يتناول المؤلف في ختام هذه الحلقات من عرض كتابه، قضية الاستيطان وارتباطها بالجدار الفاصل، منذ «خطة ألون» التي اقترحها إيجال ألون في عام 1967 بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وتنص على استيطان القدس الشرقية والتلال المحاذية لوادي نهر الأردن.
ومن ثم تسليم ما تبقى من الأرض الفلسطينية للأردن بعد استبعاد المواقع الاستراتيجية الحساسة. وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية العمالية آنذاك رفضت الخطة، إلا أنها ظلت الدليل الهادي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من اليسار واليمين فيما يتعلق بمشروع الاستيطان الذي يخدم أهدافاً سياسية لها تأثير كبير على نتيجة أية تسويات مستقبلية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ويوضح المؤلف من خلال اقتباسه مقولات لرون ناحمان، رئيس بلدية مستوطنة أرييل وتلميذ شارون، حول دور الجدار في ترسيخ الاستيطان وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وضمها لما يعرف بإسرائيل، وهو ما يؤكد أن الجدار لم تكن أهدافه أمنية بقدر ما كانت استيطانية.
«هل تريدون أن أقول لكم لماذا توجد ارييل في الجانب الجيد من الحاجز؟ ذلك لأنني عندما أسست هذه المجموعة مع أربعين أسرة من الروّاد، فكرت آنذاك بذلك». هذا ما ينقله المؤلف عن رون ناحمان، مؤسس مستوطنة «ارييل» ورئيس بلديتها منذ عام 1985، والذي كان دائماً عضواً في حزب الليكود، يسير على خطى آرييل شارون، وهو من المدافعين الشرسين عن الاستيطان ومن دعاة ضم مجموعات المستعمرات الكبرى لإسرائيل.وماذا عن المفاوضات مع الفلسطينيين؟ يتساءل المؤلف ويجيب أنه، أي رئيس بلدية مستوطنة ارييل، لا يؤمن بها، ولم يؤمن بها في أي وقت مضى. وينقل عنه قوله: «هذه مضيعة للوقت. هذا ما أردده منذ ثلاثين سنة. وسوف لن نعطيهم أرضاً لم تكن في أي يوم من الأيام ملكاً لهم».
وهو لا يتردد في اعتبار استخدام تسمية «الضفة الغربية» بمثابة خطوة على طريق التنازلات. وبالتالي لا يستخدمها أبداً، ويؤكد أنه عندما كان عضواً في الكنيست الإسرائيلي ما بين 1992 و1996 إنما كان يمثل «يهودا والسامرة» (وهو الوصف الذي يستخدمه الإسرائيلي ونفي الإشارة إلى الضفة الغربية).
وهو لا يلفظ سوى نادراً كلمة «فلسطيني»، أما سكان بلدة «سلفيت» والقرى التي تحيط بمستوطنة ارييل فهو يدعوهم بـ «العرب». كما أنه لا يبدي أي استعداد للدخول في نقاش حول هذا الموضوع. ويشير المؤلف إلى أن «رون ناحمان»، يحمل شهادة جامعية بالعلوم السياسية وأنه تولّى منصب نائب المدير العام في شركة إسرائيلية كبرى تعمل في ميدان الصناعات العسكرية، وهو يفتخر أنه قد أسس «النواة الأولى للروّاد من بناة مستوطنة ارييل في تل أبيب عام 1973».
أي في الفترة التي كان فيه حزب العمل الإسرائيلي في السلطة وكانت «غولدا مائير» ترأس الحكومة التي كان لديها مشروع معروف باسم «خطة آلون»، ايجال آلون، كانت تلك الخطة ترتقب تأسيس مجموعة من المستعمرات المنتشرة في وادي نهر الأردن وضفته الغربية بحيث تؤمّن «حضوراً يهودياً» وتؤدي، بعد أجل، إلى ضم وادي نهر الأردن وصحراء جنوب الضفة لإسرائيل.
**الورقة الرابحة
بعد حوالي ثلاثين سنة من تأسيسها تشكّل مستوطنة ارييل أحد أكبر التجمعات التي بناها الإسرائيليون بعد حرب 1967، وفيها 4 مدارس ثانوية و13 معبداً يهودياً وثلاث مستوطنات وجامعة يؤمّها 7000 طالب تقريباً. ويقول رئيس بلديتها «رون ناحمان» بكل وضوح: «هل تعتقدون أنني مستعد للتخلّي عن هذا كله للعرب؟».
وبعد أن يبدي اعتراضه على بناء «الحاجز» كما كان قد جرى تصوره أولاً من قبل «اليسار» الإسرائيلي، أي على «الخط الأخضر» يضيف أن الإسرائيليين «لا يريدون الاختلاط بالعرب، بل ولا يريدون رؤيتهم. قد تقولون ان هذه عنصرية. هذا ممكن، لكن الأمر كذلك. فقلت عندها لنفسي أنه قد لا يكون من الممكن تجنب بناء الحاجز، وإنما من المستحيل أن يكون على الخط الأخضر. وأنه قد جاء الوقت للاستفادة من أوراقنا الرابحة (...). وبدأت معركتي كي تكون مستوطنة ارييل والمجموعات اليهودية المجاورة على الجانب الجيد من الحاجز».
وما يؤكده مؤلف الكتاب هو أن معركة «ارييل» كانت رابحة مسبقاً، إذ ومنذ أن رسم «داني تيرزا» خرائطه الأولى كانت على «الجانب الجيد» للجدار، أي الجانب الإسرائيلي. وكانت القاعدة هي نفسها دائماً أي ضم أكبر عدد ممكن من المستوطنين اليهود وأقل عدد ممكن من الفلسطينيين. وفي المحصلة صدّقت الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 20 فبراير 2005 على ترسيم خط مرور الجدار بحيث يمتد «أصبع» ارييل حتى عمق 27 كيلومتراً شرق الخط الأخضر.
إن هذه المنطقة الاستيطانية، على غرار مستوطنة «معاليه ادوميم»، مغروزة في قلب الضفة الغربية، دون أي اعتبار للقانون الدولي وللاتفاقات المبرمة سابقاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، رأى بها صائب عريقات، المفاوض الفلسطيني الرئيسي «سرقة للأرض بكل معنى الكلمة، ومظهراً واضحاً لرفض أي حل يقوم على مبدأ التعايش بين دولتين».
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الأمم المتحدة تعتبر أن المنطقة المعنية تشكل عائقاً أمام «التواصل في الأرض وأمام طرق المواصلات بين شمال الضفة الغربية وجنوبها». أمّا إيجاد «منطقة أمنية خاصة» كما أعلن عنها آرييل شارون فقد جرى ترجمته بشريط يبلغ عرضه ما بين 200 إلى 250 متراً على جانبي الطريق رقم 5 ومما يسمح للجيش بالسيطرة على المرتفعات القريبة. كما استدعى ذلك مصادرة مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية حول كل مستوطنة وبناء حاجز حول محيط تلك الأراضي ويحميه الجنود. هذا الحاجز لا يمكن لأهالي القرى اجتيازه، كما في المناطق الأخرى، إلا إذا كانت بحوزتهم تصاريح خاصة صادرة عن الجيش الإسرائيلي. هذا الأمر لا يضمن لهم الوصول إلى حقولهم في الفترات المهمة للبذار ولجني المحاصيل.
وعندما افتتحت الحملة الانتخابية في ربيع عام 2006، بدا أن «رون ناحمان» قد حصل على موافقة تعطي امتيازات كبيرة بالنسبة لمستوطني «ارييل وايمانويل» في المفاوضات التي قام بها مع المهندسين العسكريين للجدار. وقدّم لناخبيه برهاناً جديداً على موقعه السياسي المهم عندما استقبل بتاريخ 14 مارس رئيس الوزراء بالوكالة آنذاك إيهود أولمرت برفقة ثلاثة من الوزراء هم تسيبي ليفني وشاؤول موفاز وروني بارون. وبعد أن أعلن خليفة شارون أمام الكاميرات أن الجدار في المنطقة سوف يكتمل بناؤه «في نهاية السنة»، توجه نحو «ناحمان» وقال له: «إن ارييل في إسرائيل. وسوف نحرص على أن تسمح التسويات الأمنية لارييل بالازدهار كجزء لا يتجزأ من إسرائيل».
لكن في إسرائيل، كما في جميع المناطق الأخرى، ينبغي الحذر من الوعود الانتخابية. ذلك أن خط مرور الحاجز كما أقرّه مجلس الوزراء الإسرائيلي بتاريخ 30 أبريل 2006 لم يتطابق مع ما كان ناحمان قد أراده. مع ذلك ينقل المؤلف عن بيان أصدرته المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان ـ بيتسيلم ـ بخصوص المسار الجديد للجدار وجاء فيه:
«إن الحاجز، ورغم أنه قد جرى تعديل خط مساره في منطقة ارييل وكيدوميم، سوف يقتطع الكثير من حقوق الفلسطينيين الذين يعيشون في الوسط المحيط، وذلك بهدف السماح بضم 15 مستوطنة يهودية وأراضي من أجل توسيعها. ثم إن حاجزا يتغلغل في عمق الضفة الغربية حتى 22 كيلومتراً من الخط الأخضر لم تتم إقامته على أساس اعتبارات أمنية. إن خط مروره، له دلالة سياسية مقصودة ولا يستجيب بشيء للوعود الأمنية كما أنه يشكل مساسا بحقوق الإنسان».
وينقل المؤلف أيضا في هذا السياق عن أهالي القرى الفلسطينية قولهم أن السيئات الكبرى التي يمثلها الجدار بالنسبة لهم هي أنه يقطعهم أولا عن 70 بالمئة من أراضيهم الزراعية. والمشكلة الرئيسية الأخرى هو أنه يقطع القرى عن بلدة «سلفيت» المدينة الفلسطينية الرئيسية في المنطقة. هذا فضلا عن الصعوبات والعراقيل الكثيرة أمام حرية الحركة والانتقال.
**أرقام مهمة
بنت إسرائيل أكثر من 160 مستوطنة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ما بين نهاية حرب يونيو 1967 وتشكيل حكومة يهود اولمرت بتاريخ 4 مايو 2006. وكان قد جرى إجلاء ال8000 شخص الذين كانوا يعيشون في ال20 مستوطنة بقطاع غزة بالإضافة إلى 600 مستوطن من أربع مستوطنات معزولة بالقرب من جنين ونابلس، وذلك في شهري أغسطس وسبتمبر 2005.
وفي شهر يونيو 2006 كان العدد الإجمالي للمستوطنين المقيمين في الضفة الغربية يقارب ال000 440 نسمة من بينهم 000 190 إسرائيلي في المستوطنات «المدينية» العشر في القدس الشرقية. هذا يعني أن شخصا من أصل كل ستة أشخاص ممن يعيشون في الضفة هو إسرائيلي. وإن إسرائيلياً واحداً من أصل كل 13 إسرائيلياً يعيش في مستوطنة. هذا يعني أيضا أن قضية المستوطنات لها وزنها في الخيارات السياسية بالنسبة للقادة الإسرائيليين.
ثم إن جميع الحكومات التي تعاقبت على الحكم في إسرائيل، اليمينية منها واليسارية، قد ساهمت في مشروع الاستيطان، مهما اختلفت طموحاتها واستراتيجياتها. هذ الإجماع يراه المؤلف غير بعيد عن التأييد الشامل تقريبا، وإنما الصامت أحيانا، الذي لقيه قرار حكومة شارون ببناء الجدار. بكل الأحوال يتم التأكيد على أن فهم بعض مفاتيح توجهات اليوم يستدعي العودة إلى «التاريخ الاستعماري لإسرائيل».
بتاريخ 14 يونيو 1967 اقترح «ايجال آلون»، وزير العمل في حكومة ليفي اشكول العمالية الانطلاق في عملية استعمار «استيطان» المدينة القديمة والأحياء العربية من القدس. وبتاريخ 26 يوليو وضع أمام مجلس الوزراء مشروع تقسيم الضفة الغربية بحيث تحتفظ إسرائيل على طول الضفة الغربية لنهر الأردن بشريط عرضه ما بين 10 و12 كيلومتراً وتحيط به المستوطنات والقواعد العسكرية. أما بقية الضفة الغربية، باستثناء بعض المناطق الإستراتيجية، فتتم إعادتها للأردن. لم توافق الحكومة الإسرائيلية أبدا على «خطة آلون» لكنها بقيت لسنوات طويلة هي الخط الذي يسترشد به من خلفوا بن غوريون وغولدا مائير فيما يخص مقاربة المسألة الفلسطينية.
وكان للدوائر الدينية اليهودية المجتمعة في إطار تنظيم «كتلة الإيمان» -غوش أمونيم- رؤية أخرى للاستيطان. إنهم يرون في انتصار 1967 خطوة أولى نحو الحصول على «أرض إسرائيل» كلها. لذلك كرّسوا جهودهم لبناء مستوطنات في المناطق التي تعيش فيها أغلبية الفلسطينيين. وفي عام 1975 نجح أنصار «كتلة الإيمان» في عقد اتفاق مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بحيث يقيمون بموجبه في القاعدة العسكرية المسماة «كيدوم» على بعد 8 كيلومترات غرب مدينة نابلس. بعد عامين أصبحت «كيدوم» هي مستوطنة «كيدوميم» التي يسكنها اليوم أكثر من 3000 إسرائيلي.
وعندما وصل اليمين إلى السلطة في إسرائيل بقيادة مناحيم بيغن عام 1977 تمّ بناء 37 مستوطنة خلال عشر سنوات. وكان الخط الرسمي هو أن يتم بناء المستوطنات في المناطق التي تنوي إسرائيل المطالبة بضمها في أية مفاوضات قادمة. بالنسبة لآرييل شارون فقد رأى دائما أن المناطق المجاورة للخط الأخضر والمتاخمة للسهل الساحلي في إسرائيل ومحيط مدينة القدس وهضاب المنطقة الوسطى من الضفة الغربية تشكل قطاعات لها الأولوية».
وينقل عنه المؤلف قوله أمام تجمع للمزارعين: «الاستيطان ليس هدفا وإنما وسيلة لبلوغ أهدافنا. وكما كان الأمر في الماضي، سيكون لهذا الاستيطان أثره على مصير البلاد. وينبغي العمل بحيث يزداد عدد السكان اليهود في الأراضي ـالمحتلة ـ ولذلك ننوي تطوير خطط الاستيطان».
هكذا، وخلال سنوات 1994 ـ 2004، كان معدّل الزيادة السكانية في اسرائيل بين 8,1 بالمئة و3 بالمئة سنويا، لكنه وصل إلى 9,8 بالمئة في المستوطنات، كما دلّت إحصائيات المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء عام 2006. هذه الزيادة تعود لسبب بسيط هو أنه جرى توجيه قسم كبير من المهاجرين اليهود القادمين من الاتحاد السوفييتي السابق وأميركا وأوروبا نحو تلك المستوطنات.
**مستوطنات عشوائية
عندما وصل ارييل شارون إلى السلطة سرع من إيقاع بناء المستوطنات وطلب من السلطات «غض نظرها» عن «المستوطنات العشوائية» التي كانت تتكاثر في الضفة الغربية بمبادرة العديد من أصدقائه الشخصيين. هذا إلى درجة أن «المواقع المتقدمة» للاستيطان التي انبثق العديد منها في المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية الكبيرة، قد تضاعفت أثناء وجوده على رأس الحكومة ليصل عددها إلى رقم قياسي هو 102 في شهر يناير عام 2006، أي عندما أدخلوه إلى العناية المشددة في المستشفى إثر نوبة دماغية ثانية. مع أن عددا من هذه «المعسكرات» المكوّنة من بيوت خشبية ومقطورات جرى ربطها مع الشبكة الكهربائية الإسرائيلية. ويجري الآن في ثلثها على الأقل بناء بيوت عادية.
ويؤكد المؤلف أن ارييل شارون الذي كان يميل بطبيعته إلى زيادة عدد المستعمرات انتهى به الأمر، اعتبارا من عام 2002، إلى قبول فكرة بناء جدار عازل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. بل ويؤكد أن شارون نفسه قد رسم بيده بعض مواقع مرور خط الحاجز بحكم معرفته الجغرافية الدقيقة بالضفة الغربية.
وكان قد قرر واستخدم نفوذه ونفوذ مستشاريه كي تكون أغلبية المستوطنات والمستوطنين، أي أكثر من 000 360 إسرائيلي، في الجهة الغربية من الجدار. أما الباقون، أي ما بين 000 60 و000 80 إسرائيلي فهم موزعون في أكثر من 70 مستوطنة وهم محكوم عليهم بأن يكونوا في «الجانب السيئ» من الجدار. لكن أغلبية هؤلاء مستعدون للرحيل إذا حصلوا على تعويضات كافية وسكن آخر. يبقى هناك عدد من المستوطنين «الإيديولوجيين» الذين يرفضون التخلّي للعرب عن «بلاد اليهود» فإنهم مصممون على الذهاب إلى أقصى ما يمكن في موقفهم.
في شهر مارس 2006، وبعد خمسة أشهر من رئاسة الحكومة بالوكالة وبعد انتخابات أكثر صعوبة مما كان متوقعا، تولّى إيهود اولمرت رئاسة الحكومة الإسرائيلية رسميا خلفا لآرييل شارون. كان عدد المستوطنات في السنوات العشر السابقة قد تضاعف، وكانت كل مستوطنة في الضفة الغربية مربوطة مع غيرها ب«شبكة مواصلات إسرائيلية» تحمل لافتات للدلالة على اتجاه الطرق باللغتين العبرية والانجليزية ومضاءة ليلا بحيث يمكن التنقل عبرها في أية ساعة مع تجنب المرور بالمدن والقرى الفلسطينية.
وفي عام 2004 كانت لا تزال هناك أربع ورشات لبناء طرق غايتها تجنب البلدات الفلسطينية. ويرى المؤلف أن ما يثير «الدهشة» في شبكة المواصلات «الاستيطانية» هي أنها لا تتقاطع أبدا مع الطرق، الأكثر وعورة جدا، التي تخدم البلدات الفلسطينية. وإذا حدث وتقاطعت فإن السلطات الإسرائيلية تقيم حواجز على المفارق بحيث يتم منع مستخدمي أي من الطرق من ولوج الأخرى. وفي أغلب الحالات يتم الفصل بينهما عبر جسور أو أنفاق.
وينقل المؤلف بصدد الطرق عن تقرير للمنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان قوله عام 2004: «في الوقت الذي تتمثل فيه الوظيفة التقليدية للطرق في ربط البشر والأمكنة فيما بينهم، فإن الطرق التي بنتها إسرائيل في الضفة الغربية جرى تصميمها أحيانا من أجل العكس تماما. ذلك أن قسما من هذه الطرق الجديدة رُسمت كي تشكل حواجز مادية تعيق التطور العمراني للفلسطينيين. وهذه الطرق تمنع التواصل الطبيعي بين الفلسطينيين وخلق مجال متصل جغرافيا في المناطق التي تنوي إسرائيل الإبقاء على سيطرتها فيها لأسباب عسكرية أو لخدمة مصالح المستوطنات».
وتدل الإحصائيات المقدّمة على أن 120 كيلومتراً من الطرق ممنوعة اليوم منعا باتا على الفلسطينيين في عموم الضفة الغربية، أي على مسافة 130 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب و40 كيلومتراً يخضع استخدام الفلسطينيين لها إلى «قواعد صارمة» وأساسا الحصول على تصريح بذلك من الجيش الإسرائيلي.
وهناك أكثر من 350 كيلومتراً من الطرق ذات «الاستخدام المحدود» تستدعي المرور في نقاط مراقبة ثابتة أو متنقلة، وبالتالي تستدعي الانتظار ساعات طويلة، بل وأحيانا «رادعة» بسبب عمليات التفتيش الدقيقة التي تقوم بها الشرطة الإسرائيلية على العربة وحيث يكفي أي عطل فني صغير مثل «غمّاز» ضوئي معطّل أو حزام أمان مفكوك، أو أي شيء آخر حتى تتساقط «المخالفات» كالمطر. ثم وبكل الحالات يتعلق فتح، أو إغلاق، نقاط المراقبة بمشيئة رجال الشرطة أو الجنود الإسرائيليين.
وينقل المؤلف قول صائب عريقات، المفاوض الفلسطيني المعروف، له بمقابلة أجراها معه بتاريخ 21 مايو 2005: «ماذا يريد الإسرائيليون؟ هل هو نظام للتمييز العنصري ـ ابارتهايد ـ دون ذكر اسمه؟ إنهم بصدد فعل ذلك عبر بناء طرق لا يحق للفلسطينيين الانتقال بعرباتهم بواسطتها! وهل تعرفون مكانا آخر في العالم توجد فيه شبكتا طرق متمايزتان، وعلى نفس الأرض، لشعبين»؟
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه في عام 2006، كان يمكن لسائق سيارة إسرائيلي أن يجتاز مسافة 100 كيلومتر بين تل ابيب واريحا بسرعة وسهولة أكبر من اجتياز سائق فلسطيني للمسافة بين نابلس وجنين، أي 30 كيلومتراً. وينقل عن تقرير صادر عن الأمم المتحدة في شهر مايو 2006 أنه «لم يكن مسموحا لأي قاطن في جنين الذهاب إلى جنوب نابلس منذ شهر ديسمبر 2005».
هنا يتساءل المؤلف: كيف يمكن للمرء أن يبقى هادئا عند نقطة مراقبة يوجد فيها عسكري إسرائيلي يتحكم بمرور رتل من العربات الفلسطينية يصل طوله إلى نصف كيلومتر بينما العربات الإسرائيلية ذات اللوحات الصفراء تمر في خط السير المجاور حتى دون أن تتوقف!؟
**ثلاثة كيانات
في المحصلة، أدّت أشكال المنع والمراقبة والحد من الحركة، بالإضافة إلى إقامة «مناطق أمنية» على طول بعض الطرق في الضفة الغربية وأخيرا، وأساسا الجدار الفاصل، إلى تقسيم المنطقة إلى ثلاثة «كيانات» جرى تحديدها بطريقة متعسّفة وصعوبات التواصل فيما بينها لا تكف عن التعاظم. وتتناظر هذه «التجزئة»، حسب التعبير الذي تستخدمه الأمم المتحدة، إلى حد كبير مع الاقتراح الذي قدّمه الوفد الإسرائيلي أثناء مفاوضات كامب دافيد في صيف 2000، عبر تقسيم «الدولة الفلسطينية» المقترحة إلى ثلاثة «كيانات».
ومن أهم النتائج التي يخلص إليها مؤلف هذا الكتاب قوله أن السياسة الإسرائيلية قد اتسمت بالاستمرارية في نفس النهج منذ خطة «ايجال آلون» عام 1967 وحتى نهج آرييل شارون، أي بتعبير آخر منذ تبنّي سياسة تطوير المستوطنات وحتى بناء الجدار العازل. ويكفي لإثبات ذلك مثلا المقارنة بين خرائط ترسيم مسار الجدار والمستوطنات والمصادر الطبيعية للفهم أن هناك استمرارية في السياسة الإسرائيلية.
الملاحظة الأولى التي يقدمها المؤلف من قراءة الخرائط المعنية تتمثل في قوله إن الجدار سيضم للجهة الإسرائيلية عبر مساره على مسافة 700 كيلومتر تقريباً ـ 730 حسب تقديرات داني تيرزا و670 حسب تقديرات الأمم المتحدة لعام 2006 ـ 60 مستعمرة مع المجالات المرتقبة من أجل تطورها. ولم يتغير جوهريا خط مرور الجدار منذ المشاريع الأولى. وكان الهدف منه ثابتا ويتمثل كما حددته المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان بالقول في تقرير لها يعود لشهر ديسمبر 2005: إنه - أي الجدار- لا يحسّن الأمن فحسب، بل يخرق أيضا حقوق الفلسطينيين ويمنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة».
الملاحظة الثانية هي أن الجدار، كما هو قائم اليوم، يضم واقعيا 10 بالمئة من أراضي الضفة الغربية لإسرائيل، وخاصة الهضاب المتاخمة للسهل الساحلي في إسرائيل. يعرف جميع مزارعي المنطقة، كما يشير المؤلف، بأنه يوجد على طول «الخط الأخضر» احتياطيات كبيرة من المياه. هنا ينقل المؤلف ما قاله له «كليمانس ميسر شمير» الأخصائي المائي لدى مكتب التعاون الألماني في رام الله، وجاء فيه:
«يشتكي الفلسطينيون في شمال غرب الضفة الغربية بأنهم خسروا، بسبب الجدار، مائة من الآبار التي لم يعودوا يستطيعون الوصول إليها. إنني أفهمهم، لكنهم عندما يقتصرون على هذه الملاحظة، إنما ينخدعون في تحديد المعركة. إن ما سيخسرونه هو أهم من ذلك بكثير. إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن شريط الأرض الذي ضمته إسرائيل والواقع بين الجدار والخط الأخضر يتناظر تماما تقريبا مع المنطقة التي تحتوي على مواقع التنقيب الواعدة أكثر من غيرها مستقبلا.
إن الفلسطينيين سوف يخسرون في الواقع بسبب الجدار ثلاثة أرباع مصادر المياه المتوفرة خلال السنوات الأخيرة وتقريبا مجمل إمكانية الإنتاج التي تقدمها طبقة المياه الجوفية. وهذا أمر مؤسف لاسيما وأن استثمار الاحتياطات المائية في أراضي الضفة الغربية غير متكافئ إلى درجة كبيرة إذ أن الإسرائيليين يستخدمون 80 بالمئة من هذه المياه والفلسطينيين 20 بالمئة فقط».
بكل الحالات، يبقى جوهر السياسة الإسرائيلية هو «ضم وادي نهر الأردن»، مع حذر التلفظ بمثل هذه الكلمة «المحظورة». وهذا ما كان قد ردده إيهود اولمرت، مرّات عديدة، علنا، كما ينقل المؤلف عنه وجاء فيه: «في أي اتفاق قادم مع الفلسطينيين، سيبقى وادي نهر الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية».
في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يشرح المؤلف كيف أن إسرائيل انتهجت دائما سياسة القمع والردع، على خلفية القول إن ذلك يمثل «اللغة الوحيدة المفهومة» في منطقة الشرق الأوسط. لكن هل يمكن دائما تقديم إجابات عسكرية على أسئلة سياسية؟ يتساءل المؤلف ويجيب «عبر استعارة» ما كتبه الصحفي الإسرائيلي عكيفا الدار في افتتاحية له بجريدة «هآرتس» بتاريخ 28 يوليو 2006 أثناء أزمة غزة وجاء فيه: «في علاقاتنا مع جيراننا، القوة هي المشكلة وليست الحل».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف


