يدلف الزائر إلى جامعة الشارقة فيتفاجأ بالازدحام البشري الذي تشهده قاعة المجمع الرياضي فتارة يعلو صوت التصفيق الحار وتارة أخرى تعلو أصوات الموسيقى الكلاسيكية التراثية وسط رقصات فلكلورية تشتبك فيها أيادي الطالبات في صورة تعكس عمق التناغم الحضاري بين أطياف الجاليات التي تحتضنها جامعة الشارقة وتزيد على ثلاثين جنسية عربية وأجنبية.
ملتقى الجاليات الخامس الذي أقيم في جامعة الشارقة تحت شعار «شعوب في قلب» وافتتحته قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بمشاركة 25 جالية عربية وأجنبية كان لافتا بصورة استثنائية فالإقبال على الأجنحة التي تبارت في استقطاب الزوار من خلال ابتداع أفكار تعكس تراث وحضارة البلدان التي تنتمي إليها كبير جدا وكانت بحق نموذجا مصغرا لأوطان طالبات أضناهن الشوق والحنين لرؤية الوطن الغالي. ويلمح الزائر في رحلته بين البلدان تركيز اللجان المنظمة على الجانب التراثي والتاريخي من خلال عرض لبعض المقتنيات الأثرية والمخطوطات كما في الجناح العراقي والفلسطيني والسوداني الأمر الذي يبرهن أن التحضير وجلب المحتويات استلزما وقتا وجهدا كبيرين برغم تعاون بعض سفارات الدول المشاركة في تزويد تلك الأجنحة بالمستلزمات التي تخص حضارة تلك الدول.
وكان اللافت في ركن الجالية الليبية اكتظاظه بالزوار الذي قالت عنه الدكتورة عزيزة حظرات من كلية طب الأسنان انه يطرح بصورة أساسية عادات وتقاليد الشعب الليبي في بعض المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية كالاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف وعاشوراء، مضيفة أن ما يضفي على الجناح صفة الحداثة محاولته لدمج الجانب التراثي بالحضاري وتعريف من يزور الجناح بان التقدم والتطور لا يمكن أن يلغيا بأي حال من الأحوال بعض العادات التي توارثها الأبناء عن الأجداد، من جانب آخر كان للأزياء التراثية حضورها. حيث لبست طالبة من الجالية الليبية رداء من الحرير مع كرديه من الفضة والذهب الخالص وهو اللباس الذي ترتديه المرأة الليبية ليلة الزفاف، أما المأكولات الليبية المعروضة فكان منها الفول والحمص الذي يقدم في عاشوراء وبمناسبة حلول فصل الربيع والخلوط وهو عبارة عن مكسرات وحلويات تقدم بمناسبة قدوم المولود الجديد أما أشهر العصائر التي تواجدت بقوة في الجناح فكانت عصير اللوز وكعك المقروص.
ولم يغفل جناح ليبيا التعرض لتاريخ الدولة ومراحل نضالها الطويل ضد الاستعمار الايطالي فاستعرض بالصور عمليات التعذيب والإبادة الجماعية لعائلات ليبية في أكثر من 13 معتقلاً أوجدها الاستعمار الايطالي منها معتقل سلوق والعقيلة وصور للشهيد المجاهد عمر المختار منذ 1911 حتى إعدامه من قبل القوات الايطالية عام 1931. وزينت جناح فلسطين خارطة قديمة للمدن والقرى الفلسطينية التي أزال الاحتلال العديد منها واستبدلها بمستوطنات تقطنها حاليا عائلات إسرائيلية، وقالت نور نادر طالبة طب الأسنان إن المشاركة وتمثيل فلسطين أمر يدعو إلى الفخر خاصة وأننا شعب يحمل وطنه أينما حل ومن الضرورة بمكان تعريف العالم بقضيتنا وحقنا الأزلي في تأكيد عروبة فلسطين التي حاول العدو الإسرائيلي أن ينال من عروبتها منذ احتلاله للأراضي الفلسطينية عام 1948 .
من جانبها ذكرت الطالبة فاطمة برمجي من كلية الإعلام أن المعروضات في الجناح تشتمل على بعض الخزفيات التي تم جلبها من مدينة الخليل التي تشتهر بالصناعات الخزفية والمشغولات المصنوعة من خشب الزيتون كما تم عرض صورة للعهدة العمرية فيما لم تنس الطالبات التعرض لقضية الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال.
إضافة إلى الأكلات التي تشتهر فيها البيوت الفلسطينية التي قدمت لزوار الجناح تعبيرا عن كرم الضيافة العربي، وفيما إذا كانت هناك صعوبة في جلب المقتنيات والمعروضات من صور وملابس ومشغولات أجابت الطالبة بالنفي لا سيما أن هذه المقتنيات لا يخلو منها بيت فلسطيني.
تلاقٍ لا تصادم
واعتبرت بدور الكعبي رئيسة النادي السعودي في الجامعة أن الملتقى فرصة حقيقة لتلاقي الحضارات وإبراز مكامن عظمتها وروعتها، مشيرة إلى حرص اللجنة المنظمة على أن يكون الجناح بطاقة تعريف حقيقة للمملكة العربية السعودية.
وتوسط الجناح الذي حمل شعار «وطن واحد قلب واحد» صورة بالحجم الكبير للكعبة المشرفة وما يلفت النظر إلى أن الصورة التقطت بعدسة الطالبة سارة الحرمي إضافة الى توزيع المنظمات لبعض الكتيبات والمصاحف على الزوار كما تم عمل نموذج لبئر زمزم فيما اصطفت قوارير ماء زمزم التي تم جلبها من السعودية حوله ووزعت على زوار الجناح ، ولم تغفل الطالبات إظهار الكرم والضيافة العربية، فجلبوا قالبا من الحلوى السعودية تذوقته زائرات الجناح من طالبات وموظفات في الجامعة .
ركن الجالية البحرينية رغم صغره كان قيما وعظيما بمحتواه فقد كان يخلو من المقتنيات إلا أن نسخة مصورة عن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين في القرن السابع الميلادي التي دعاه فيها الى الإسلام قد استوقفت الجمهور الزائر فوقف يرى منطق حديث الند للند في رسالة الحبيب المصطفى وهو ما تحدثت عنه الطالبة إيمان المحروس رئيسة النادي البحريني مؤكدة حاجة الأمة العربية للعودة الى صفحات التاريخ ليستلهموا منه مكامن القوة بدل الضعف الذي أحاق بهم، مشيرة الى أن النص الأصلي للرسالة موجود في بيت القران في البحرين.
وتقول نورة جاسم من اللجنة المنظمة إن الجناح احتوى أيضا على بعض الكتب والمخطوطات التي تستعرض تاريخ مملكة البحرين واهم المواقع التاريخية فيها إضافة الى صور لأشهر الصناعات في الدولة وهي صناعة الذهب واللؤلؤ وصناعة السفن والصيد.
وذكرت فاطمة الدهام رئيسة النادي الكويتي أن الملتقى يعرف الطالبات بعادات وثقافات الشعوب الأخرى خاصة العربية كما يسهم في تعزيز اطر التواصل مع بعضهم البعض .
اللافت في ركن إيران رغم ضيق المساحة استعراضه لأهم الشعراء والأدباء الإيرانيين منهم حافظ تخت جشيد ومقبرته التي توجد في أصفهان وتقول فاطمة إبراهيم أن حضارة إيران أوسع بكثير وليس ما قدمه الجناح في هذه المساحة الضيقة سوى جانب ضئيل من تاريخ زاخر بالانجازات الحضارية والإنسانية التي تم إدراجها في الجناح أما على هيئة صور أو كتب ومخطوطات.
وفي جناح دولة قطر كان للتكنولوجيا حضور لافت إذ حاولت الطالبات عكس صورة التطور والقفزة الهائلة التي تشهدها دولة قطر في الوقت الراهن دون نسيان قطر قديما حيث توسطت المكان صورة قديمة لقطر تجاورها أخرى حديثة، وعلى امتداد الطاولات عرضت أشهر المأكولات القطرية منها الخنفروش والهريس.
حضارة مجهولة
وينقسم الجناح السوداني بحسب ما تقوله إحدى المنظمات وهي عزه كمال طالبة المختبرات الطبية إلى قسمين الأول خاص بمنطقة الشمال ويضم جلسه للعروسة وبعض المصنوعات الجلدية التي تشتهر فيها مناطق الشمال والشرق منها الحية المعروفة لديهم بالأصلة.
إضافة إلى عرض لبعض الإكسسوارات التي ترتديها المرأة وملابس الرجال خاصة تلك التي يرتديها العريس وتعرف بالهلالي، أما في قسم الجنوب فيبرز الجناح شكل البيت السوداني وما يحتويه من مناظر مصنوعة من مواد طبيعية كجلد الغنم أو الغزال والسقوف المصنوعة من النخيل ومجسمات لبعض الحيوانات المصنوعة من شجر الابناوس والعاج والصدف. وتعلق قائلة: نسعى لإبراز حضارة السودان لان الأغلبية للأسف يجهلونها.
في الجناح المصري الذي حمل شعار البيت بيتك ارتدت بعض الطالبات الزي الفرعوني القديم والبعض الآخر فضل أزياء ريفية لفتت الأنظار إليهن فتحلق الزائرين حولهن للتعرف عن كثب على حضارة مصر القديمة والحديثة كما ضم الجناح بعض التماثيل الفرعونية القديمة وصور للأهرام ومعبد ابو سمبل ووادي الملوك في الأقصر كما تمحورت الكتيبات الموزعة حول المدن والمعالم السياحية في مصر.
أما ركن الجالية السورية فتميز بوجود نافورة الماء التي تتوسط البيوت الشامية القديمة إضافة إلى بعض المأكولات التي تشتهر بها المدن السورية، ولم تغفل المنظمات استعراض أهمية دمشق تاريخيا مع الإشارة إلى بعض رموز الشعر منهم نزار قباني.
مخطوطات ومقتنيات أثرية
ركن الجالية العراقية تميز بالحضور الطاغي للتراث سواء من حيث الملابس التراثية التي زينت أجساد الطالبات وتنوعت من بابل إلى بغداد والبصرة أو المخطوطات والمقتنيات الأثرية التي عرضت للمتفرجين كما خصصوا في ركنهم زاوية فيها بعض من المأكولات العراقية، مثل الدولمة وخبر عروق والكباب والحلوى العراقية وكل ذلك يراه الزائر بعد ان يدخل للجناح عبر بوابة عشتار التاريخية.
يذكر أن الدول المشاركة في ملتقى الجاليات يضم الجزائر وسلطنة عمان ونيجيريا والصومال وتشاد وكينيا وجزر القمر والهند وباكستان والأردن التي تبارت جميعها لإبراز حضاراتها بصورة لائقة مشرفة.
عراقة وجمال درجة أولى
تؤكد الطالبة حنين حسن سعي طالبات الجالية البحرينية لإبراز عناصر العراقة والجمال في بلدهن بالدرجة الأولى، مشيرة إلى أن التعاون مع السفارة البحرينية أسهم في تذليل بعض العقبات في إعداد جناح يليق بمكانة الدولة.
وما أن يقترب الزائر نحو ركن الجالية الكويتية حتى تستقبلك منظمات الجناح بحفاوة ويقمن بتقديم شرح مفصل عن محتوياته والأشياء الموجودة التي تعكس حضارة شعب الكويت منها أبراج الكويت ومسجد الشيخة فاطمة وبرج التحرير ومجلس الأمة إضافة إلى علم الكويت القديم الذي رفرف خفاقا فوق الجناح يجاوره علم الدولة الرسمي الحالي.
أشهر المأكولات الإماراتية
ركن جناح الإمارات ركز على طابع الحياة في الدولة قديما من خلال دكان شريفي الذي يعرض بعض المواد الغذائية والتموينية التي يحتاجها البيت الإماراتي إضافة إلى أشهر المأكولات الإماراتية فيما احتوى ركن في «رحاب التاريخ» بعض الكتيبات والمخطوطات التي تتحدث عن تاريخ الدولة وملامح النهضة في مرحلتي ما قبل وبعد اكتشاف النفط وبعض مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة منها مسرحية الاسكندر الأكبر وفي رحاب التاريخ.
نورا الأمير



