يحرص المؤلف في ختام كتابه على تأكيد أنه بفضل الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة فإنها أصبحت أكثر أمناً مما كانت عليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو يفصل القول في تبرير اعتقاده هذا، لكن ربما كان الجانب الأكثر أهمية في الجزء الختامي من هذا الكتاب، بالنسبة للقارئ العربي،

هو قراءة جورج تينيت لوقائع ما يجري اليوم في العراق، وليس من قبيل الصدفة أنه يفرد للعراق فصلاً ممتداً يحمل العنوان الدال «المهمة التي لم تنجز» حيث يلقي الضوء على النتائج المروعة التي ترتبت على مجموعة خاطئة من القرارات الأميركية، وفي مقدمتها القرار الأميركي بحل الجيش العراقي.

ومن منظور تينيت، فإن الورطة الأميركية في العراق بدأت قبل وقت ليس باليسير من الغزو، فلم يكن هناك إلا قدر محدود من التخطيط قبل تنفيذ قرار الغزو حول ما سيجرى بعد هذا التنفيذ، بما في ذلك عملية الاعمار، ولكن الجانب الأخطر هو عملية إعادة هيكلة البلاد سياسياً،

حيث يدور السؤال الكبير حول الكيفية التي سيدار بها العراق وأي دور سيسند إلى العراقيين في تقرير مستقبلهم السياسي، وعلى الرغم من انه جرت مناقشات مكثفة في هذا الشأن بين المؤسسات الأميركية المختلفة، كانت غالبا على أعلى مستوى، إلا انه لم يكن حداً أدنى من الوضوح فيما يتعلق بما ستمضي إليه الأمور في هذا الشأن.

وقد أبدت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي آنذاك وديك تشيني نائب الرئيس الأميركي اهتماماً كبيرا بهذا النقاش وغالباً ما شاركا فيه بصورة مباشرة وشارك عن «السي. آي.ايه» في هذا النقاش اثنان من كبار مسؤوليها، هما جون ماكلولن وبوب جرينير.

المهمة التي لم تنجز

يوضح جورج تينيت ان هذا النقاش الذي دار حول العراق انقسمت الآراء بصدده وفقاً للخطوط المألوفة، حيث جند كلاً من وزارة الخارجية الاميركية والسي.آي.ايه ومجلس الأمن القومي تبني منهاج أكثر شمولا وشفافية، يتم في اطاره تجميع العراقيين الذين يمثلون القبائل والطوائف ومجموعات المصالح العديدة في البلاد للمشاورة وتشكيل نوع من الجمعية الوطنية التي يمكنها بعد ذلك اختيار مجلس استشاري ومجموعة من الوزراء لحكم العراق.

ويلاحظ انه لم يدع أحد إلى ادخال الديمقراطية على طريقة جيفرسون إلى العراق، ولكن الكثيرين كانوا يعتقدون ان العراقيين ينبغي تشجيعهم على المشاركة في هذه العملية التي ستساعد سريعاً على تحديد زعماء حقيقيين للعراق الديمقراطي واضفاء الطابع الشرعي على وضعهم.

غير ان نائب الرئيس الأميركي والمدنيين في البنتاغون دعوا إلى منهاج مختلف تمام الاختلاف، فبدلا من المخاطرة بعملية سياسية مفتوحة النهاية يمكن للأميركيين التأثير عليها لكنهم لا يتحكمون بها ولا يسيطرون عليها، فقد أرادوا التمكن من الحد من سلطة العراقيين وانتقاء أولئك العراقيين الذين سيشاركون في هذه العملية.

وعلى الصعيد العملي، فقد كان ذلك يعني أحمد الجلبي ومجموعة محدودة من المعارضين المقيمين في المنفى منذ وقت طويل والمعروفين للجميع، جنباً إلى جنب مع قادة المناطق الكردية التي تتمتع بالحكم الذاتي بصورة جوهرية.

وكان الفارق بين المنهاجين بالغ الوضوح، وقد لخص نائب الرئيس هذه الورطة بقوله ان الاختيار هو بين «السيطرة والشرعية» وأعرب دوجلاس فيث بوضوح عن اعتقاده بأنه لن يكون من الضروري ان يضفي المنفيون العراقيون الطابع الشرعي على أنفسهم، وقال.. يمكننا نحن ان نضفي الطابع الشرعي عليهم.. وذلك من خلال المساعدة الاقتصادية والحكم الجيد الذي ستقدمه الولايات المتحدة.

هكذا بدا جليا أنهم لا يدركون أبدا ان السيطرة السياسية تعتمد في جوهرها على موافقة المحكومين.

هنا يلفت المؤلف نظرنا إلى أنه لم يتم قط التوصل إلى إجماع بين الأطراف المشاركة في النقاش حول ما سيتم القيام به، ولم يتم التوصل إلى خطة واضحة. غير أنه في أوائل يناير 2003 وقع الرئيس جورج دبليو بوش التوجيه الرئاسي الأمني القومي رقم 24 الذي أسند إلى وزارة الدفاع «الملكية» التامة والمطلقة لعراق ما بعد الحرب.

ويشير تينيت إلى أنه في ذلك الوقت لم يبد الأمر واضحاً لكن هذا التوجيه سيحسم من الذي ستكون له القرارات النهائية فيما يتعلق بهذه المسائل بالغة الأهمية، وسيحدد الاتجاه الذي تمضي فيه عملية إعادة البناء في مرحلة ما بعد الحرب.

القرارات الكارثية

يكشف المؤلف النقاب عن أن جيرمي بريمر، الذي أصبح الحاكم الأميركي الفعلي لعراق ما بعد الحرب قد التقى دوجلاس فيث قبيل مغادرته إلى بغداد بأيام في مقر البنتاغون، حيث أهاب به هذا الأخير أن يبادر في أسرع وقت ممكن إلى إصدار أمر يقضي بمنع الأعضاء السابقين في حزب البعث من أن يكون لهم أي دور في الحكم الجديد، وهو ما فعله بريمر على وجه الدقة في 16 مايو، أي بعد أربعة أيام فقط من وصوله إلى العراق.

تلك كانت البداية في سلسلة قرارات وصفتها مصادر عديدة بالكارثية وفي مقدمتها قرار بريمر حل الجيش العراقي ومجموعة المؤسسات ذات الصلة من قريب أو بعيد بالمؤسسة العسكرية العراقية بما في ذلك الشرطة وقوى الأمن على اختلاف مسمياتها.

إذا كان هذا القرار الأول لبريمر سيتوقف عنده المؤرخون وطويلاً، فإن قراره الثاني سيصدر في 23 مايو وسيقضي بحل الجيش العراقي، وهو ما يعقب عليه تينيت بأنه من المؤكد أن عناصر في الجيش العراقي وبصفة خاصة الحرس الجمهوري وتنظيم الأمن الخاص قد لوثت أياديها بكثير من الدماء غير أن الكثير من ضباط الجيش العراقي كان ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مهنيين دفعتهم القيم الوطنية العراقية

وليس الولاء لصدام حسين، وبمقدورهم أن يشكلوا القوام الأساسي والجوهري لمؤسسة عسكرية عراقية جديدة، لكن هذا الأمر الذي أصدره بريمر وجه ضربة قاسية الذين يزعم تينيت إنهم يشكلون عشرين في المئة من سكان العراق،

والذين شغلوا من الناحية العملية جميع المناصب العليا في الجيش. وقد أدى قرار بريمر إلى إثارة سخطهم باعتبارهم خمس سكان العراق جنباً إلى جنب مع معظم سكان وسط البلاد. في 8 يوليو 2003 أفاد تقرير من الضابط الأعلى للـ «سي. آي. إيه» في بغداد أنه بينما يبدو أن الأمور تعود تدريجياً إلى طابعها العادي بالنسبة للعراقيين العاديين

فإن أمن قوات التحالف كان يتداعى، وأنه «بين العوامل المؤدية إلى إثارة العداء نحو القوات المتحالفة الشعور العام بخيبة الأمل حيال التقدم البطيء في إعادة إعمار العراق وتقديم دليل ملموس على أن الحياة ستكون أفضل مما كانت عليه في ظل النظام السابق». كان التقرير حافلاً بالتحذيرات، وتوالت تقارير أخرى على غراره.

الشراكة الغريبة

يبادر المؤلف إلى إيضاح أن الـ «سي. آي. إيه» لم تكن هي وحدها التي انفردت بالتحذيرات من خطورة الوضع المتردي في العراق، وإن مشاركتها في ذلك الخارجية الأميركية. في 10 نوفمبر 2003 خرج كولن باول وزير الخارجية الأميركية بتقدير للموقف في العراق يشارك تقديرات الوكالة في طابعها المتشائم حيال ما ستمضي إليه الأوضاع في العراق،

حيث كتب يقول: «في ضوء السخط الشعبي المتصاعد على الاحتلال، فإننا لا يمكننا الحفاظ على الترتيب الراهن المتعلق بسلطة الاحتلال المؤقتة وقتاً طويلاً بما يكفي للسماح بإكمال العملية المعقدة المتعلقة بصياغة مسودة دستور وإجراء انتخابات شاملة. إن عملية سياسية تتمتع بالمصداقية تفضي إلى نقل مبكر للسلطة تعد بالغة الأهمية في إخضاع الحركة المسلحة المتزايدة التي تواجهها قوات الاحتلال».

بحلول منتصف نوفمبر 2003، بدأ يتضح في أذهان الكثيرين في الإدارة الأميركية أنه لابد من تغيير ما في العراق، وبحسب ما أكده أحد مسؤولي الوكالة في تلك المرحلة، فإن العراق: «ليس لديه ماء، ولا كهرباء، وفرص العمل في أدنى المستويات، وكل من سنحاول تنصيبه لتولي المسؤولية سينظر إليه على أنه مسؤول عن ذلك كله وسوف يسقط».

وقد كان أحمد الجلبي في أذهان الكثيرين في الإدارة الأميركية في تلك المرحلة، ولكن تينيت يبادر إلى تأكيد أن وجهة نظره أن الجلبي لن يقدر له النجاح كثيراً في مهمته، ويقول إن وجهة نظره هذه برهنت على أن الصواب كان يحالفها،

حيث أنه عندما أجريت الانتخابات في نهاية المطاف لم يحصل حزبه على أصوات تذكر، ولم يفز بمقاعد. في صفحة 441 من الكتاب، يوضح المؤلف أن إعادة تشكيل الجيش العراقي يعد أكبر تجربة مخيبة لآمال الأميركيين في العراق، حيث أن الجهود التي بذلت في هذا الشأن سارت من سيء إلى أسوأ.

ولكن ما الذي كانت الوكالة تقوم به في ذلك الوقت في العراق؟

إن المؤلف ـ بالطبع ـ لا يوضح لنا أبعاد دور الوكالة كاملة، لكنه لا يتردد في القول إنها كانت تتحرك على كل الجبهات، بما في ذلك الجبهة السياسية، حيث أعدت برنامجاً للعمل مع زعماء القبائل يقوم على قيام الوكالة بتقديم مواد الإغاثة والمساعدة إلى أبناء هذه القبائل مقابل «التعاون» من جانب زعمائها، ولا ينسى أن يشير إلى أن بريمر رفض دعم هذا البرنامج.

وفي مناسبة أخرى نظمت الوكالة اجتماعاً في المنطقة الخضراء يضم عدداً من قيادات السنة لمحاولة إقناعهم بالمشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، فبادر بريمر إلى دخول قاعة الاجتماع حيث ألقى خطاباً حماسياً استمر عشرين دقيقة، ثم انصرف خارجاً من القاعة، تاركاً القيادات السنية تغلي من الغضب، وبالفعل فقدت السي. آي. إيه اتصالها بأغلبية هذه القيادات.

وفي مناسبة أخرى كان ضابط الوكالة الأرفع رتبة في بغداد قد نظم اجتماعاً مع سبعة وخمسين من كبار الضباط العراقيين السابقين، وكان الهدف من الاجتماع فتح حوار بين هؤلاء القادة وبين جنرال ريك سانشيز قائد قوات الجيش الأميركي في العراق،

وكان المقصود بالاجتماع أن يكون خطوة أولى نحو تشكيل حكومة عراقية مؤقتة حتى وإن لم يكن بالإمكان أن يخدم أي من هؤلاء الضباط السابقين فيها، غير أن بريمر أمر سانشيز بألا يذهب لحضور الاجتماع، وقال له: «إننا لن ندخل في حوار مع العدو».

حوار مع علاوي

في مايو 2004 كانت قيادة التحالف تحاول إقناع دكتور إياد علاوي رئيس حزب الوفاق الوطني بالموافقة على شغل منصب وزير الدفاع في الحكومة العراقية الانتقالية الجديدة، ويقول تينيت انه كان قد التقى علاوي مرات عدة في واشنطن ولندن

على الرغم من أنهما لم تربطهما معرفة وثيقة، لكنه بحكم منصبه كان راعياً لكل جهود بناء الثقة والنوايا الحسنة التي بذلتها الوكالة معه ومع حزبه، ولهذا السبب طلب منه أن يلتقيه ويحثه على قبول منصب وزير الدفاع.

تم اللقاء بين الرجلين في غرفة بأحد فنادق العاصمة الأردنية، واقتصر عليهما، وكان تينيت قد تلقى تعليمات بالحديث مع علاوي بصراحة وجعله يدرك أنه يتعين عليه قبول المنصب المعروض عليه، لكنه كان يعرف أنه لا ينبغي أن يلجأ إلى هذا الأسلوب في الحوار معه،

وهكذا مضى إلى الاجتماع عاقداً العزم على تركه يتحدث ويصغي إليه فيما يعرب عن شعوره بالإحباط، وقد كان هذا هو ما حدث بالفعل في الاجتماع. وقد تبين أن علاوي لا يكترث كثيراً بالقيادة المؤقتة للتحالف التي يتولى رئاستها بريمر، وقال إنه تم الاتصال به لتولي منصب وزير الدفاع، ولكن أحداً لم يكلف نفسه عناء إخباره ما الذي يعنيه ذلك.

وكان جوهر ما قاله إنه بعيد عن اليقين بما إذا كان يريد المشاركة في أي شيء من هذا القبيل، لأنه يدرك أن هناك احتمالاً كبيراً لعدم تكليل الحكومة العراقية المؤقتة بالتوفيق أصلاً. وقد انتظر تينيت لكي ينتهي علاوي من الإعراب عن مشاعر السخط، قبل أن يبادر إلى محاولة إقناعه بقبول المنصب،

ولكن بأسلوب مباشر، حيث قال له: «إياد، ليس بمقدوري إبلاغك بأنك لابد لك من أخذ هذا المنصب، ولكنني بحاجة إلى أن أقول لك إنه يتعين عليك التمعن في الأمر بدقة. وإذا كان أناس طيبون مثلك لنا يتقدموا لشغل المناصب المهمة، فلن يكون هناك أمل للعراق».

فرد علاوي قائلاً: «جورج ليس بمقدوري إقناع أي أحد في سلطة التحالف بإبلاغي بواجبات وزير الدفاع، وما هي صلاحياته وما هي حدود عمله. كيف يمكنني أن أقبل وظيفة لا يستطيع أحد توصيفها؟» هنا وعده تينيت بأن يوعز إل أحدهم بأن يقدم له التفاصيل المطلوبة، وهكذا انتهى الاجتماع العتيد، ووصلت إلى علاوي المعلومات التي يريدها فأبدى اهتمامه والتقى بعدد من القادة العراقيين الآخرين وناقشوا الخطوات التالية،

وسرعان ما بعث إلى بريمر مبدياً اهتمامه بالمنصب، ومشيراً إلى أنه على استعداد لقبول منصب رئيس الوزراء في الحكومة العراقية المؤقتة، وقد تبين أنه نجح في تجميع عدد كبير من القادة العراقيين الآخرين حوله، الذين أبدوا تأييدهم الكامل.

ويقول تينيت إن أول رد فعل له حيال سماع ذلك هو القول: عظيم! وذلك على الرغم من أنه لم يكن على تمام الثقة من أن علاوي هو الرجل المناسب لهذا المنصب القيادي. ويعود المدير السابق للسي. آي. إيه إلى المحاولات الأميركية لإعادة تشكيل الجيش العراقي، فيقول إنه مع تولي إياد علاوي رئاسة الحكومة العراقية المؤقتة في يونيو 2004 بدا واضحاً أن جهود التدريب تمضي بشكل سيء،

وعلى الرغم من أن وحدات قوامها كتائب قد شرعت في الظهور إلا أن انضباطها كان متواضعاً، وغالباً ما كانت تنحل في غمار القتال، وبدأ كبار الضباط العسكريين الأميركيين في الإعراب عن اعتقادهم بأن المشكلة ليست في التدريب الأميركي، وإنما هي تكمن في القيادة العراقية.

ويلخص الكاتب رؤيته للموقف في العراق إلى أنه لا سبيل إلى العودة إلى العراق القديم، وأن السنة لن يشغلوا أبداً المواقع ذات المزايا التي تمتعوا بها يوماً، فالولايات المتحدة تدعم سلطة شيعية متزايدة ولن تسمح لأي نوع من البديل السني المعادل بالظهور.

وهو يضيف: إنك عندما تقرر أن تمضي بالبلاد إلى الحرب، فإنه يتعين عليك ليس فقط أن تعرف أن بمقدورك أن تهزم العدو عسكرياً وإنما ينبغي أن تكون لديك خطة واضحة تسمح لك بالحفاظ على السلام. ولم يكن هناك أبداً أي شك في أن القوات الأميركية ستهزم العراق عسكرياً، ولكن ما لم تتوافر لواشنطن وحدة الهدف والموارد اللازمة على الأرض، وببساطة بالغة فإن مجلس الأمن القومي لم يؤد عمله.

الخروج

في الصفحات النهائية من الكتاب، يبادر المؤلف إلى الإشارة إلى مجمل الظروف الموضوعية التي غادر فيها منصبه، ويعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة كانت لدى تركه لهذا المنصب في يوليو 2004 في وضعية أكثر أمناً مما كانت عليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

غير أنه يشدد على أنه لابد من أن يقال إن المخابرات ليست الرد الوحيد على أي مشكلة معقدة. وغالباً، من أفضل الحلول ما يكون 60% فقط من الحقائق المتعلقة بأي قضية أمن قومي قابلة لأن تعرف، والمخابرات تحاول أن ترسم صورة واقعية لموقف بعينه على أساس تفسير الخبراء وتحليل المعلومات التي تم تجميعها، والنتائج هي بصفة عامة انطباعية ونادراً ما تعرض بصورة مجسمة وواضحة.

غير أن القدرة على الحصول على هذه الانطباعات هي مسألة بالغة الأهمية، وللقيام بذلك فإن أي أمة يتعين عليها أن تكرس اهتماماً مستمراً وموارد لقدراتها الاستخبارية، ليس في وقت الأزمات فقط وإنما دائماً. ومن منظور جورج تينيت فإن الإرهاب والعراق كانا القضيتين الأكثر إلحاحاً خلال فترة توليه منصبه التي امتدت سبع سنوات، ولكن على الرغم من أهميتهما،

فإنهما لا ينبغي أن تحجبا عن العيون قضايا أخرى في منطقة الشرق الأوسط التي تكتنفها المتاعب، فهذه المنطقة أقل استقراراً اليوم من أي وقت مضى في غضون ربع القرن المنصرم. وقد دخلت الولايات المتحدة الحرب في العراق وتصرفت

كما لو أن أعمالها هناك لا علاقة بها بعملية السلام في الشرق الأوسط ولا بالاحداث في لبنان أو سوريا أو الصراع الأوسع نطاقاً ضد الارهاب، بينما هذه القضايا متداخلة وتقتضي الآن استراتيجية تتضمن النظر إليها على أنها مترابطة على نحو لا مجال لتفكيكه.

هكذا تكلم جورج تينيت، وما يقوله مهم ومفيد وجدير بالتوقف عنده وتحليله طويلاً، لكن ما لم يقله هو إلى أي حد تعد الولايات المتحدة عامة، والجهاز الذي تولى مسؤوليته سبع سنوات كاملة خاصة، مسؤولين عن تفاقم قضايا المنطقة، وصولاً إلى هذه الوضعية المتشابكة التي يتحدث عنها.

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين