يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن مسار الجدار العازل في محيط مدينة القدس، الذي يرمي إلى ضم المستوطنات المحيطة بالمدينة داخل حدودها بهدف الحفاظ على أغلبية يهودية في المدينة وعزل الجزء العربي منها عن عمقه في الضفة الغربية، وهو ما يساهم في قطع الطريق على أي مطالبة فلسطينية مستقبلية بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. وهو يشير إلى ان هذه الخطة كانت قد وضعتها إسرائيل منذ احتلالها للمدينة في عام 1967.
مهما قيل عن ان بناء الجدار العازل كان لأغراض «أمنية« بحتة، فإنه من الواضح ان له أهدافا أخرى. وفي مقدمة هذه الأهداف حماية المستوطنات وتشجيع نموها وتأمين «الصلة» بينها وبين العمق الإسرائيلي. هذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «إن تعرّجات الأسلاك الشائكة والجدار الأسمنتي التي تحمي مستعمرة ألفي ميناش والمستوطنات التي تدور في فلكها هي نفسها التي تخنق قلقيلية وتحقق الوظيفة المطلوبة» من الجدار العازل.
وكانت مستوطنة «الفيه مينشيه» قد اعترضت على موقع مرور الجدار، بل واستطاعت فرض تعديل على مساره. فهل يمكن لأية قرية أو مدينة فلسطينية ان تحظى بنفس تلك المعاملة وتتوصل إلى تغيير موقع جدار الفصل؟ يتساءل المؤلف، وينقل عن رئيس بلدية قلقيلية السابق قوله: «من المستحيل ذلك، وذلك لسبب بسيط هو أننا تحت الاحتلال الذي لا يزال قائما منذ أربعين سنة.
وكان قد ترافق مع سياسة للاستيطان، أطلقتها ودعمتها الحكومة الإسرائيلية، وهي تشكل خرقا فاضحا للحق الدولي الإنساني. هذا في ظل اللامبالاة الكاملة من قبل مجموعة الأمم. فلماذا تريدون ان تستجيب حكومة تسخر من اتفاقيات جنيف لمطلب مواطن أو مطلب مجلس بلدي فلسطيني؟».
حصار الشيخ سعد
عندما يريد «داني تيرزا»، مهندس الجدار الفاصل، ان يستعرض أمام أحد زائريه ميزات واستراتيجيات «عمله» في منطقة القدس، فإنه يصطحبه إلى منطقة عالية من المدينة تشرف على أحيائها الشرقية من جبل الزيتون وحتى مشارف صحراء بيت لحم.
ويشرح «تيرزا» لزائريه ان الموقع الذي يرونه أمامهم هو موقع «توراتي مجهول» وقد جاء ذكره في سفر التكوين. يقول: «تشير التقاليد اليهودية أنه هنا رأى إبراهيم للمرّة الأولى جبل مورياه وحيث أمسك الملاك فيما بعد بيده عندما كان يستعد للتضحية بابنه إسحق (بحسب الاعتقاد اليهودي). وعلى هذه الهضبة تحدد التقاليد المسيحية وجود المنزل الذي تقرر فيه تسليم المسيح للرومان. لذلك جرى تعميدها في العهد الجديد ـ الإنجيل ـ بهضبة النصيحة الشريرة».
ومن ذلك المكان كان «داني تيرزا» يرقب من بعيد ذلك الخط الرمادي ـ الأسمنتي ـ العريض، أي الجدار، الذي يتلوى كأفعى بين المنازل وأشجار الزيتون في التخوم الشرقية لمدينة القدس. ويعلق المؤلف على المشهد بالقول إنه من الصعب على المرء ان لا يرى من ذلك الموقع المطلّ على القدس الشرقية ان الجدار لا يفصل هنا بين الإسرائيليين والفلسطينيين،
كما ينبغي ان يكون إذا كان بناؤه يرمي حقيقة إلى ضمان الأمن بالنسبة للإسرائيليين وسد المنافذ أمام «الإرهابيين»، حسب القاموس الإسرائيلي، الذين يختبئون بين الفلسطينيين، فمن بلدة العيزرية حتى جنوب منطقة أبو ديس توجد أجراس كنائس ومآذن جوامع على جانبي الجدار الاسمنتي.
هذا ما يؤكّده مجرّد إلقاء نظرة سريعة على إحدى الخرائط المفصّلة التي نشرها داني تيرزا على المنصّة أمامه. وينقل عنه المؤلف قوله: «بالنسبة لموقع مرور الجدار في القدس ـ إنه يستخدم تعبير حاجز حتى عندما يتعلق الأمر بجدار، كما في القدس ـ كانت أمامي ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول هو ان أجعله يمر بين قطاعات اليهود والعرب في القدس الشرقية.
وكان ذلك مستحيلا في بلد ديمقراطي، إذ كان سيتم اعتبار ذلك الخط تعبيرا عن العنصرية. والاحتمال الثاني ربط البلدات الفلسطينية المتاخمة مثل ابوديس والعيزرية والرام بالقدس، لاسيما وأن النشاط الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لهذه البلدات مرتبط بشكل وثيق بنشاط القدس.
كان ذلك يعني قبول دخول مئة ألف فلسطيني يحملون البطاقة البرتقالية، أي المقيمين في الأراضي المحتلة، إلى القدس. وكان ذلك مستحيلا أيضا. والاحتمال الثالث كان الأخذ بحدود بلدية القدس مما كان له أيضا سلبياته إذ قد يعيش قسم من أبناء نفس الأسرة في القدس والقسم الآخر في الضفة الغربية».
ثم يؤكد داني تيرزا قائلا: «لقد أخّرت أحد تلك الاحتمالات الثلاثة تبعا للمكان، مع محاولة تقليص السلبيات إلى أقصى حد ممكن بالنسبة للفلسطينيين. أعرف أنني لم أتوصل إلى ذلك في كل الأحيان، لكنه كان علي ان أستجيب أولا بأول للمهمة التي كانت الحكومة قد كلفتني بها ـ أي حماية الإسرائيليين ـ وهذا ما فعلته».
وهذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بالقول ان داني تيرزا لم يكن يجهل، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة عن ذلك، أنه على بعد خمس دقائق فقط من الموقع الذي يبسط فيه خرائطه لزائريه توجد قرية الشيخ سعد التي ثار أهلها ضد خط مرور «حاجزه» الذي يحكم على أهلها بالانعزال أو الهجرة.
لماذا؟ يتساءل المؤلف، وينقل في معرض الإجابة ما قاله أحد مسؤولي المنظمة الإسرائيلية للدفاع عن حقوق الإنسان وجاء فيه: «إن مجرد القيام بزيارة إلى المكان ـ الشيخ سعد ـ ستسمح بفهم كل شيء». وكانت تلك المنظمة قد نشرت في عام 2004 تقريرا من عشرين صفحة حول المسألة.
«الشيخ سعد» هي قرية تضم بالكاد مئتي منزل، لكن المدخل الوحيد لها هو طريق صاعد طوله حوالي 30 متراً وعليه حواجز من كتل صخرية وإسمنتية. وعندما وصل لها المؤلف، كما يشرح، في فترة ما بعد الظهيرة من ذلك اليوم الصيفي، وجد ثلاثة جنود مسلّحين يحرسونها. وبدا من الواضح ان وصول أي زائر أجنبي لا يروق لهم. ولم يغيّر في الأمر كثيرا تقديم بطاقة الاعتماد الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية لتسهيل مرور الصحافيين.
منطقة مغلقة
قال أحد الجنود له: «هذه منطقة مغلقة، والسكان وحدهم يحق لهم الدخول إليها والخروج منها. فأجاب: «لماذا؟ هذا لم يتم الإعلان عنه في أي مكان. فهل لديكم أمر عسكري تطلعونني عليه؟». «لأسباب أمنية، فالقرية خطيرة»، كان الرد. وكان لا بد من دقائق عديدة من الأخذ والرد والاتصال مع «الجهات العليا» حتى يتم السماح للمؤلف بدخول القرية مع نصيحة: «كن حذرا».
وكان أول من قابله من سكان القرية أربعة من أبنائها كانوا يرقبون ما جرى وهم يجلسون أمام أحد المتاجر على بعد 20 متراً من مركز الجنود. وبادره أحدهم بالقول: «أهلا وسهلا. هل رأيت كيف يتصرفون معك؟ فتصوّر كيف يتصرفون معنا. سوف أنادي محمد الذي يتحدث الانجليزية بطلاقة، وسوف يشرح لك».
وقد عرف منه ان الجيش الإسرائيلي قد أغلق منذ خريف عام 2002 المدخل الوحيد للقرية بحيث لا يمكن لأية عربة العبور إذا لم تقم الجرّافات بإزالة الكتل الصخرية والأسمنتية المستخدمة كحواجز. وطلب العسكريون الإسرائيليون من الأهالي آنذاك الاختيار بين حلّين إذا كانوا يمتلكون عربة، فإمّا يحتفظون بها في القرية ولا تخرج أبدا منها بعد ذلك، وإمّا يقودونها في الحال إلى الجانب الآخر من الحاجز بحيث لا تدخل أبدا بعد ذلك إلى الشيخ سعد.
وأولئك الذين يريدون مغادرة القرية بعد عزلها، وهم عديدون، فإن عليهم حمل أثاثهم وأدواتهم الكهربائية فوق الحواجز إلى حيث توجد الشاحنات في الجهة الأخرى. بل وحتى المرضى والنساء الحوامل ينبغي نقلهم على كرسي أو أي حامل آخر من فوق الكتل الصخرية والأسمنتية إلى سيارات الإسعاف المنتظرة بعد الحاجز.
وفي المحصلة أصبح السكان يعيشون معاناة يومية قاهرة لا يمكن معها للقرية ان تعيش معزولة عن كل شيء. هناك مشاكل المدارس والرعاية الصحية ونقص فرص العمل وندرة الأراضي الزراعية. باختصار يبدو قطع سكان الشيخ سعد عن القدس مثل حرمانهم من الهواء و«خنقهم»، «لعلّ هذا ما يريده الإسرائيليون»، على حد تعبيرهم.
وما يؤكده المؤلف هو أنه بعد عامين من إقامة الحاجز، غادر حوالي 800 من أهالي القرية، أي ما يعادل ما بين 25 بالمئة إلى 30 بالمئة من مجموع سكانها. والقسم الأعظم من الباقين يعانون من البطالة ويعيشون مما كانوا قد ادخروه أو من المساعدات التي يقدمها لهم الأهل.
وينقل عن تقرير المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان الصادر عام 2004 قوله ان شروط الحياة في قرية الشيخ سعد قد أصبحت «لا تطاق». ويضيف كاتبه: «يحق لإسرائيل ان تحدّ من تحركات الأهالي لمستلزمات عسكرية. مع ذلك، فإن الصرامة المفرطة والمدة غير المحدودة واللامبالاة المطلقة أمام العذاب المفروض على السكان، أمور تجعل من الحصار المفروض على الشيخ سعد خرقا فاضحا للقانون الدولي»، والقادم أسوأ، كما يقول المؤلف.
وتتم الإشارة هنا إلى وجود «حل آخر» للخروج من الشيخ سعد دون المرور تحت أنظار الجنود الإسرائيليين على الحاجز. لكن ليس بمقدور الجميع القيام به. ذلك أنه عندما يتوغل المرء في الزقاق الضيق وسط القرية يصل إلى طريق ترابي وعر يمر عبر الصخور وصولا إلى الدرب الواصل بين بيت ساحور وأبو ديس.
لكن المنحدر حاد ووعر والطريق ضيقة مما يجعل المغامرة خطيرة بالفعل، ولا يمكن للنساء الحوامل والأطفال والطاعنين بالسن والمرضى ولوجها. وفي فترة الصيف حيث الحر القائظ يجعل اجتيازها صعبا جدا حتى بالنسبة لأصحاب البنية القوية، هذا فضلا عن الخطر الذي تشكله الأفاعي المتواجدة بكثرة بين الصخور هناك. ولا تقل صعوبة ان يسلك المرء تلك الطريق شتاءً بسبب الوحل وخطورة الانزلاق.
مع ذلك يجد أبناء الشيخ سعد أنفسهم مجبرين على سلوك تلك الطريق إذا كانوا يحملون بطاقة برتقالية، مكرّسة لأبناء الضفة الغربية، عندما يريدون طلب تصريح للدخول إلى القدس من مقر «الإدارة المدنية» الموجود بالقرب من مستوطنة «معاليه ادوميم».
والشيخ سعد، التي أخذت اسمها من رجل حكيم مسلم قدم من إسبانيا وتوفي على هذه الهضبة عندما كان في طريق العودة من الحج في مكّة المكرمة، هي إحدى البلدات الصغيرة المحيطة بجبل المكبر الذي أصبح منذ غداة حرب يونيو 1967 أحد الأحياء الفلسطينية من مدينة القدس.
ذلك ان الحكومة الإسرائيلية قامت بعد احتلال القدس الشرقية وضمّها بترسيم حدود المدينة المقدّسة حسب هواها. هكذا وب«جرة قلم» زادت مساحة المناطق التابعة للبلدية خمسة أضعاف. وكانت الأراضي التي جرى ضمها تعود إلى ثلاثين مدينة وقرية فلسطينية، ووجدت بلدات عربية عديدة موجودة على تخوم القدس نفسها مندمجة، بين ليلة وضحاها، داخل إطار المدينة.
ونتج عن ذلك ان السكان المعنيين وجدوا أنفسهم، دون ان يسألهم أحد رأيهم، يحملون بطاقة هوية زرقاء ك«مقيمين دائمين» في إسرائيل، مثل فلسطينيي القدس الشرقية. كانت تلك هي حالة جميع القرى باستثناء قرية واحدة هي الشيخ سعد حيث كان يعيش آنذاك حوالي 2000 نسمة. ما سبب ذلك؟
«أمر مجهول» يجيب المؤلف ليضيف بأنه لم يجد أحدا قد قدّم سببا مقنعا. لكن الحدود بقيت حتى عام 1991 غير موجودة عمليا، سوى على الورق. ومع قيام الانتفاضة الأولى قررت الحكومة الإسرائيلية منع دخول القدس الشرقية بالنسبة للفلسطينيين الذين لا يحملون تصاريح صادرة عن «الإدارة المدنية».
ثم وفي شهر مارس 1993، أي قبل سنة من توقيع اتفاقية اوسلو وإعلان المبادئ بين ياسر عرفات وإسحق رابين وشيمون بيريز في واشنطن، كانت الحكومة الإسرائيلية قد قررت التشدد أكثر في إجراءاتها عبر فرض عملية «حصار عام» للأراضي المحتلة.
وأقيمت على الطرق المؤدية إلى القدس من الضفة الغربية حواجز أو نقاط مراقبة من قبل الجيش الإسرائيلي أو حرس الحدود من أجل «غربلة» ركاب جميع العربات والفصل بين من يملكون رخصة مرور وغيرهم، بينما كانت دوريات إسرائيلية تقوم بتعقب أولئك الذين يحاولون تفادي الحواجز عبر المرور من الدروب والأزقة الضيقة.
وما يؤكده المؤلف هو أن أهالي قرية الشيخ سعد واجهوا، ويواجهون، أشكالا من المضايقات البيروقراطية، بل وأحيانا «القمع المجاني». لكنهم جابهوا ذلك المناخ بالصبر الذي يتحلّى به الفلسطينيون مع تخلّصهم من كل الأوهام.
وفي شهر سبتمبر 2002، أي بعد عامين من انطلاق الانتفاضة الثانية، ونصب حاجز عند مدخل القرية توجّهت الأحجار الأولى صوب الجنود الإسرائيليين. مع ذلك في شهر أغسطس 2003، أي عندما أعطت الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر من أجل بناء جدار عازل على مسافة 17 كيلومتراً بين بيت ساحور والعيزرية، مما يعني قطع الشيخ سعد تماما عن القدس، نفذ صبر أبناء القرية وقرروا التحرك وإنما بطريقة غير عنيفة.
سلاح القانون
لقد استخدم أبناء قرية الشيخ سعد «سلاح القانون» ورفعوا شكواهم، باسم «لجنة القرية، ضد إسرائيل وجرّافاتها أمام محكمة تل ابيب. ويشير المؤلف إلى أنه رغم الدعم الذي وجدوه حتى من قبل بعض سكان الأحياء اليهودية المجاورة الذين ساءهم تعسف القرارات الإسرائيلية، ورغم أشكال التضامن المختلفة معهم وعدالة قضيتهم فقد بدا ان حظّهم في النجاح ضئيلا.
ذلك ان المحاكم الإسرائيلية لم تأخذ بالاعتبار سوى مرتين الشكاوى الفلسطينية فيما يخص الخلافات حول موقع مرور الجدار العازل. وفي المرتين اكتملت القضية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، ولم يكن أي ملف منهما يخص الجدار في المناطق المحيطة بالقدس.
وفي جلسة المحكمة خلال شهر مارس 2006، تمسّك «داني تيرزا»، الذي كان يتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية، بحجته المعتادة، أي الدفاع عن الخط الرسمي لإدارته، والقول إن موقع مرور الجدار قد تمّ تحديده لاعتبارات أمنية في الشيخ سعد، كما في غيرها. ثم أضاف ان الشيخ سعد «قرية مستقلة» وأنه ليس لها، ولم يكن لها في أي يوم من الأيام، أدنى رابطة مع القدس.
وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى ان «مهندس الجدار» كان يجهل أن أحد الخبراء الذين استدعتهم المحكمة، وهو عقيد متقاعد مثله، كان مستشارا لدى رئيس بلدية القدس خلال أعوام 1984-1994 للشؤون العربية وأنه كان يعرف بدقة وضع القرية.
ولم يتردد في القول أمام المحكمة: «من الخطأ القول ان الشيخ سعد قرية مستقلة. فالعائلات هي نفسها والعشائر هي نفسها وكل من ينظر إلى الخرائط الطبوغرافية يلاحظ مباشرة أن القرية لا رابطة لها مع أية بلدة أخرى خارج حدود القدس».
وقال عقيد إسرائيلي متقاعد آخر معلقا على الحجة الأمنية التي قدّمها داني تيرزا: «إن خط مرور الجدار في قرية الشيخ سعد، كما يرتقبه الجيش، يجتاز الوادي تحت القرية ويعرض بالتالي الجنود المكلفين بحمايته للتهديدات القادمة من فوق والتي لا يستطيعون فعل أي شيء ضدها. ومن وجهة نظر أمنية خالصة، هذا خيار كارثي».
ثم أضاف متهكما: «إذا جرى بناء الجدار طبقا للمخططات المقدّمة من وزارة الدفاع، فإنه سيكون بمقدور سكان الشيخ سعد قذف الجنود الإسرائيليين بالبيض من نوافذهم». وأمام مثل هذه الحجج التي يصعب دحضها أصدر القاضي حكما يميل لصالح الفلسطينيين و«نصح« وزارة الدفاع الإسرائيلية باختيار مسار آخر لمرور الجدار شرق قرية الشيخ سعد. أحد سكان هذه القرية علّق بالقول: «لقد حققنا انتصارا، لكن المعركة لم تنتهِ فالجيش قد قرر الذهاب، إذا لزم الأمر، حتى المحكمة العليا».
بكل الأحوال، عندما يكتمل «غلاف القدس»، حسب التعبير الذي يستخدمه المعنيون بتخطيط المدن في وزارة الدفاع الإسرائيلية، سوف يرسم حول المدينة المقدّسة منطقة محيطة تمتد على أكثر من 25 كيلومترا. ومجموع الجدران والحواجز التي ستعزلها عن الأراضي المحتلة في الضفة الغربية سيبلغ طولها حوالي 150 كيلومتراً.
ويشير المؤلف هنا إلى العديد من الآراء التي تدل كلها ان إسرائيل تريد ان تجعل من القدس ومحيطها منطقة مفتوحة على الداخل الإسرائيلي ومقطوعة تماما عن العمق الفلسطيني. وإن مثل هذا المخطط قد جرى وضعه منذ احتلال القدس الشرقية خلال حرب يونيو 1967.
ويتم التأكيد في هذا السياق ان إسرائيل حاولت منذ عام 1967 توسيع المساحة التابعة لبلدية القدس بحيث ازدادت في تلك السنة من 40 إلى 50,108 كيلومترات مربع، أي ما يعني واقعيا ضم 60 كيلومتراً مربع لها من أراضي الضفة الغربية. وبنت إسرائيل عليها عشرة «مجاميع سكانية» اعتبرها الإسرائيليون ك«أحياء يهودية» بينما يعرّفها القانون الدولي على أنها «مستوطنات» أو «مستعمرات»،
حسب الجهة التي تعرّفها، ذلك أنها تقع شرق الخط الأخضر. لكن ومهما يكن من أمر التسمية فإنه يوجد هناك اليوم 000 180 إسرائيلي ساهموا في «بعثرة» القسم الفلسطيني من المدينة وشل تطوره. هذا وترافقت سياسة الاستيطان هذه مع إجراءات إسرائيلية عديدة تردع القاطنين الفلسطينيين عن شراء أو بناء أو توسيع المنازل في القدس الشرقية بينما ان الأمر هو عكس ذلك في القدس الغربية والمستوطنات الإسرائيلية شرقها.
وتدل إحصائية منشورة في القدس خلال شهر سبتمبر 2005، على ان الأحياء العربية يقطنها الآن 000 185 نسمة مقابل 000 460 يقطنون الأحياء اليهودية. وتدل الإحصائيات الإسرائيلية الواردة ان الأحياء اليهودية يعمل فيها ستة أضعاف العاملين الاجتماعيين في الأحياء العربية وتحتوي على عشرة أضعافها من المساحات الخضراء و15 ضعفا من الملاعب، الخ.
استراتيجية 1967
وينقل المؤلف عن «مناحيم كلاين»، أستاذ العلوم السياسية والأخصائي بقضية القدس، قوله: «إن المبدأ الذي استرشد به المسؤولون عن ضم الأراضي عام 1967 كان بسيطا، وكان يرمي إلى ضم أكبر عدد ممكن من الأراضي مع المحافظة على أدنى مستوى ممكن للسكان الفلسطينيين. وكان الهدف هو المحافظة على أغلبية يهودية في القدس».
ويضيف: «إن ما قادنا إلى الوضع الذي نحن فيه اليوم هو ان جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 40 عاماً قد استمرت في تطبيق نفس استراتيجية 1967. وكانت إحدى النتائج الأكثر وضوحا هي بناء سلسلة من المستوطنات بمحاذاة الأحياء العربية بقصد احتواء الزيادة السكانية العربية.
وعندما كان ارييل شارون رئيسا للوزراء عزز من هذه السياسة مما أدّى إلى تخريب التلاحم العمراني للقدس الشرقية وقطع هذا الجزء من المدينة عن الضفة الغربية، أي عن محيطها العربي الطبيعي. وكان يريد (...) ان يفرض بالقوة تفوق اليهود في القدس العربية».
في المحصلة يقول المؤلف أنه على ضوء السياسة التي انتهجتها إسرائيل منذ 40 سنة تبدو الخريطة التي ترسمها وزارة الدفاع أنها ترمي قبل كل شيء، عبر الجدار العازل وتفرعاته في منطقة القدس، إلى تطوير المستوطنات على حساب الضفة الغربية.
ثم ان إحدى المشاكل الأساسية التي يطرحها هذا الجدار تتمثل في الوصول إليه، ذلك ان الجيش الإسرائيلي قد أقام منذ قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية سدودا ترابية وأسمنتية وحفر خنادق على جزء كبير من الطرق المؤدية إليه. وهناك العديد من القرى التي لا يمكن الوصول إليها بالسيارات إلا عبر طريق واحد. وهناك قرى أخرى معزولة تماما.
إذا حاول المرء ان يفهم مثلا لماذا انحرف الجدار بانعطاف غريب جنوبا بمحاذاة مطار القدس داخل حدود بلدية القدس الكبرى، بعد ان كان قد ضمّ من جانب واحد أكثر من 30 كيلومتراً مربع من الأراضي الفلسطينية، فإنه سيجد التفسير في «الانعطاف الغريب» برغبة التخلص من مخيم للاجئين اعتبره العسكريون الإسرائيليون قطاعا «صعبا» منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
بكل الحالات جرى اتخاذ قرار الشروع ببناء الجدار والشروع بتنفيذه في ربيع عام 2002. وتمّ بنفس الوقت تبنّي خطة سابقة حول منطقة القدس تعود إلى عام 1995 وحملت اسم «شرق ـ 1» الخاصة بشرق القدس والمتعلقة بضم مستوطنة «معاليه ادوميم» لمدينة القدس. وهذا ما رأى به الفلسطينيون عدوانا حقيقيا إذ يؤدي إلى قطع جميع الطرق بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويحرمهم أيضا من منطقة واعدة جدا من منظور التنمية الاقتصادية.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى تقرير «نقدي جدا»، كرّس فيه رؤساء البعثات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي في القدس ورام الله صفحة كاملة من أصل ثماني صفحات لخطة «شرق ـ 1» وبعد ان أشاروا إلى ان «الجدار» المقام على أساسها «لا تعود بواعثه فقط لاعتبارات أمنية« وأنه «يفصل فلسطينيين عن فلسطينيين آخرين» ألحّوا في القول إنه «يكمل محاصرة القدس ويشق الضفة الغربية إلى جزأين».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف


