بمناسبة الإعلان عن انسحاب توني بلير رئيس الوزراء البريطاني من الحياة السياسية ، يجري حاليا جردة حساب للتغييرات التي طرأت على العلاقات بين بلاده وأوروبا أثناء سنوات ولايته العشر. وفي هذا الحوار الذي أجراه معه مراسلون من الصحف الأوروبية الرئيسية ، يفتخر بلير بكونه قدم لأوروبا « مدلولا عمليا » كان من شأنه أن يسهل اقتراب بلاده من المشروع الأوروبي كما يلقي الضوء على العديد من القضايا المطروحة حاليا . وفيما يلي نص الحوار:

* على الرغم من جهودكم، يبدو أن الرأي العام البريطاني لا يزال ينظر إلى أوروبا من منظور عدائي تماما مثلما كان عندما وصلت إلى سدة الحكومة منذ عشر سنوات خلت. هل لا تزال عالقا بين فكي مأزق الشعور بأنك معزول في بروكسل وخائن في بلادك؟

- حين وصلت إلى سدة الحكومة في عام 1997، كانت المملكة المتحدة معزولة كليا وأوسع نشاط دبلوماسي كان رفض «العقد الاجتماعي ». ومنذ ذلك الحين ونحن نلعب دورا على جانب كبير من الأهمية في تشجيع سياسة دفاع أوروبية و «أجندة لشبونة» و سياسة الطاقة وتعيين خوسيه مانويل باروسو في منصب رئيس المفوضية الأوروبية. ولقد قمنا بتنفيذ عملية التوسيع ، التي شكلت إحدى الأولويات البريطانية. ومن أجل المصلحة الوطنية، أعتقد أنه ينبغي على المملكة المتحدة أن تكون لاعبا أساسيا في أوروبا.

* هل تعتبر أنه فشل لسياستكم أن الريبة والشك حيال أوروبا لا يزالان يكتنفان الرأي العام البريطاني؟

- صحيح أن حالة الارتياب متواصلة، لكننا كحكومة وبالتالي كبلد تصرفنا بطريقة مغايرة. وإذا أجريت استطلاعا للرأي فمن المؤكد أنك ستجد تفسيرا لحالة الارتياب هذه. لكنك إذا ذهبت إلى ما هو أعمق من ذلك وسألت الناس عما إذا كانوا يودون الانفصال عن أوروبا، فإنهم سيجيبونك بالنفي. فهم يفهمون جيدا مدى أهمية أن تكون المملكة المتحدة حاضرة إلى حد كبير في كنف أوروبا. أما أيام العزلة تلك فقد ولت.

* من الذي تحرك: المملكة المتحدة أم الاتحاد الأوروبي؟

- كلاهما، فلقد كان هناك تبادل للمناخ في أوروبا نجم في جانب منه عن عملية التوسيع، لكن أيضا لأن أوروبا بذاتها تريد التركيز ، على سياسات عملية وعلى الاقتصاد والطاقة والبيئة والجريمة والهجرة. وأنا أعتقد أن أوروبا باتت اليوم تتمتع بمدلول عملي أوسع، وذلك ليس ناجما عن الأعضاء الجدد فحسب، وإنما بفعل المملكة المتحدة أيضا.

* لكنكم تعارضون دستورا يقصي المطالبة باتفاقات يتم التوصل إليها بالإجماع، والتي تعيق الآن تطور السياسات الملموسة تلك.

- لكننا نقبل بعمليات تصويت لغالبية مؤهلة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. وأنا اعتقد أنه على صعيد الممارسة لا حاجة لتغيير المعايير لتطوير أعمال مشتركة في موضوعات مثل الهجرة والطاقة والبيئة.

* أي نوع من التغييرات اللازمة التي يمكن أن تكون المملكة المتحدة مستعدة لقبولها؟

- لا أريد التفاوض في العلن، سواء كان الأمر يتعلق بمعاهدة مبسطة أو بتعديلات هذه المعاهدة(المعاهدة الدستورية ). لكن من حيث الجوهر فإنه لا يتعين التراجع عن المعاهدة الدستورية وعدم إقرارها كما هي فحسب، بل يتعين علينا إقرار معاهدة قادرة على تحسين المعايير الأوروبية.

* لكنكم وقعتم الدستور وفي عام 2005 قال جاك سترو وزير الخارجية البريطاني إن الدستور هو الخيار الأمثل للمملكة المتحدة. لماذا تغيرتم إلى هذا الحد؟

- نعم، وقعنا المعاهدة الدستورية وأعتقد أنه كان بإمكاننا أن نتعايش معها ، لكن يتعين علينا أن نعيش مع الواقع الجديد أيضا.

* ما هو الواقع الجديد؟

- الواقع الجديد هو أن فرنسا وهولندا صوتتا بـ «لا » وفي بلدان أخرى مثل بلدنا كان من المنتظر إجراء استفتاء فيها، وجدنا أنفسنا أمام وضع جديد. وأنا لم يكن لدي أبدا أي مشكلة مع المعاهدة الدستورية. والأمر الأهم الآن هو التركيز على جعل أوروبا تقوم بوظيفتها بصورة أكثر فعالية والتفرغ للشؤون التي يريد الناس منا الاهتمام بها. حتى أن هذا الجانب لم يعد مشكلة بالنسبة لاسبانيا، فعلى الرغم من أنه تم إجراء استفتاء وإقرار الدستور ، إلا أنه سيكون جريئا للغاية الاعتقاد بأن الآخرين سيقولون نعم للدستور بعد الـ «لا» الفرنسية والهولندية.

* هل يتطلب نوع التعديلات التي تقترحها لتبسيط المعاهدة استفتاء؟

- لا. إذا كانت المعاهدة ليست هي التي توتر العلاقات الأساسية بين أوروبا والدول الأعضاء، فلا حاجة لاستفتاء.

* لكن ألا تخشى من أن يضغط المحافظون باتجاه إجراء استفتاء ومن أن ذلك ربما يشكل وضعا صعبا بالنسبة لخلفك جوردون براون، الأقل حماسا لأوروبا؟

- قد يطلب المحافظون استفتاء حتى لو كان ذلك لأتفه الأسباب. لكن مرد ذلك يعود إلى أنهم لا يريدون لأوروبا أن تزدهر.

* هل تعتقد أن المعاهدة شرط لاستمرار عملية توسيع الاتحاد الأوروبي؟

- بوسع أوروبا دائما أن تقوم بوظيفتها بطريقة أو بأخرى. لكن على ضوء أننا أصبحنا 27 بلدا ونريد التمدد فإنه من الممكن أن نقوم بذلك على نحو أمثل في ظل معايير لاتخاذ القرارات أكثر ثباتا. وأنا اعتقد أن عملية التوسيع قد أفادت أوروبا كثيرا ولهذا السبب لا أستطيع اعتبار إصلاح المعاهدة شرطا مسبقا، لأن تلك ستكون كلمة قاسية أكثر مما ينبغي ، لكني أظن أنه من الحتمي أن يكون لأوروبا معايير ملائمة أكثر لعملية توسيعها المستقبلية.

* في بروكسل يعتقدون أنك ستصل إلى قمتك الأخيرة في يونيو المقبل وستوقع خريطة الطريق الخاصة بإنقاذ المعاهدة الدستورية. هل تعتقد أن خلفك جوردون براون سينفذ الخطة التي ستكون قد اتفقت عليها؟

- أعتقد أنه من أنصار الوحدة الأوروبية وأنه يقف إلى جانب الإصلاحات. وعندما يحين موعد قمة يونيو فإننا سنذهب بموقف للحكومة والمسائل التي بين يدينا الآن لن تكون قد اختفت وسيتعين علينا حلها ، ووجهة نظري تقول إنه من الأفضل حلها قبل أن يتأخر الوقت.

* أنت تعتقد، إذن، أن اتفاق قمة يونيو سيكون دقيقا بما يكفي للسماح بتقدم جوهري حول المعاهدة في نهاية هذا العام أو بداية العام المقبل؟

- نعم. أعتقد أن الأنسب هو أن ، نتوصل إلى اتفاق حول العناصر الأساسية من المعاهدة في يونيو، حيث يتعين علينا فيما بعد تناول عملية التخطيط للعمل مع مزيد من التفاصيل تمهيدا لعملية المصادقة عليها.

* هل يتعين على المؤتمر الحكومي الجديد أن يتوصل إلى اتفاق في يونيو؟

- أعتقد أن ذلك هو الأكثر صوابا، ومن الأنسب أن يتم التوصل إلى اتفاق في مجلس يونيو تحت مظلة الرئاسة الألمانية التي قامت بعمل بارز وتعتمد على نفوذ واضح.

* يبدو أن علاقاتكم مع أنجيلا ميركل وخوسيه مانويل باروسو قد سهلت وجود وجهة نظر مشتركة.

- إن أي شخص ينظر إلى أوروبا اليوم يلاحظ أن المسائل السائدة ليست هي ذاتها التي كانت سائدة أيام الآباء المؤسسين، فلقد توجب على هؤلاء الآباء بناء السلام والمصالحة. أما بالنسبة للجيل الجديد من القادة الأوروبيين فإن القضية تكمن في كيفية جعل أوروبا أكثر قدرة على المنافسة وكيفية زيادة الازدهار وكيفية جعل أوروبا وقيمها حكايات تروى في العالم.

أعتقد أن القضية بالنسبة للقادة الجدد لم تعد القضية التقليدية بين يسار ويمين وإنما ما أسميه انفتاحا وانغلاقا. فالمعركة بين الانفتاح والانغلاق هي قضية مركزية. واعتقد أن أوروبا تحرك الاتجاه وتغيره. كما أعتقد أن الرئيس باروسو قد تصرف بطريقة مختلفة إلى حد كبير. ويمكن رؤية هذا أيضا في الرئاسة الألمانية في ظل الاتفاق الريادي حول البيئة والتغير المناخي في أوروبا.

ترجمة : باسل أبو حمدة - عن « الباييس»