عند زيارتها لأول مرة لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تصدق أن هذه الجزيرة العطرة الرائحة البديعة الأركان والتي لا تبعد سوى 20 دقيقة فقط بالعبارة عن الجزيرة الأم في سنغافورة تستقبل نفايات وقمامة جميع سكان هذا البلد الآسيوي الجميل الذي يصل تعداده إلى 4,4 ملايين نسمة.
نعم إنها جنة النفايات كما يطلق عليها بكل ما يحمله هذا الوصف من مفارقة. والحديث هنا هو عن جزيرة بولاو سيماكاو التي تستقبل جميع نفايات سنغافورة طوال 24 ساعة يوميا وعلى امتداد جميع أيام الأسبوع السبعة. والأكثر غرابة أنها ستستمر في أداء هذا الدور طوال الأربعين عاما المقبلة. إنها ليست مكانا تقليديا لاستقبال النفايات كغيره من الأماكن التي خصصت لهذا الغرض في أي من مناطق العالم.
فالجزيرة، إلى جانب كونها مكباً للنفايات، تلعب دورا مزدوجا يتمثل في أنها تمثل بؤرة حيوية للتنوع البيولوجي يجتذب أندر السلالات الحيوانية والنباتية في العالم، وتعتبر نقطة جذب حتى لمحبي السياحة البيئية الذين يأتون إليها عن طريق رحلات منظمة بمصاحبة مرشدين سياحيين على دراية كاملة بمخارج ومداخل هذا المكان الذي يضرب مثالا لجميع دول العالم في كيفية الاستفادة من أصغر وأصعب المساحات في عمليات التخطيط العمراني والتخلص من النفايات بشكل مفيد للبيئة.
وبولاو سيماكاو ليست أول جزيرة صناعية تنهض من بين أحضان البحر لتعانق الطبيعة بهذا الشكل الجميل وفي الوقت نفسه تستقبل النفايات. فقد سبقها في هذا الصدد مقلب قمامة ينتمي إلى جزيرة أخرى في دولة جزر المالديف التي تقع قبالة الساحل الجنوبي للهند. ففي عام 1992 بدأ سكان المالديف في رمى قمامتهم في بحيرة ضحلة تقع في إحدى جزرهم الصغيرة. وفيما بدأت الجزيرة في الاتساع أطلق عليها اسم تيلافوشي.
غير أن الأمر الذي يميز سيماكاو عن تيلافوشي وعن الجزر الأخرى التي تحمل الطابع ذاته هو أن كل قمامة سيماكاو يجري حرقها ومنع تسربها سواء بالرائحة أو بالمواد إلى المناطق المجاورة. فسنغافورة تحرق أكثر من 90% من قمامتها وذلك لاعتبارات خاصة بالمساحة الصغيرة للبلاد، حيث تريد الحكومة أن تستغل كل بوصة من مساحتها الصغيرة فيما ينفع اقتصاد البلاد.
فمنذ استقلالها عن ماليزيا في عام 1965، تحولت سنغافورة إلى واحدة من أثرى 50 دولة في العالم، الأمر الذي يُعد انجازا لدولة لا تزيد مساحتها إلا قليلا على ربع مساحة أصغر ولاية أميركية. غير أن النمو السريع الذي حققته هذه الدولة الآسيوية تسبب في ظهور مشكلة كبيرة متعلقة بالنفايات الصناعية والبيئية. وفي بداية عقد التسعينات بدأت الحكومة هناك في الترويج بشكل قوي لبرنامج إعادة تدوير قومي، وفي حث سكانها والهيئات الصناعية بها على خفض حجم النفايات الموجودة في البلد.
ومنذ عام 1999 تعمل شركات التخلص من القمامة في سنغافورة على إعادة تدوير المواد الزجاجية والبلاستيكية والإلكترونية وحتى الأسمنتية قبل أن تقوم بحرق المواد الأخرى. وتم إنشاء مصنع تواس ساوث لحرق النفايات والذي تملكه وتديره الحكومة ويعد الأكبر والأحدث إنشاءً بين المصانع الأربعة الحكومية في البلاد ـ تم إنشاؤه في الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة الأم لسنغافورة.
وفي زيارة ميدانية لفريق صحافي أرسلته مجلة «نيوساينتست»، التي أفردت للجزيرة موضوعا في عددها الأخير، تبين للصحافيين والاختصاصيين الذين ضمهم فريق المجلة مدى التفرد الذي تتمتع به الجزيرة وتميزها في طريقة معالجة النفايات، مما يسهم في إيجاد بيئة نظيفة على الرغم من الأجواء التي لا تساعد على ذلك. فأجهزة الحرق تمتص الهواء القذر من الغرفة التي تستقبل القمامة وترسله إلى غرفة الاحتراق من أجل القضاء على أي روائح قذرة.
غير أن عملية الاحتراق لم تسر بهذا القدر من السهولة في البداية. فعندما بدأت الحكومة السنغافورية عملية حرق النفايات، زادت الانبعاثات الكربونية بشدة في الغلاف الجوي وذلك وفقا لبيانات معمل أوك ريدج الوطني في مدينة تنيس. غير أنه خلال العامين الماضيين ثبت معدل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير نسبيا. وفي هذا الصدد نقلت مجلة «نيوساينتست» عن بو سون هونج، المدير العام لمصنع تواس ساوث: «لقد ثبتت فعالية برنامج إعادة التدوير الذي أطلقناه بشكل كبير للغاية لم نكن نحن أنفسنا نتوقعه».
فعندما بدأت الحكومة عملية حرق النفايات، كان السؤال الأخطر الذي فرض نفسه هو أين يمكن وضع الرماد الذي ستخلفه هذه النفايات. وفي عام 1998 بنت الحكومة هناك سدا صخريا طوله 7 كيلومترات يربط بين جزيرتين تقعان قبالة الساحل وهما جزيرتي سيماكاو وسيكامج وتم اعتبارهما جزيرة واحدة سُميت بولاو سيماكاو. وتكلفت عملية البناء نحو 610 ملايين دولار سنغافوري، أي نحو 400 مليون دولار أميركي.
وتم طرح أول دفعة من النفايات هناك في أبريل 1999، وكان ذلك في اليوم الأول الذي أعقب إغلاق آخر مقلب للقمامة في الجزيرة الرئيسية للبلاد. يقول لو إنج بور، أحد كبار المسؤولين في سيماكاو: «نحن لم نكن نخطط لتصميم جزيرة تجتذب السياح. فالتخلص من النفايات كان أمرا حيويا بالنسبة لنا».
وتقدم الطريقة التي استطاعت بها سنغافورة تحويل المكان إلى مقصد سياحي مفتاح نجاح التجربة السنغافورية في هذا الصدد. في محطة استقبال النفايات في الجزيرة تقوم أجهزة الرفع بتفريغ الرماد داخل حافلات القمامة التي تذهب بها إلى 11 خليجا كل منها متصل بالآخر ويطلق عليها اسم «خلايا» يتم تفريغ الرماد بها.
ويجري أولا إخراج وضخ ماء البحر خارج «الخلية» التي يجري بعد ذلك إحاطتها بطبقة من البلاستيك السميك لعزل الرماد ومنع أي تسرب له في المنطقة المحيطة. ثم يتم تغليف المواد التي لا يمكن إعادة تدويرها أو حرقها بطبقة من البلاستيك قبل أن يجري حرقها . وفي كل شهر يتم اختبار عينات من المياه المحيطة بتلك «الخلايا» من أجل التأكد من عدم تسرب أي مياه ملوثة إلى داخل مياه المحيط.
وقد تم حتى الآن امتلاء أربع من الخلايا الإحدى عشرة الموجودة إلى مستوى مترين فوق مستوى البحر مما دفع المسؤولين إلى تغطيتها بطبقة من التراب وغرسها ببذور لإنماء الحشيش بها. وهناك عدد قليل من الأشجار يزين المنظر العام للمكان، وهي أشجار تأتي بمثابة «هدية» من الطيور كما يقول لو:
«الأشجار نعتبرها هدايا من الطيور التي تأتي للمكان، فنحن زرعنا الحشيش ولم نزرع أي أشجار». وعندما تمتلئ كل الخلايا، وهو الشيء المتوقع حدوثه بحلول العام 2020، فإن العمال سيبدأون من جديد في رمي القمامة المحروقة إلى داخل الأرض وتغطيتها بالتراب.
يقول وانج لوان كينغ، من متحف رافلز لبحوث التنوع البيولوجي في جامعة سنغافورة الوطنية: «الجزيرة تمثل قصة نجاح حقيقية بكل المقاييس. فالنظام البيئي هناك يسير بشكل جيد للغاية لدرجة أن هناك رحلات سياحية يجري تنظيمها للمكان. والسياح بالفعل يتملكهم شعور بالاندهاش والسعادة في آن واحد مما يرونه من تنوع بيئي ثري في مثل هذا المكان».
إعداد: حاتم حسين
