مع الحيوية التي شهدها موسم الانتخابات، كان هناك قدر كبير من التعليقات عن فرنسا و«النموذج الفرنسي».

إنني أدرك تماماً أن فرنسا يُنظر إليها على أنها كائن غريب، بمقدوره الدعوة إلى إضراب هائل في أية لحظة ولأسباب غامضة. وأدرك أيضاً أن بلادي يُنظر إليها عادةً باعتبارها المستودع الأخير للبيروقراطيين في العالم، عملاقاً نائماً نوعاً ما. إن الإضرابات الهائلة التي نُظمت للحيلولة دون تعرض الموظفين الشباب إلى الطرد من دون تفسير تحيّر الكثير من الناس. كثيرون يتبنون الرأي القائل إن رفض فرنسا لمرونة العمل ليس إلا رفضاً لمواجهة الواقع.

الحقيقة مختلفة تماماً. فالواقع يتمثل في أن بقية دول العالم تغار من فرنسا. إذا كانت فرنسا تستقطب سياحاً أكثر من أي بلد آخر فضلاً عن مستويات عالية من الاستثمار الخارجي، فذلك يرجع إلى أن نوعية الحياة عالية للغاية. عندما أسمع أن البريطانيين يهاجمون نقاط ضعف فرنسا المفترضة، فإنني أتساءل لماذا تقوم قلة قليلة من الشعب الفرنسي بشراء منازل في المناطق الريفية البريطانية، بينما يقوم كثيرٌ من البريطانيين بذلك في فرنسا.

إن السبب هو ذاته: نوعية الحياة في فرنسا تعد إحدى أفضل النوعيات في العالم، إن لم تكن الأفضل. ولا شك في ذلك. ولن تتراجع فرنسا، فإنتاجها في كل ساعة يعد أيضاً أحد الأكثر ارتفاعاً ففرنسا تحتل المرتبة الأولى أو الثانية أو الثالثة في حقول عديدة، وستظل على المستوى نفسه. أتساءل كم من الوقت سيبقى كاريكاتير فرنسا الكسول ماثلاً أمام العيان.

وهناك، بالطبع، بعض الأسباب الوجيهة لانتقاد فرنسا. أحدها طبيعة نخبتها السياسية، فهي عجوز ظلت في المكان ذاته لأكثر من ثلاثين عاماً، مبهورة بالماضي، غير واعية بحقائق العالم. وأعضاؤها يثيرون الشفقة بقدر ما يتمتع الشباب الفرنسي بالديناميكية. إن اندلاع ثورة أمرٌ محتم. متى؟ كيف؟ بسرعة؟ بهدوء؟ بعمق؟ ستظهر نخبة جديدة، تتناسب مع الديناميكية العميقة للشعب الفرنسي. على هذا الشأن، ألقت الانتخابات ببعض الضوء.

ولكن خشية من أن يكوّن الأجانب الانطباع الخاطئ، دعوني أوضح ما أعنيه: لن تستسلم فرنسا، واليسار الفرنسي خاصةً، لأي نموذج. فرنسا لن تصبح نسخة مطابقة لأي بلد آخر. واليسار الفرنسي سيستمر بطريقته الخاصة، على الرغم من قيامه بالتجديد طوال الوقت بمساعدة التقنيات الجديدة.

نعم، فرنسا تعد استثناء، ولكن ليس أكثر من كون أي بلد آخر يعد استثناءً بتاريخه، وجغرافيته وثقافته. لذلك ليس هناك سبب يدعو اليسار واليمين الفرنسيين للسعي إلى تقليد أي مبدأ آخر أو مجموعة قوانين أخرى من الخارج. إن اليسار الفرنسي يعد مرآة للمجتمع الفرنسي، يسعى إلى العدل الاجتماعي والمرونة الاجتماعية.

لقد شيدت فرنسا حول دولة مركزية قوية، ولغة موحدة ومشروعات كبرى. هذا ما جعل فرنسا ما هي عليه اليوم: أمة قوية، تتمتع بمعايير حياة عالية، وزيادة معدلات العمر ثلاثة أشهر كل عام وبنية تحتية ممتازة في قطاع المواصلات.

إذا كانت فرنسا تعد استثناء، فإنها سعيدة بكونها كذلك. ليس بمقدور فرنسا، ولا يتوجب عليها، القضاء على خصائصها لمجرد إرضاء منافسيها. ليس هناك نموذج عالمي ومثالي لليسار يتوجب على فرنسا والآخرين تقليده. هناك فقط مواقف وطنية. بعبارات سياسية، لا يكمن مستقبل اليسار في الخضوع لاقتصاد سوق قاهر، وإنما في ابتكار سبل جديدة لتحقيق التوازن بين السوق والديمقراطية. وهذا التوازن، وسبل تحقيقه، خاص بكل بلد.

لذلك، ففي هذه الحملة الرئاسية، هناك اتفاق بين كل أحزاب يسار الوسط لتحقيق توازن بين سلطة الدولة (ذات الأهمية في مسألة الرفاه إضافة إلى حماية اللغة، والسياسة الصناعية، والشرطة، والدفاع، والسياسة الخارجية، والأمن الاجتماعي، والتكامل الاجتماعي، والطاقة، والصحة، ومعاشات التقاعد) وسلطة الأقاليم (المسؤولة عن الثقافة، والابتكار، والبيئة والطرق والمدارس).

يعد الدفاع عن اللغة الفرنسية باعتبارها رابط الدولة أحد أدوار الدولة الرئيسية للمستقبل في وقت تشير العولمة إلى أن الأمم الأخرى تفشل في هذا الجانب. لا يريد كل من اليسار أو اليمين في فرنسا أن تصبح الدولة مزيجاً من الجماعات العرقية.

تواجه فرنسا مشكلات عديدة، تتمثل في البطالة المرتفعة، والافتقار إلى المرونة، وضعف في التعليم العالي والقدرة على توفير السكن، الاندماج غير المتكافئ للأقليات، الديون العامة، والتهديد بالتراجع الصناعي، وهذا قليل من كثير. ولكن ليس هناك أي نموذج خارج فرنسا يمكنه حل هذه المشكلات.

إن اليسار الفرنسي سعيد بالنظر إلى ما يطلق عليه النموذج البريطاني والنظر بعين الإعجاب إلى بعض أبعاده، كسياسات التوظيف التي يتبناها. ولكن يجب تحذيره من تقليد الوصفة برمتها. على سبيل المثال، فإنه يؤمن بشدة، بالاستيعاب، ويجب أن يكون قلقاً من تقليد التحول الخطر باتجاه الحياة المتفككة أو المجتمعات المنفصلة، كما نرى في بريطانيا وهولندا. كما أنه لم يُقنع بأن أمة ما يمكنها البقاء من دون العمود الفقري الصناعي القوي. إن المملكة المتحدة، على سبيل المثال، لا يمكن أن تتألف من مدينة لندن فقط.

لذلك فإن فرنسا ستضيف المزيد إلى أرصدتها: دولة قوية، ونظاماً صحياً فعالاً، وقاعدة صناعية قوية، وتحاول التقليل من نقاط ضعفها الرئيسية عن طريق تحسين وضع المرونة، والبحث والمنافسة. وسيصبح التحدي التالي إدخال أفكار جديدة على مبدأ اليسار، في فرنسا كما في أي مكان آخر. لم تُطبق العولمة حتى الآن سوى على الاقتصاد.

ونحن نريد عولمة الديمقراطية أيضاً. لهذا السبب، نحتاج إلى تخيل استخدام التقنيات الجديدة في الحياة السياسية، والإمداد الأوسع بالمعلومات ومفهوم جديد لديمقراطية قائمة على المشاركة. نريد أن نفكر في اكتساب المهارات باعتبارها عملاً يستحق راتباً ملائماً بدلاً من الاستغلال. نحن نريد القيام بإعادة تنظيم وإحياء المؤسسات العالمية. هذه بعض الأمور التي يتعين على جميع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في العالم أن تعمل من أجلها، بدلاً من محاولة تصدير وصفاتها الخاصة المميزة جداً إلى بيئات ليست ملائمة لها بتاتاً.

ترجمة: كوثر علي

عن «لوس أنجلوس تايمز»

بقلم: جاك أتالي