الرحلات الاستكشافية التي قامت بها مركبة الفضاء الأميركية «فايكنغ» في عقد السبعينات من القرن الماضي أعطت انطباعا عاما بأنه لا توجد أي حياة على كوكب المريخ. غير أنه على الرغم من ذلك فإنه لم تتوقف حتى الآن محاولات سبر غور طبيعة هذا الكوكب الأحمر الذي نادرا ما تخلو الصحف من خبر بشأنه يوميا.
هناك كثير من الرحلات الاستكشافية والجيولوجية يجري إرسالها حاليا إلى الكوكب الأحمر لاستطلاع تاريخ المياه والبحث عن أي آثار للحياة هناك، والتي بدأت برحلة في الثاني من يونيو ؟؟؟؟م.
كما أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية المجس الفضائي «بيجل 2» المحمول على المركبة الفضائية «اكسبريس المريخ» للكوكب الأحمر، ثم تبعت ذلك مهمة ناسا التي شملت إرسال مركبتين. هذه المركبات الجيولوجية صممت للفحص الدقيق للتربة والصخور لتحديد تاريخ هذا الكوكب والإجابة عن السؤال التالي: هل توافرت لكوكب المريخ البيئة الملائمة لوجود حياة؟
الإجابة تأتي بالإيجاب على لسان أحد أعضاء فريق العلماء المشرفين على المركبة الفضائية «فايكينج»، وهو العالم جيل ليفن، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بيوسفيريكس انكوربوريتد. وجاءت تلك الإجابة لتحمل مفاجأة، ليس لأنها أتت بكشف جديد، فهناك علماء كثيرون يلمحون إلى وجود حياة على كوكب المريخ ويفردون كثيرا من الأدلة في هذا الصدد، وإنما لكونها جاءت على لسان واحد من فريق العمل في السفينة التي تسببت النتائج التي توصلت إليها في توقف البحث عن حياة هناك لمدة طويلة، لاسيما من جانب وكالة الفضاء الأميركية ناسا. وقد التقت مجلة « فوكس» العلمية البريطانية مؤخرا من خلال أحد صحافيها مع العالم جيل ليفن الذي ألمح إلى أن ناسا قد تكون فاتها أكبر كشف علمي في القرن الفائت.
وتعود جهود اكتشاف كوكب المريخ إلى منتصف عقد الستينات من القرن الماضي، وذلك من خلال المركبة الفضائية «مارينر» ثم المركبة فايكنغ في منتصف السبعينات، وازدهرت تلك المحاولات بعودة المركبة «مارس جلوبل سيرفيور» عام 1999 والمركبة «مارس أوديسي» عام 2001.
وقد أظهرت المعلومات والصور في المركبتين فايكنغ كثيرا من التفاصيل عن سطح الكوكب والتكوين المعدني للترسبات، وظهور الأودية والأخاديد ومظاهر التآكل الأخرى التي تشبه مثيلتها على كوكب الأرض. فقد كان هناك تصور يفيد أن جيولوجيا المريخ بسيطة، وهو ما أظهرت عكسه الصور، مثل الطبقات الكثيفة من الترسبات المتآكلة، وهو ما أعطى خبراء المناخ والفلك معطيات معقدة لتفسيرها وتحليلها.
فقد أيد بعض العلماء نظرية تعرض كوكب المريخ في الماضي لمناخ شديد الحرارة أدى إلى تجمع الماء وسريانه ووجوده على سطح الكوكب، وأن كثيراً من الأودية الكبيرة والمعالم المتآكلة البادية للعيان الآن تكونت خلال هذه الفترة. أما دراسات الاستشعار عن بعد فقد أوضحت احتمال وجود مجال مغناطيسي شديد القوة منع وجود الحياة على المريخ لاحتوائه على مجال إشعاعي غلف الكوكب.
وقام الباحثون في وكالة ناسا بمراجعة الصور القديمة لقشرة كوكب المريخ والتي بها أحواض وروافد أنهار يعتقد أنها قد تكونت حينما كانت المياه الجوفية على سطح الكوكب، وبمقارنة هذه الصور بتلك القادمة من «مارس جلوبل سيرفيور» ومطابقتها بالنماذج الهيدروليكية للمجاري المائية فإن ما ظهر في الصور يمكن أن يفسر بأنه شبكة صرف مياه ري مشابهة لتلك الموجودة في البحيرات العظمى الواقعة في الولايات المتحدة.
وبشكل عام فإن الخط الرسمي لوكالة ناسا خلال الأعوام الثلاثين الماضية تمثل في أن المركبتين «فايكينج» قد فشلتا في اكتشاف حياة على الكوكب الأحمر. غير أن بحثا جديدا تم الإعلان عنه في فبراير الماضي خلال اجتماع الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، التي تعرف اختصار ب«إيه إيه إيه إس» قد تسببت في أن يأخذ عدد أكبر من العلماء موقفا إيجابيا من تصريحات العالم ليفن الذي قال فيها إنه توصل إلى «مؤشر إيجابي يدل على وجود حياة على سطح الكوكب الأحمر، وهو الكشف الذي تسبب لي بمتاعب جمة منذ أن أفصحت عنه عندما كنت عضوا في فريق المركبة فايكنغ».
يقول ليفن إن فريق العمل الخاص بمركبتي الفضاء فايكنغ قام بثلاث تجارب للبحث عن حياة على سطح الكوكب الغامض وذلك في ثلاثة أماكن مختلفة. تجربتان من التجارب الثلاث فشلتا في الحصول على آثار للحياة هناك، في حين أن التجربة الثالثة التي كان يشرف عليها ليفن جاءت بأدلة إيجابية على وجود حياة.
فقد طور ليفن وسيلة لرصد الكائنات الحية المتناهية الصغر بشكل سريع للغاية. يقول ليفن في هذا الصدد: «الوسيلة المعروفة والمطبقة في زراعة الكائنات المتناهية الصغر تقوم على وضع تلك الكائنات في نوع من أنواع الحساء الغذائي ثم الانتظار لعدد من الأيام حتى تبدأ تلك الكائنات في التكاثر ومن ثم يمكنك رؤيتها. وتمثل أسلوبي في التعامل مع تلك الكائنات في أنني أضفت نظائر مشعة إلى تلك المركبات الغذائية.
وكان هذا يعني أنه بمجرد أن تبدأ تلك الكائنات الحية في عملية التمثيل الغذائي لتلك المركبات الغذائية فإنها ستبدأ في إخراج غاز مشع في صورة زفير يمكن رصده بسهولة. وقد ساعدتني تلك الوسيلة على اختصار يومين من الانتظار للعثور على دليل على وجود حياة، حيث لم تستغرق العملية برمتها أكثر 30 دقيقة». واستطاع ليفن من خلال هذه الوسيلة أن يثبت أن هناك بالفعل حياة جرثومية على سطح الكوكب الأحمر.
غير أن التجارب الأخرى التي قامت بها وكالة ناسا في هذا الصدد أثبتت وجود عناصر فلزية مثل الحديد والسليكون والأوكسجين، ولكنها لم تثبت وجود أي نسبة كربون، العنصر الأساسي للحياة، ومن ثم رُفضت النتائج التي توصل إليها ليفن. والسؤال الذي طرحته الوكالة حينذاك كان كالتالي: «كيف تكون تجربة ليفن قد رصدت وجود حياة في الوقت الذي لا توجد فيه أي مواد عضوية تعضد من نظريته؟» ومن ثم كان رد الفعل الرسمي للوكالة هو رفض النظرية واعتبار الكوكب خاليا من الحياة.
وأصرت الوكالة على هذا الرأي حتى فبراير الماضي عندما تم تقديم بحث ليفن بشكل معدل في اجتماع جمعية إي إيه إيه إس الأميركية التي ناقشته وخرجت بتقرير يفيد أن الطبيعة الكيميائية لكوكب المريخ يمكن أن تكون مختلفة كل الاختلاف عن تلك الموجودة على سطح الأرض. وأشار التقرير إلى إمكانية وجود نوع من الجراثيم يمكن أن تعيش في ظل الأجواء المتجمدة الموجودة في صحارى الكوكب الأحمر وذلك بفضل تمتعها بقدرة خاصة على التمثيل الغذائي.
يقول العالم ديرك شولتز من جامعة ولاية واشنطن، وهو أحد الباحثين المسؤولين عن التقرير، إن نتائج التقرير قد تكون خاطئة ولكن هناك فرصة لإثبات وجهة نظره في أغسطس المقبل، وهو الموعد المقرر لإطلاق مركبة الفضاء فينيكس.
ومن المعروف أن فينيكس ستقوم بإنزال مسبار جديد في القطب الشمالي للمريخ ستكون المهمة الأساسية له هي الحفر في التضاريس لفحص التاريخ الجيولوجي للمريخ. وستكون هناك رحلات أخرى من المقرر إطلاقها 2009 تحتوي على مختبر متنقل. و جميع هذه الرحلات يؤمل منها تمهيد الطريق إلى إطلاق أول رحلة مأهولة للكوكب الأحمر في عام 2011.
إعداد: حاتم حسين