في هذا المنعطف المبكر من الكتاب يجد القارئ نفسه على موعد مع رؤية متكاملة لتاريخ جدار الفصل العنصري والأسرار الكامنة وراء القبول العام الذي تحظى به فكرة الحاجز في المجتمع الإسرائيلي الذي يتمرس وراء مخاوفه وعقده وتصوراته الإيديولوجية، بحيث لا يكاد يكون هناك وجود في إسرائيل لمن يبدي أي تردد حياله، كما أننا نتابع تطور الحاجز من بداياته المبكرة إلى الشكل الراهن الذي يفرض حضوره به اليوم. من هو مخترع الجدار؟
«قد أكون أنا، وسوف أشرح لك ذلك». هكذا أجاب المدعو داني تيرزا، العقيد الاحتياط في الجيش الإسرائيلي والقاطن في مستعمرة «جيلو» التي بناها الإسرائيليون على تخوم «القدس الكبرى» كما كانوا قد حددوها بعد حرب 1967 وضمّوا 7000 هكتار من الأراضي الفلسطينية، وهي واحدة من المستعمرات الاثنتي عشرة الإسرائيلية التي أقيمت آنذاك.يبلغ داني تيرزا السادسة والأربعين من العمر، وهو مكلّف بالتخطيط «الإستراتيجي والمجال الجغرافي» في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وهو يمتلك، بهذه الصفة، بطاقة بلاستيكية تفتح له جميع الحواجز ويتمتع بالحماية المستمرة من جندي مسلّح ببندقية أميركية يجلس دائما في المقعد الخلفي لسيارته.وكان داني تيرزا قد عمل فترة طويلة في قيادة المنطقة الوسطى وهو لا يتحرك إلا وبجعبته محفظة سميكة تحتوي على خرائط وصور جوية يتم تحديثها يوميا. وتعتبره قيادة أركان الجيش الإسرائيلي من أفضل العارفين بالضفة الغربية وبقراها وطرقها التي طالما قطعها بسيارته «الجيب» في كل الاتجاهات. وتتم مقارنته في هذا المجال بأرييل شارون.
أبو خريطة
وكان تيرزا مكلّفا في بداية مسيرة مفاوضات السلام في اوسلو بمشروع «قوس قزح» الذي كان هدفه الأساسي يتمثل في التخطيط لعمليات الانسحاب وإعادة الانتشار العسكرية في الضفة الغربية تبعا للاتفاقات التي كان يتم التوصل إليها مع الفلسطينيين. وخلال تلك اللقاءات التي كان يصل إليها وهو يتأبط رزما من الخرائط أطلق عليه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تسمية «أبو خريطة».
وعندما قررت الحكومة الإسرائيلية عام 2001 إجراء دراسة لمشروع إقامة حاجز يضمن عدم إمكانية تجاوزه بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بدا من الطبيعي تكليف داني تيرزا بدراسته وتحديد مواقع مروره. وهو يُشرف اليوم على ورشة بناء الجدار ويعمل على تنفيذ التعديلات التي تطالب بها المحكمة العليا ويقوم بإعداد مخططات المراحل الأخيرة.
وينقل المؤلف عن داني تيرزا قوله له في مقابلة أجراها معه في 29 أغسطس 2005: «في بداية الانتفاضة الثانية، خلال شهر أكتوبر 2000، تعرض هذا الحي ـ من مستعمرة جيلو، مقابل قرية بيت جالا ـ لإلقاء الحجارة والمقذوفات. وتوجد بالقرب من المعبد ـ الكنيس ـ لوحة تذكارية تحمل اسم شرطي قُتل على بعد عدة أمتار.
كنّا نعرف آنذاك جيدا ضابط الاتصال التابع للشرطة الفلسطينية في بيت لحم، وكان يتبع لشرطة المدينة ويتحدث اللغة العبرية كما كان تحت أمرته 400 رجل مسلح ببنادق كلاشنكوف. لكن عندما طلبنا منه وقف الرمي أجاب باستحالة ذلك فالرماة هم من الشباب الذين قدموا من مخيّم للاجئين وانهم يختبئون في منزل رئيس بلدية بيت جالا وإنه لا يستطيع إخراجهم منه بالقوة. هكذا قمنا باستقدام دبابتين إلى ساحة مستوطنة جيلو حيث قامت بقصف منزل رئيس البلدية بعدة قنابل ، ولم يتم إصلاحه حتى الآن. قمنا بعد ذلك بالدخول إلى بيت جالا، لكن لم يكن البقاء فيها ممكنا إلى ما لا نهاية وكذلك لم يكن ممكنا القيام بمراقبة كل منزل من منازلها».
ويقول «داني تيرزا» إنه، وبسبب العمليات الفلسطينية التي أدّت إحداها عندما فجّر شاب فلسطيني نفسه في محطة الحافلة 14 التي تصل مستعمرة جيلو بمدينة القدس إلى مقتل 23 طفلا ـ هذا ما يصححه المؤلف اعتمادا على معطيات المنظمة الإسرائيلية للدفاع عن حقوق الإنسان بالقول إن العملية المقصودة قد أودت بحياة 18 شخصاً بينهم واحد فقط عمره أقل من 18 سنة ـ لم يكن هناك سوى حل واحد هو «إقامة سد فعال يصعب اجتيازه إلى أقصى حد ممكن وبحيث تصبح الرقابة شديدة جدا في نقاط المرور»، حسب قوله.
هكذا استخدمت الوثائق الرسمية الإسرائيلية وتردد في تصريحات الساسة الإسرائيليين أن الهدف هو إقامة «حاجز أمني» أو «حاجز ضد الإرهاب». وهنا يشير المؤلف إلى أنه ما بين يوم 28 سبتمبر 2000، أي تاريخ تصميم شارون على الوصول إلى ساحة الحرم القدسي مما أطلق الانتفاضة الثانية، و31 يناير 2006 جرى قتل 992 من الإسرائيليين. ولكن في الوقت نفسه أدّت العمليات التي قام بها الجيش الإسرائيلي وهجومات المستوطنين إلى مقتل 3399 فلسطينياً خلال الفترة نفسها، ودائما حسب أرقام المنظمة الإسرائيلية للدفاع عن حقوق الإنسان.
وتتم الإشارة هنا إلى أن فكرة بناء جدار أو حاجز من أجل صد الغزاة أو الحماية من الجيران أو الفصل بين السكان أو منع شعب من الهرب ـ مثل حالة جدار برلين ـ ليست فكرة جديدة ولا فريدة. فمنذ أكثر من قرنين قبل العصر الميلادي حاول سادة الممالك الصينية إشادة شبكة من التحصينات للاحتماء من طموحاتهم المتبادلة وللحماية من هجومات القبائل من الرحّل في الشمال.
وتمّ الشروع في بناء «سور الصين العظيم» بطول 2350 كيلومترا عام 1368 ميلادية كي يكتمل بناؤه عام 1620، وكان الهدف منه هو الحماية من الغزاة المندوشيين. لكن ظهر أنه ذو فعالية إستراتيجية متواضعة إذ استولت سلالة «كينغ» المندوشية، رغم السور العظيم، على السلطة في بكين عام 1644 واحتفظت بها حتى مطلع القرن العشرين.
وقد دلّت تجارب التاريخ أن الجدران والحواجز لم تعط سوى نتائج «قابلة للجدل»، لكن هذا لم يمنع الإستراتيجيات الحديثة من اللجوء إليها لأسباب وأغراض متنوعة. هكذا توجد اليوم عشرة من الجدران والحواجز في العالم مثل الحاجز بين الصين وهونج كونج ـ 32 كيلومتراً، وبين الصين وماكاو ـ 340 متراً ـ وبين الهند وكشمير الباكستانية ـ 550 كيلومتراً ـ وبين المغرب وسبتة ـ 10 كيلومترات ـ وبين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية ـ 250 كيلومتراً. ثم إن الولايات المتحدة قد قامت ببناء جدار في عدة مناطق حدودية بطول 3200 كيلومتر مع المكسيك، وذلك في كاليفورنيا وتكساس وأريزونا.
أما في إسرائيل، وإن كان «داني تيرزا» هو ربما أول من قام ببناء جدار ارتفاعه متران حول مستعمرة جيلو، فإن فكرة إيجاد حاجز فاصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين كانت تجول منذ زمن طويل في رؤوس المنظّرين، ولكن أيضا في رؤوس بعض العسكريين ورجال السياسة. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن الفكرة قد صيغت للمرة الأولى من قبل الأب الإيديولوجي لحزب الليكود، والمنظّر للرجعية الصهيونية، قد تحدث في مقال له عام 1923 عن حلم إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن وارتقب فيه تشييد «جدار حديدي» للحماية من «الرفض العربي».
وجاء في ذلك المقال أيضا: «إن أي شعب يناضل ضد الأجانب المقيمين في أرضه طالما بقي لديه أمل، مهما كان ضعيفا، بإمكانية إبعاد خطر وجودهم. وهذا ما سيفعله العرب الفلسطينيون طالما ظلّ في أذهانهم بصيص أمل بمنع قيام إسرائيل، أي فلسطين اليهودية، في فلسطين العربية.
وبالنتيجة لا يمكن أبدا تصور الوصول إلى اتفاق. لذلك ينبغي على أولئك الذين يعتقدون أن الاتفاق مع العرب يشكل شرطا لازما للسياسة الصهيونية أن يقتنعوا اعتبارا من اليوم بأنه لا مجال للوصول إلى مثل هذا الاتفاق وأنه لم يبق أمامهم سوى التخلّي عن المشروع الصهيوني.
وبالتالي ينبغي لهجرتنا إلى فلسطين أن تتوقف أو أن تستمر من دون النظر إلى موقف العرب، وبحيث يمكن لوجودنا هناك أن يتطور في ظل وصاية قوة لا تكون تابعة للسكان المحليين وتحت حماية جدار حديدي لا يستطيع هؤلاء السكان اختراقه. هذا ما تنبغي أن تكون عليه سياستنا حيال المسألة العربية».
كذلك يتم التأكيد هنا على أن فكرة الفصل، على خلفية القول أن العرب لن يقبلوا أبدا قيام إسرائيل بين البحر المتوسط ونهر الأردن، لم تتردد في أذهان المستوطنين فحسب، وإنما أيضا ترددت في دوائر السياسة الإسرائيلية، اليمينية منها واليسارية. ولكن بعد أقل من شهرين على حرب 5 يونيو 1967، اقترح ايجال آلون، وزير العمل، في وزارة الوحدة الوطنية برئاسة ليفي اشكول، تقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن.
ولم تكن خطة رئيس قوات الهجوم في «الهاجاناه»، أي آلون، تنص بوضوح على إقامة جدار أو حاجز بين المناطق التي يتم «التخلّي عنها» للأردن، وإنما بالأحرى «منطقة إستراتيجية دفاعية» عرضها عشرات كيلومترات وتخضع للرقابة الإسرائيلية وتقع بين نهر الأردن والهضاب الشرقية في الضفة الغربية. كما كانت الخطة تنص على إنشاء مجموعة من المستعمرات على القمم العالية بحيث تكون بمثابة خط للحدود وتخدم كمراكز إنذار متقدمة. لكن تلك الخطة التي كانت تتضمن ضم 33 بالمئة أراضي الضفة الغربية لإسرائيل لم يتم التصديق عليها أبدا من قبل الحكومة ولا من قبل حزب العمل نفسه.
وشهدت العقود التالية خططا أخرى للفصل وللاستيطان تداولتها الدوائر العسكرية والسياسية ولكن لم تؤدِ أية خطة منها إلى «الفصل المادي» بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وإنما تمّت ترجمتها بمعظمها بتزايد عدد المستعمرات وشق طرق جديدة مكرّسة ل«الإسرائيليين حصرا». وكان من تلك الزيادة الكبيرة في عدد المستعمرات وفي الطرق المؤدية إليها أن جرى عزل فلسطينيي الأراضي المحتلة داخل «جيوب» منفصلة عن بعضها البعض بواسطة حواجز ونقاط مراقبة عسكرية. وقد حوّلت هذه العقبات والعوائق حياة الفلسطينيين اليومية إلى جحيم.
وكان ارييل شارون، قبل خمسة وعشرين سنة من وصوله إلى منصب رئيس الوزراء، أي منذ أن كان وزيرا للزراعة في حكومة ائتلاف الليكود مع الأحزاب الدينية برئاسة مناحيم بيجن، قد صمم مشروعا لاستيطان اليهود في الضفة الغربية. وافقت الحكومة على تصوره بتاريخ 2 أكتوبر 1977 مما فتح الطريق أمام بناء حوالي 60 مستعمرة خلال 4 سنوات.
وكان بيجن، مثل حلفائه من مؤسسي «غوش ايمونيم» يزعم أن «يهودا والسامرة»، أي ما قصد به الضفة الغربية، هي «مهد الشعب اليهودي» وبالتالي هي ملك لإسرائيل. ويشير المؤلف هنا اعتمادا على أحد المقربين من شارون، إلى أن هذا الأخير كان ينوي منذ ذلك الحين إشادة «حاجز أمني» حول المستعمرات وضمّها في الواقع للأراضي الفلسطينية متجاهلا بذلك «الخط الأخضر».
الحاجز الأول
في مطلع عقد التسعينات قام الجيش الإسرائيلي ببناء أول «حاجز» حقيقي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في قطاع غزة. وبلغ طوله 60 كيلومترا ويتألف من سياج علوه 3 أمتار ومزوّد بأجهزة كشف وتحاذيه طريق للدوريات، وهو على شاكلة الحواجز المقامة على طول الحدود اللبنانية والسورية والأردنية.
وكان المقصود منه بوضوح هو تحديد إحدى «المنطقتين المستقلتين ذاتيا» المرتقبتين في اتفاقيات اوسلو والقاهرة (المنطقة الأخرى هي مدينة أريحا). وكانت قيادة الأركان الإسرائيلية ترى أنه بعد انسحاب قواتها من المنطقتين واستقدام أعداد كبيرة من الفلسطينيين للقيام بدور الشرطة فيهما سيشكل بعد أجل خطرا بالنسبة للإسرائيليين الموجودين في المناطق القريبة. لكن ذلك «الحاجز الأول» لم يصمد طويلا بعد انطلاقة الانتفاضة الثانية في شهر سبتمبر 2000.
وكان إسحق رابين قد طلب للمرّة الأولى إجراء دراسة حول مشروع إقامة جدار بين إسرائيل والفلسطينيين عام 1995. وكلّف وزير الأمن في حكومته «موشي شاحال» بتولي رئاسة اللجنة المؤلفة لدراسة بناء ذلك الجدار. وبدأ شاحال، الذي كان قد شارك في تصميم الحاجز المقام حول غزّة، بالعمل بدعم من الجيش وقوات الأمن. لكن «مشروع شاحال» اندثر مع اغتيال رابين بتاريخ 4 نوفمبر 1995 في تل ابيب من قبل ايجال عمير، الشاب المتزمت الذي اتهمه ببيع أرض إسرائيل للعرب.
ويتم الحديث في إطار مشاريع «الحواجز» عن نسخة «معدّلة» من مشروع شاحال ناقشتها لفترة قصيرة حكومة بنيامين نتنياهو الذي أصبح رئيسا لوزراء إسرائيل في مايو 1996، وإنما جرى التخلّي عن المشروع تحت ضغط وزير الدفاع آنذاك إسحق مردخاي الذي تعود أصوله إلى العراق ووصل إلى إسرائيل عندما كان عمره 5 سنوات عام 1949 ثم انخرط في الجيش وقاد كتيبة للمظليين على جبهة السويس أثناء حرب أكتوبر 1973. مردخاي هذا اعتبر أن فكرة ذلك الحاجز خطيرة إذ أنها يمكن أن تتحول مع الزمن إلى حدود حقيقية.
وفي خريف عام 2000، عندما انطلقت الانتفاضة الثانية أعلن إيهود باراك، رئيس الوزراء آنذاك، تأييده هو الآخر لبناء حاجز فاصل. وكانت الخطة التي عرضوها عليه للتصديق عليها في نوفمبر من ذلك العام تقوم على مبدأ اختصره هو نفسه بجملة مكرّسة للحملة الانتخابية وتقول: «نحن هنا... وهم هناك». لكن هذا الشعار لم يفد إيهود باراك بشيء. وفي تاريخ 6 فبراير 2001 جرى انتخاب ارييل شارون رئيسا لوزراء إسرائيل بنسبة 39,62% من أصوات الناخبين.
شارون يتحفظ
من كان ضد بناء الحاجز؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب ويجيب: لا أحد كما يبدو باستثناء الفلسطينيين بالطبع وحفنة من المستوطنين الإسرائيليين الذين أرعبتهم فكرة أن يجدوا أنفسهم معزولين في الجانب «السيئ» وبعض حلقات أنصار الحوار الإسرائيلي-الفلسطيني على خلفية اعتقادهم أنه لا يكفي الإغلاق المحكم-الجيد من أجل الوصول إلى حسن الجوار.
ويؤكد المؤلف أن فكرة الحاجز تحظى في المجتمع الإسرائيلي المتمترس وراء أشكال خوفه وتصوراته، بالقبول العام بحيث إنه لا يوجد بين العسكريين ورجال السياسة من يبدي تردده حياله. لكن الأمر لم يكن كذلك في البداية حتى لدى بعض أولئك الذين يدّعون اليوم «أبوّته»، كما يشير المؤلّف.
كان ارييل شارون نفسه متحفظا أمام الخطط الموروثة من حكومة باراك والتي وضعوها أمامه عندما تسلّم مهام منصبه يوم 7 مارس 2001. كان يخشى أولا عزلة المستعمرات الموجودة في الأراضي الفلسطينية. لكن شارون اهتم كثيرا بالمقابل بالعرض الذي قدّمه قبل أشهر «ارنون سوفير» مدير الجيوستراتيجيات الخاصة بالأمن الإسرائيلي في جامعة حيفا، والاختصاصي ب«الخطر الديمغرافي العربي».
و«سوفير» هذا يدافع منذ سنوات من أجل القيام بعملية فصل حقيقي بين الإسرائيليين والفلسطينيين والذي، لا بد منه برأيه، من أجل «المحافظة على السمة اليهودية لدولة إسرائيل». وهو يدعم أطروحته عبر عرض خارطة تسمح بتحقيق عملية الفصل مع الاحتفاظ ب80% من مجموع ال000 220 مستوطن يهودي في الجانب الإسرائيلي بالإضافة إلى 000 180 يهودي في القدس الشرقية.
وتنص أطروحة «سوفير» على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول في الشمال ويمتد من جنين إلى رام الله والثاني في جنوب بيت لحم أما القسم الثالث فحول أريحا. هذا مع إمكانية إقامة حاجز مكهرب حول قسم من هذه الأقسام والتي تمثل بقليل من نصف الضفة الغربية في المساحة وإنما تضم السواد الأعظم من سكانها العرب. كذلك يبقى وادي نهر الأردن، حسب نفس الأطروحة، تحت رقابة الجيش الإسرائيلي الذي يستطيع في حالة أي خطر قادم من الشرق عزل الفلسطينيين عن بقية العالم العربي.
وما ان تسلّم شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية حتى تلقى «ارنون سوفير» اتصالاً هاتفياً من من أحد مستشاريه يدعوه للقدوم بأقصى سرعة ممكنة للقاء رئيس الوزراء الجديد وذكّره بضرورة «اصطحاب الخرائط معه». وينقل المؤلف في هذا السياق عن الجنرال الإسرائيلي يوزي دايان الذي كان آنذاك رئيسا لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قوله له في مقابلة تعود إلى تاريخ 29 نوفمبر 2005: «عندما استدعاني شارون بعد تسلّمه مهام منصب رئيس الوزراء لم يطلعني على أية خرائط. بل اكتفى بالطلب مني رأيي بفكرة القيام بفصل» بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
قام الجنرال «يوزي دايان» بتقديم أول خطة للفصل في شهر مايو 2001. فعيّنه شارون رئيسا للجنة المكلّفة بتحضير مشروع موقع مرور الخط الفاصل. ويشير دايان إلى أن عدة وزراء في حكومة شارون كانوا متحفظين على الخطة ومن بينهم وزير الخارجية آنذاك شيمون بيريز الذي كان يرى أن مسيرة السلام لم تصل إلى الطريق المسدود، وافيغدور ليبرمان، الذي كان يرى أن المشروع ينهي حلمه بتحقيق «إسرائيل الكبرى».
وبتاريخ 23 يوليو 2001 اتخذت حكومة شارون قرارا بإيجاد «منطقة عازلة» بين إسرائيل والمناطق الواقعة تحت رقابة السلطة الفلسطينية. وتتولى شرطة الحدود في غرب المنطقة العازلة والجيش في شرقها تحت إمرة مسؤول للتنسيق القيام بدوريات وعمليات رقابة من أجل ضبط الفلسطينيين الذين يحاولون الدخول «بصورة غير شرعية» إلى إسرائيل. كما تمّ آنذاك إقرار بناء «حاجز» في ثلاثة قطاعات هي «أم الفهم» و«طولكرم» و«القدس«، وما كان يمثل حوالي 80 كيلومتراً على أساس أن القطاعات المعنية هي «مناطق ذات خطورة عالية».
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن بعض أولئك الذين شاركوا في النقاشات حول بناء «الحاجز» داخل حزب العمل الإسرائيلي خلال عامي 2001 و2002 لهم الآن آراء مختلفة. هكذا كان بنيامين بن اليعازر معارضا له في البداية، خاصة كون خصمه في الحزب ومنافسه آنذاك للترشيح لمنصب رئيس الحكومة «حاييم رامون» مؤيدا له.
الجرافات تتحرك
بكل الحالات، عندما تبنّت الحكومة الإسرائيلية رسميا بتاريخ 23 يونيو 2002، بالقرار رقم 2077، خطة المرحلة الأولى من بناء الجدار، كانت الجرّافات قد بدأت العمل قبل تسعة أيام في شمال الضفة الغربية بالقرب من قرية سالم، وبعد مصادرة أراض ل«أسباب عسكرية» تعود لمالكين فلسطينيين. وقد رفض هؤلاء المالكون، بأغلبيتهم الساحقة، قبول أية تعويضات مالية عن أراضيهم المصادرة كي لا يتم تحويل العملية إلى عملية تنازل عادي عن الملكية.
إن مؤلف هذا الكتاب يعود كثيرا للحديث عن الخطاب الرسمي الإسرائيلي حول الشروط التي تمّ فيها اتخاذ القرار ببناء الحاجز الفاصل. ويشير إلى أن هذا الخطاب القائم أساسا على حجة الأمن كان له أيضا ومنذ البداية تطلعات أخرى ويتم التعبير عنها بالقول إن الآراء «التقنية» التي قدّمها الجنرال يوزي دايان «رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي فيما يتعلق بخط مرور الحاجز تتطابق مع خياراته الإيديولوجية كإستراتيجي وكرجل سياسة من أنصار ضم أكبر عدد من مستعمرات الضفة الغربية لإسرائيل وجعل الحاجز هو خط الحدود بين إسرائيل وأية دولة فلسطينية قادمة.
وكان دايان هذا من المتحمسين لفكرة الفصل، ويعتبر أن أفضل وسيلة لجعل السياسيين «المترددين» يلتزمون بتنفيذها هي اللجوء إلى تعبئة الرأي العام. ولذلك قرر في شهر يونيو 2002، أي عندما ترك منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي وكمستشار للحكومة أن يؤسس جمعية ضمّت اختصاصيين آخرين في المجال نفسه وأطلقوا عليها تسمية «المجلس من أجل إقامة حاجز أمني».
وقد قامت تلك الجمعية بتنظيم حملة في جميع الاتجاهات لدعم فكرة الوصل والتأكيد أنه ينبغي التخلي عن أي أمل بالعيش ذات يوم «علاقات حسن جوار» مع الفلسطينيين. هذا لاسيما وأنه بعد فشل قمتي كامب دافيد وطابا، نجح إيهود باراك وحاشيته عبر وسائل الإعلام، في تسويق فكرة أن الرئيس عرفات كان قد اختار عن سابق إصرار وتصميم اللجوء إلى العنف برفضه «عرض باراك السخي»، وأنه يتحمل وحده مسؤولية إخفاق مسيرة السلام.
بين قوسين
هنا يفتح مؤلف الكتاب قوسين ليشير إلى أن أعمال العديد من الصحافيين والباحثين قد أثبتت أن تلك «الرواية» الإسرائيلية هي تبسيطية ومتحيزة، وإذا كان يمكن أن يقال إن الفلسطينيين لم يحضّروا جيدا الرأي العام عندهم لقبول تنازلات أو أنهم حددوا أهدافا لا يمكن الوصول إليها، فإن باراك لم ينس أنه كان جنرالا ورئيسا لوحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، وبالتالي لم يعرف كيف يكيّف خطابه وتفكيره مع الظروف.
ثم إنه برفضه سحب قواته من بعض مناطق الضفة الغربية وإلحاحه على تأجيل تحويل السلطة للفلسطينيين في بعض القرى بمحيط مدينة القدس، لم يفِ بالتزامات كانت حاسمة بالنسبة للفلسطينيين وأعطى بذلك الانطباع لياسر عرفات أنه كان يبحث قبل كل شيء عن الانسحاب من التزاماته. كما تتم الإشارة أيضا إلى الطريقة «السيئة» التي قام عبرها الوفد الإسرائيلي بالمفاوضات وتركيزه على تشويه صورة عرفات، مما أدّى إلى جعل الفلسطينيين يحسّون بالخطأ عندما اعتقدوا أن الإسرائيليين مخلصون ببحثهم عن السلام.
وإشارة أخرى في الإطار نفسه إلى خيبة أمل الرئيس عرفات ومرافقيه من واقع أن الوفد الأميركي لم يلعب الدور «الحيادي والمشجع» الذي كانوا ينتظرونه منه. بل إن وساطة كلينتون ومستشاريه قد تحوّلت غالبا إلى دعم «مبطّن» للوفد الإسرائيلي. وعندما فشلت قمة كامب دافيد جرى تحميل المسؤولية كاملة على كاهل ياسر عرفات، على عكس التزام أميركي سابق. وكان ذلك بمثابة برهان إضافي على أن أميركا قد اختارت دعم الطرف الإسرائيلي وأن الفلسطينيين قد وجدوا أنفسهم معزولين من جديد في الدور «العاق» لأعداء السلام.

