، وأن هذا المبدأ يجب أن يكون الدافع الوحيد لعوالم البيزنس».
وقد انزعج بعض أفراد الأسرة والأصدقاء من أنه مات في معسكر دبلن حيث كان بدون حارس شخصي، ومحاطا بنفس المقاولين الذين كان يشك في فسادهم. وتساءلوا عن السبب الذي دفع المدير الذي اكتشف جثته إلى التقاط سلاحه، ولماذا لم يتم فحص يد المدير لمعرفة ما إذا كانت عليها هي أيضا آثار بارود. وفي النهاية هناك أمر آخر غريب يتعلق بالأبواب، فقد ذكر المدير للمحققين أن الباب كان مغلقا عندما ذهب أول مرة ليبحث عن تيد وستيوزنغ، ولكن الباب كان مفتوحا عندما عاد في المرة الثانية. ويبدو أن المحققين العسكريين لم يحققوا في هذين الأمرين.
أما ميلر مؤلف الكتاب فإنه يقول: «بالنسبة لي إن موت الكولونيل تيد أكد حقيقة أساسية عن الحرب في العراق، فهناك كان واحد من أفضل جنود أميركا. جندي ذكي وملتزم بالنظام وممتلئ بالحماس وليس مهما في النهاية أن يكون قد انتحر أو قتل على أيدي المقاولين الجشعين الذين أرادوا إسكات كل من يطلق نفير التحذير.
ولكن المهم أنه قُذف به إلى عالم حيث لم تعد قيمه النبيلة هي الدافع للقتال، تلك القيم المتعلقة بأداء الواجب والشرف والوطن. إن الناس الذين حاربوا وعملوا في إعادة بناء العراق كان دافعهم الربح لا الوطنية ولا الأخوة ولا الإيمان بما كانوا يفعلونه، وذلك إلى حد كبير أكبر من أي نزاع آخر في تاريخ أميركا.
إن الجشع الذي أصاب الكولونيل تيد بالهموم لم تكن له علاقة بنظرية المؤامرة أو الجشع المسيّس الذي ينسبه الديمقراطيون إلى بوش وتشيني وأصدقائهم من عالم النفط، بل كان هو الكفاح اليومي لرجل الأعمال الأميركي العادي لجعل الحصول على المال أمرا ضروريا لا مناص منه بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية. وقد يعمل مثل هؤلاء الرجال بنجاح في أسواق تجارة التجزئة، ولكنهم ليسوا كذلك في ميادين القتال.
ويضيف المؤلف قوله: ليس هذا نقدا للمقاولين كأفراد في حد ذاتهم، وكثير منهم من العسكريين السابقين رجالا ونساء وربما كانوا يعتنقون نفس مبادئ تيد وستيوزنغ، ولكن مع عملهم الجماعي ووجودهم كشركاء حولوا الحرب إلى مشروع للربح لوث ودمر الجهد كله. وكما صور الأمر للمحققين العسكريين واحد من زملاء تيد إذ قال لهم: «لقد أردتم شن حرب ولكنكم بعتموها للمقاولين».
ونعود إلى مؤلف الكتاب الذي ينهي ذلك الحديث المأساوي بقوله: «عبر تاريخنا كنا نقول لجنودنا.. لرجال من طراز تيد وستيوزنغ إن الحرب لا يخوضها إلا رجال يتحلون بالشرف والشجاعة ونبل الهدف، ثم بعد ذلك دفعنا الأموال لزمرة من المقاولين ليقوموا بالعمل من أجلنا.. فلماذا إذن تبذل روحك بينما يمكنك أن تقبض ثمنا لها؟ لقد تحولت الحرب في العراق لتصبح نوعا حقيرا وقذرا من البيزنس الرخيص»!!
عرض ومناقشة: صلاح عويس


