أجرت صحيفة (فاينانشال تايمز) مؤخراً مقابلةً مع سيرجى إيفانوف، نائب رئيس الوزراء الروسي، شدد فيه على أن بلاده لا تشكل أي تهديد للغرب، وأنها لا تعتزم استخدام مواردها من الطاقة كسلاح جيوسياسي، وأشار إلى مشاعر المرارة والخذلان الروسية النابعة من مواقف الغرب منها، واستبعد أن تعود روسيا إلى سيناريوهات الحرب الباردة، وفيما يلي نص الحوار:
الرجل الذي قد يصبح الرئيس الروسي المقبل يحمل رسالة، مفادها أن الروس يرغبون بالاستمرارية وهم بحاجة إليها. فقد قدمت سبع سنوات من تولي بوتين الرئاسة نتائج محددة تتمثل في اقتصاد منتعش واحتياطات متزايدة.
(أي شخص سيرشح نفسه للرئاسة لن يتحدث من منطلق أن كل ما قام به بوتين كان سيئاً)، هذا ما قاله سيرغي إيفانوف، النائب الأول لرئيس وزراء روسيا، لصحيفة (فاينانشال تايمز)، وأضاف: (مثل هذا المرشح لن تكون لديه أدنى فرصة. ستكون هناك شخصية هامشية نوعاً ما، أو مهرج. ولكنهم سيحصلون على 1% أو نصف الواحد في المئة من الأصوات).
كان إيفانوف يتحدث بإيجاز أمام الائتلاف المعارض، (روسيا الأخرى) الذي عقد اجتماعات في موسكو وسانت بطرسبرغ. كان المشاركون لا يتجاوزون بضعة ألوف من الأشخاص لا غير، ولكن في إشارة واضحة لتوتر الكرملين، قامت شرطة مكافحة الشغب بقمع كلا الإجتماعين بوحشية. وقد تحدث إيفانوف إلى المتظاهرين بلهجة شديدة حيث كانوا يحاولون تعطيل حركة المرور بالمدينة، وربطهم بالمتشددين. وضرب بعرض الحائط ما أطلق عليه المحاولات المحتملة، حتى مع التمويل الأجنبي، لزعزعة استقرار روسيا قبل الانتخابات.
وقال:(قد تكون هناك المحاولات، أو الرغبة بالقيام بمحاولات. ولكن هذا لن يفضي إلى نتيجة. فالوضع الاقتصادي والسياسي اليوم يعد مستقراً للغاية. ومن شأن هذا أن يكون جهداً بلا طائل). ويعد إيفانوف البالغ من العمر 53 عاماً، على غرار الرئيسبوتين، جاسوساً سابقاً في جهاز (كي.جي.بي) وأحد أصدقائه الذين يمنحهم ثقته فقد التقى الاثنان في هذا الجهاز في سانت بطرسبرغ، وعندما أصبح بوتين رئيس جهاز (الإف إس بي)، وهو الجهاز الذي حل مكان (كي جي بي) عام 1998، جعل إيفانوف نائبه.
والآن فإن النائب الأول لرئيس الوزراء الروسي الذي يتولى مسؤولية تجديد الصناعة، بعد ست سنوات أمضاها كأول وزير مدني للدفاع، تتطابق آراؤه تقريباً مع آراء بوتين، على الرغم من أنها أكثر وضوحاً في بعض الأحيان. وعلى سبيل المثال فإنه عندما سئل عما إذا كان الرئيس قد أفرط في مركزة السلطة السياسية والاقتصادية من عدمه، قال إن الروس لن ينعموا بالراحة في ظل حكومة تنتهج أسلوباً غربياً تماماً.
وأضاف: (إن روسيا بلاد كبيرة وغالبية سكانها، كما في السابق، تعتمد على القيصر. ومجتمعنا المدني لا يزال ضعيفاً، ليس بمقدوركم رؤية قضايا مركزية الإدارة في روسيا سوى من خلال موشور من الثقافة السياسية الأنجلو سكسونية.فروسيا لن تأخذ نموذج حكومتها بأكمله، وبنسبة 100 %، من النخبة السياسية الأنجلو سكسونية).
ويقول إيفانوف إنه في السياسة الاقتصادية ( ليبرالي تماماً)، على الرغم من أنه يعتقد أن:(هناك قطاعات محددة من الاقتصاد سيزيد فيها دور الدولة بنسبة أكثر من 75% تحديداً)- الطاقة النووية بصورة واضحة، والتي لها استخداماتها المدنية والعسكرية. ويتعين على الدولة أيضاً أن تدعم مجالات مثل بناء السفن، وصناعة الطائرات، التي تعجز السوق عن تطويرها لوحدها.
كما أنه يؤمن بشدة بحق الشركات الروسية، المملوكة لكل من الدولة والقطاع الخاص، في الاحتفاظ بغالبية ملكية النفط والغاز التي تمت إعادة جزء كبير منها. وتابع: (إنها مواردنا، أما كيفية تطويرها ومن أين سنحصل على التمويل فهو شأننا، نحن نسمح بالمستثمرين الأجانب باعتبارهم متعاقدين. ونسمح لهم بالدخول انطلاقاً من وجهة نظر الاستثمار في التقنية. ولكن، بالنسبة للميادين الكبرى، فلا أعتقد أنه في المستقبل القريب سنسمح لأي شركة أجنبية بتطوير أي مجال كبير في الأراضي الروسية).
ولكن يبدو أن إيفانوف يحس بالألفة في غمار مناقشة الأمن والسياسة الخارجية . وعلى الرغم من خطاب بوتين شديد اللهجة في ميونيخ والذي انتقد فيه (النزعة الأحادية) الأميركية، إلا أنه يصر على أنه ليس هناك خطر مواجهة جديدة بين الأعداء القدامى.
(في أي سيناريو معقول لتنمية روسيا، فإننا لن نخوض غمار حرب باردة). وقال (لقد لُدغنا من هذا الجحر ذات مرة، ولن نكرر خطأنا مرة أخرى) وإذا كانت روسيا تقوم بتحديث مؤسستها العسكرية، فإن هذا ليس بغرض استهداف أوروبا والولايات المتحدة. فهي عملية تم تصميمها لمواجهة التهديدات الجديدة المحتملة بين جيرانها القريبين منها، بما في ذلك إيران وكوريا الشمالية.
غير أنه يقول إن روسيا تشعر بالحيرة والخذلان بفعل سلوك الغرب. ويضيف:(في منتصف التسعينات اعتمدنا على حقيقة أن انهيار الاتحاد السوفييتي سيفضي إلى نهاية الحرب الباردة، وأن الناتو لن يمضي باتجاه الشرق، وأنهم لن يقوموا بتأسيس قواعد عسكرية حيث وعدونا بأنهم لن يقيموها على الاطلاق. ولكننا نرى أن الجميع خدعنا. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يحدث كل هذا؟) إن خطط الولايات المتحدة لوضع أجزاء من نظامها الدفاعي الصاروخي الذي تم التخطيط له في شرق أوروبا قد أصبحت بؤرة هذه الحيرة من جانب روسيا.
ويصر إيفانوف على أن روسيا لا تشكل أي تهديد للغرب، ولا تستخدم موارد طاقتها كسلاح جيوسياسي. وقال: (ليست هناك إمبريالية طاقة، ولكل من النفط والغاز ثمنه. ففي منتصف التسعينات علمتمونا أن يصبح بلدنا اقتصاد سوق. وتعلمنا الدرس. والآن نستمع إلى انتقاد مفاده أننا نتصرف بشكل خاطئ، وأننا نستخدم أسعار الطاقة لأغراض سياسية. ولكننا (في حقيقة الأمر) نبيع للجميع وفقاً لأسعار السوق).
ترجمة: كوثر علي - عن«فاينانشال تايمز»
