ينقلنا المؤلف في هذه الحلقة إلى الحديث عن الأضرار التي يتسبب فيها الجدار للمزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث انه يحرمهم من مصدر دخلهم ويجعل الوصول إلى أرضهم أمراً صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً، ويتساءل: لو كانت إسرائيل صادقة في مزاعمها بأن الهدف من بناء الجدار هو توفير الأمن، فلماذا لم تقم ببنائه على الخط الأخضر القائم منذ 1967؟
وهو يؤكد هنا على أن شارون والقادة الإسرائيليين الآخرين رأوا في الجدار وسيلة لضم المزيد من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل مع تحقيق الأمن بل إن أحد هؤلاء القادة وهو عوزي دايان وصف الجدار بخط بارليف الذي بنته إسرائيل عقب حرب 1967 واستطاع الجيش المصري أن يعبره في حرب أكتوبر فيما اعتبر معجزة عسكرية.
يقول ران ناحمان رئيس بلدية مستعمرة «ارييل»، إحدى أكبر مستعمرات الضفة الغربية، وصديق قديم لارييل شارون أن الخط الذي رسمه داني تيرزا لمرور الجدار الفاصل هو الذي اختاره رئيس الحكومة الإسرائيلية، شارون، وذلك لأنه «يضم لإسرائيل مجموعة المستعمرات الرئيسية ولأنه يقوم على أساس استراتيجية واضحة ومتناسقة».
هذا يعني، كما يشرح مؤلف الكتاب، أن شارون بقبوله للجدار لم يكن مدفوعا بهاجس الأمن فقط وإنما أيضا، وربما خاصة، لأنه يسمح بضم أراضٍ يعتبرها ثمينة بل وحيوية بالنسبة لمستقبل إسرائيل، وذلك بسبب قيمتها الزراعية أو احتياطات المياه التي تحتوي عليها أو لأنها تشكل عائقا أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة بدونها أو من أجل هذه «الأوراق الرابحة» كلها مجتمعة.
لكن هذه المرامي تتناقض مع القانون الدولي ومع العديد من قرارات مجلس الأمن ومع الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والفلسطينيين ومع الالتزامات المتفق عليها أمام الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. مع ذلك من يلاحظ هذا كله غير الفلسطينيين وحلفائهم التقليديين؟ هكذا رأت أغلبية الإسرائيليين وعدد من الأجانب أن التبرير «المعلن» لبناء الجدار له مصداقيته تماما، بل وإنه مشروع.
الضوء الأخضر
في خريف عام 2002، أعطت حكومة شارون الضوء الأخضر من أجل الشروع ببناء المرحلة الثانية من الجدار شملت الضفة الغربية، أي ما يمثل 45 كيلومتراً بين قرية سالم وبلدة تياسير والتي كانت المرحلة التي تستكمل منطقة الفصل باتجاه وادي نهر الأردن.
وكان مقررا لهذه المرحلة أن تنتهي في شهر أكتوبر من عام 2004. تتم الإشارة هنا إلى أن شارون فاز في الانتخابات التشريعية «المبكّرة» التي جرت بتاريخ 28 يناير 2003 إثر استقالة الوزراء العماليين من حكومته.
شكّل شارون بعد الانتخابات حكومة ائتلافية «يمينية بالكامل» حسب توصيفات المعلقين. ويشير المؤلف هنا إلى أن شارون نفسه كان يرى أن الائتلاف الذي يدعمه مكوّن من نواب في الكنيست لا يشاطرونه نفس الرؤية
فيما يخص مسيرة السلام ـ أو ما تبقّى منها ـ لكنهم كانوا بالمقابل يمتلكون قناعات عميقة حول ضرورة بناء الجدار، حتى لو كان البعض منهم قد بدأ بطرح التساؤلات حول دور هذا الجدار على المدى الطويل.
وينقل المؤلف أن مستشارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للأمن القومي في فترته الرئاسية الأولى كوندوليزا رايس، كانت قد طلبت من ارييل شارون التخلي عن ضمّ مستعمرة ارييل داخل الأراضي الواقعة في الجانب الإسرائيلي من الجدار.
كما أعربت عن أملها أن لا يضم أيضا الأحياء الفلسطينية من القدس. وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول ان ذلك لم يهز أبدا شارون، هذا لاسيما وأن الطلب لم يكن مرفقا بأي تهديد أو أي شرط خاص. ولم يتم الحديث في أية لحظة عن قطع أو حتى تخفيض المساعدة لإسرائيل إذا لم يتم احترام المطالب الأميركية.
بل وقال شارون موجها الحديث إلى عدد من البرلمانيين من حزب الليكود غداة لقائه مع رايس ما مفاده: «عندما قابلت الرئيس بوش في العقبة ـ 4 يونيو 2003، طلب مني إذا كنّا نستطيع الامتناع عن بناء الجدار. وقلت له إنه من المستحيل عدم بنائه.
وهذا ما كررته للسيدة رايس». ويؤكد المسؤولون عن تصميم أو عن بناء الجدار العازل أنه لم يتلقّ أي منهم أية تعليمات لإجراء تعديلات بعد زيارة كوندوليزا رايس. وفي الوقت الذي كان فيه داني تيرزا يراقب سير ورشة العمل في شمال غرب الضفة الغربية حيث جرى تسليم القسم الأول من الجدار، الذي أصبح جاهزا، إلى الجيش في شهر أغسطس 2003،
تابع ـ أي تيريزا ـ عمله حول ترسيم «خط الفصل» الذي يصل حتى شاطئ البحر الميت جنوبا بعد مروره بالقدس. وهو يؤكد بهذا الصدد أن «قلمه»، الذي يرسم به الخرائط، لم يسترشد حيال تلك المهمة إلا بالمعايير التي حددها مجلس الأمن القومي ووافقت عليها الحكومة،
أي تقديم الحد الأقصى الممكن من الأمن وضم أقل عدد ممكن من الفلسطينيين وأقصى عدد ممكن من الإسرائيليين للجهة الإسرائيلية من الجدار. هذا ما كان يرده أيضا المساهمون الرئيسيون في ذلك الملف من أمثال عوزي دايان وبنيامين بن اليعازر ونشاه ماشياح. لكن كان المهم هو الاتفاق على مضمون المعايير المتفق عليها.
تؤكد عدة مصادر عسكرية أن شبكات للرقابة ستقام على الجدار، بما في ذلك أجهزة للكشف عن محاولات العبور عبر أنفاق تحت الأرض، وذلك بحيث يمكن «تسجيل» أية حركة بالقرب من الجدار الفاصل ليل نهار. كذلك جرى تصميم رادارات لالتقاط أية تحركات تقترب منه.
ويشير المؤلف إلى أن المسؤولين الذين جرى طرح السؤال عليهم فيما يخص أجهزة الكشف عن الأنفاق داخل الأرض لم ينفوا ذلك بل رفضوا التحدث حول هذا الموضوع. وتدل المعلومات الصادرة عن وزارة الدفاع الإسرائيلية أن كلفة بناء كل كيلومتر من الجدار تبلغ 5 ,2 مليون يورو.
وتستوجب العملية نقل ما معدله 000 85 متر مكعب من التربة والصخور وتأمين 6000 متر مكعب من التراب للردم و5000 متر مكعب من الاسفلت و300 عمود و40 علبة كشف و2500 متر مربع من الشباك المعدنية و12 كيلومتر من الأسلاك الشائكة.
كذلك تتم الإشارة إلى أنه اعتبارا من عام 2004، وبناء على أوامر الجيش أُقيمت «منطقة عازلة» على الجانب الفلسطيني بعرض 200 متر على الأقل وقد يصل عرضها إلى 850 متراً حسب أقوال مراقبي الأمم المتحدة وبحيث يُمنع منعا باتا تشييد أي بناء في المنطقة العازلة. هذه المنطقة العازلة تقام أحيانا أيضا عندما يتعرج مسار الجدار في الضفة الغربية على الجانبين.
وإذا كان الأمر العسكري الذي يقيم المنطقة العازلة لا يمنع على الفلسطينيين التجول فيها، فإن المؤلف يشير، اعتمادا على تقرير نشرته الأمم المتحدة في شهر مارس 2005، إلى أن الأمر «يجمّد» حوالي 5000 هكتار من الأراضي القابلة للبناء في مدن طولكرم وقلقيلية وأربعين قرية يجتازها خط مساره.
لكن ما هو الطول الحقيقي للحاجز العازل؟
يشير المؤلف إلى أن «داني تيرزا» اقترح في شهر أكتوبر 2003 على الحكومة الإسرائيلية أن يكون طول الجدار 730 كيلومتراً وهو نفس الرقم الذي قدّمه في شهر أغسطس 2005. أما وثائق منظمة الأمم المتحدة فتقدّم رقم 670 كيلومتراً بعد التعديلات التي طرأت على خط مروره السابق والمقدّر بـ 622 كيلومتراً.
بكل الحالات يزيد طول الجدار عن ضعفي طول «الخط الأخضر» البالغ 315 كيلومتراً. فكيف يمكن تفسير هذه المنعطفات التي لا تنتهي؟ يتساءل المؤلف ثم يضيف: ولماذا لا يتبع الجدار سوى مسافة 20 بالمئة من الخط الأخضر ويبتعد عنه أحيانا أكثر من 5 كيلومترات؟
إنه يرى الإجابة واضحة في الجزء الأول من خط الفصل الذي اكتمل في شهر يوليو 2003. إذ وبعد أن يتبع نفس مسار الخط الأخضر تقريبا جنوب غرب قرية سالم يبتعد عنه داخل الأرض المحتلة كي يحيط بعدد من المستعمرات. وتدل وثائق الأمم المتحدة الصادرة في شهر يوليو 2004 أن المساحة الكلية ل«المناطق المغلقة» تجاوزت آنذاك 000 48 هكتار، أي ما يعادل 8 بالمئة من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
هدم المنازل
أمّا بالنسبة للمنازل التي جرى هدمها، فإن أرقام مركز «بيتسيلم»، اي المركز الإسرائيلي للإعلام حول حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، تدل على أنه جرى هدم 300 منزل في طولكرم وقلقيلية خلال عام 2002 والأشهر الثلاثة الأولى من عام 2003، هذا على عكس ادعاءات داني تيرزا المغايرة.
وكانت أغلبية أوامر الهدم قد صدرت عن «الإدارة المدنية»، أي وللتذكير الإدارة من الجيش المكلّفة بالعلاقة مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وإن تلك الأوامر كانت تخص منازل ومتاجر وورشات موجودة غرب الجدار وكانت الحجة المقدّمة في جميع الحالات تقريبا هي عدم وجود رخص للبناء.
إن «الإدارة المدنية» الإسرائيلية تعتمد في قراراتها على وثائق تعود إلى فترة الانتداب البريطاني وترسم حدود المدن والقرى كما كانت قبل عام 1948، والتي تعتبر القسم الأعظم من أراضي الضفة الغربية ك«أراض زراعية»، أي أنها غير قابلة للبناء.
ويشير المؤلف هنا إلى أن هذه الخرائط لا تأخذ في اعتبارها بالطبع الزيادة السكانية منذ أكثر من نصف قرن، هذا فضلا عن أن البلديات الفلسطينية تعتبرها باطلة ولا قيمة لها. لكن هذا لا يمنع واقع أن «الإدارة المدنية» الإسرائيلية تبحث في الخرائط والتشريعات المطبقة أحيانا منذ الحقبة العثمانية كي تعطي صبغة من «الشرعية» القانونية على الرقابة التي تفرضها على الأرض والبشر.
وتتم الإشارة هنا إلى أنه باسم هذه «الشرعية القانونية» الشكلية يتم تعليق أوامر مصادرة الأراضي «لأسباب أمنية» على جذوع الأشجار وأعمدة الكهرباء في منطقة الورشة القائمة لبناء الجدار الفاصل. ومن السائد أن يحتفظ مالكو الأراضي المعنية بتلك الأوامر الممهورة بخاتم الجيش كي يبرزوها كدليل على صدق رواياتهم.
ويحق نظريا لأولئك الذين بحوزتهم سندات ملكية قانونية الاعتراض على عمليات مصادرة الأراضي المعنية خلال مدة أسبوع. وإذا تم رفض طلبهم، فإن أمامهم أسبوع آخر لتجديده قبل الشروع بالعمل. وقد استفاد القليل من الفلسطينيين خلال الأشهر الأولى من هذه «الإجراءات» المعقّدة وباهظة التكلفة.
وتشكّلت فيما بعد لجان للدفاع عن أهل القرى بمساعدة منظمات غير حكومية من القانونيين الإسرائيليين والفلسطينيين مما ترتب عليه بعض التأخير في بناء أجزاء من الجدار لفترة بانتظار قرارات المحاكم.
وفي منطقة شمال غرب الضفة الغربية حيث اكتمل الجزء الأول والثاني من بناء الجدار اعتباراً من صيف 2003 أصبحت الحياة اليومية للفلسطينيين صعبة وتعقّدت الأمور البسيطة سابقا، مع إضافة أشكال جديدة من القهر والإذلال.
ويشير مؤلف الكتاب هنا إلى أنه بتاريخ 2 نوفمبر 2003، أي بعد شهر من اكتمال الجزء الأول من بناء الجدار العازل أصدر الجنرال «موشي كابلنسكي» قائد القوات الإسرائيلية في المنطقة الوسطى، الأمر رقم 5730 ـ 1970 الذي نص على اعتبار المنطقة الواقعة بين الخط الأخضر والجدار «منطقة عسكرية مغلقة»، واعتبرها «منطقة اتصال» وبالتالي «يجب عدم الدخول إليها أو البقاء فيها»
ثم «يستوجب على كل من سيتواجد فيها مغادرتها مباشرة». ولا ينسى القرار المذكور أن يحدد القول: «لا ينطبق منع الدخول أو البقاء في منطقة الاتصال على المواطنين والمقيمين في إسرائيل، بما في ذلك المستوطنون الذين يعيشون في الضفة الغربية».
أما ال5000 فلسطيني المتواجدون في المناطق «المغلقة»، أي في الجانب الإسرائيلي، فعليهم الحصول على رخصة «مقيم دائم» وحتى لو كانوا يعيشون باستمرار في المنطقة المعنية. بنفس الوقت أصبح يتوجب على أولئك الذين لا يعيشون في المنطقة «المغلقة»
وإنما يريدون الدخول إليها للعمل في أراضيهم أو لزيارة أقربائهم التقدم بطلب، منذ بلوغهم سن الثانية عشرة، للحصول على رخصة بذلك من «الإدارة المدنية». وهذا يعني الدخول في دهاليز عملية بيروقراطية معقّدة.
وتدل القواعد الإسرائيلية المطبّقة التي قررها الجيش على أن أولئك الذين يحق لهم طلب رخصة الدخول إلى المنطقة المعنية يتوزعون بين 12 فئة. وكل فئة لها بيانات خاصة بها ينبغي مثلا على مالك أرض يريد الوصول إليها تقديم صورة شخصية له وصورة عن هويته وشهادة تسجيل لدى القسم العقاري في البلدية.
والحصول على هذه الشهادة الأخيرة يتطلب الكثير من الصبر، إذ ينبغي، وبعد دفع رسم التسجيل، إعداد ملف آخر فيه صورة الهوية وتصريح موثّق أمام رجل قانون فلسطيني يشهد أن قطعة الأرض المعنية لم يتم بيعها، وصورة عن سند الإرث إذا كان المالك السابق قد توفي وشهادة من البلدية تثبت أن الوثائق السابقة كلها أصلية. يبقى بعد هذا كله قرار «الإدارة المدنية».
وهنا يشير المؤلف إلى أنه، وتبعا للفترات وللمنطقة الجغرافية، جرى رفض ما بين 25 بالمئة و40 بالمئة من الطلبات المقدّمة. ويتم إعطاء الرد «شفهيا» أو عبر وضع ختم يحمل عبارة «مرفوض» على بيان المعلومات، لكن دون أن يتم أبدا ذكر سبب الرفض. وإذا كان من الممكن نظريا الاعتراض على القرار فإن القليل جدا من الفلسطينيين يقومون بذلك، إ
ذ ان لجنة النظر في الاعتراضات تابعة لنفس «الإدارة المدنية» التي تقرر الموافقة على «منح» أو «رفض» رخصة الدخول. وينقل المؤلف عن المركز الإسرائيلي للإعلام عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة قوله في تقرير له ان لجنة النظر في الاعتراضات «لا وجود لها إلا شكلياً».
عبور الجدار
في بعض المناطق يمكن للفلسطينيين الذين حصلوا على رخصة المرور، أن يعبروا «الجدار» بآلياتهم الزراعية، لكنهم يحتاجون إلى «رخصة خاصة» بالنسبة لمرور عرباتهم في مناطق أخرى. ورخصات المرور صالحة مبدئيا للاستخدام منذ شروق الشمس ولكن لا يمكن استعمالها إلا بالنسبة ل«بوابة زراعية» واحدة في الجدار.
وتختلف مدة صلاحية «الرخص» حسب نوعية العمل. وتتم الإشارة هنا إلى تقرير صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في منظمة الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة خلال شهر مارس 2005 ويدل على أن الفلسطينيين الذين لم يعودوا يستطيعون الوصول،
بسبب الجدار، إلى أراضيهم من أجل زراعتها أو إلى زيتونهم لجني محصوله أو من أجل تغذية مواشيهم، هم في وضع اقتصادي شديد الصعوبة. هذا بالإضافة إلى أنهم مقطوعون عن المدارس والجامعات في المنطقة ومعزولون عن الشبكات المحلية للمساعدة الاجتماعية بسبب صعوبات التنقل. ويتم التأكيد هنا على أن هذه المشاكل هي مرشحة بالأحرى للتعاظم وليس للتضاؤل خلال الفترة المقبلة.
ويدل تقرير آخر للأمم المتحدة جرى نشره في شهر يناير 2006 أن نظام منح الرخص يميل إلى التشدد أكثر فأكثر منذ العمل به. هكذا انتقلت مثلا نسبة الطلبات المرفوضة من 27 بالمئة في شهر يوليو 2005. وتعلل الجيش الإسرائيلي بأن هذا يعود ل«أسباب أمنية». لكن الواقع هو أنها ترتبط أكثر فأكثر بملكية الأرض.
وفي شهر يوليو 2005، كان سبب رفض 65 بالمئة من الطلبات التي تقدّم بها الفلسطينيون يعود إلى عدم استطاعتهم تقديم سندات ملكية الأرض التي يريدون التردد عليها خلال المدة المحدّدة لتقديم الطلب أو عدم قدرتهم إثبات قرابتهم المباشرة مع مالك الأرض.
هذا في حين أنه يجري استثمار الأرض في المجتمع الفلسطيني الريفي من قبل أبناء العائلة الممتدة، أي التي تضم الزوجات والأطفال والأحفاد وبنات وأبناء الإخوة والأخوات، وبنتيجة التشدد الذي شهده، ويشهده، نظام الرخص يبدو من الصعب، هذا إذا لم يكن من المستحيل، الاستمرار في بعض الزراعات كما أنه قد يضع حدا لتقاليد قطاف الزيتون العريقة في قدمها.
وهناك أيضا مشكلة قلّة عدد نقاط المرور عبر الجدار. ويشير محققو الأمم المتحدة في شهر أكتوبر 2005 أن نصف ال32 نقطة مرور «الزراعية» المنصوص عنها في سلفيت وقلقيلية وطولكرم كانت مفتوحة أمام مالكي «رخص المرور، وذلك خلال ثلاث فترات يوميا لمدة تتراوح بين 20 دقيقة وساعة،
وحسب مشيئة الجنود الإسرائيليين الذين يقررون متى يفعلون ذلك. ويستطيعون في حالة وقوع أي «حادث أمني» إغلاق الأبواب على مدى عدة أيام ودون أي إنذار مسبق. وهناك قاعدة تعسفية أخرى يعتبرها الفلاحون الفلسطينيون مجانية إذ يتم منعهم في أغلب الأحيان من اجتياز البوابات بجراراتهم وقاطراتهم، الأمر الذي يرغمهم على استخدام الحمير التي تجر عربات وراءها من أجل نقل أدواتهم ومحاصيلهم من الخضر والفواكه.
الإجراءات التعسفية
وتشير تحقيقات شبكة من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية أجريت عام 2003 إلى أن 51 مدينة وقرية فلسطينية في مناطق جنين وطولكرم وقلقيلية قد تأثرت مباشرة بسبب بناء الجدار. وكانت منطقة الفصل قد أخذت 1500 هكتار من أراضيهم وأدت إلى اقتلاع 100000 شجرة وعزلت في الجانب الآخر منه حوالي 000 10 هكتار من الأراضي المزروعة بالزيتون والبرتقال والليمون.
إن نصف ال51 مدينة وقرية المعنية التي يسكنها 000 160 فلسطيني قد «انقطعوا» عن أراضيهم الصالحة للزراعة والتي أصبحت تفتقر بأغلبيتها لأية منظومات للري. وبالقرب من بلدة «نزلة عيسى» جنوب طولكرم جرى اقتلاع أشجار زيتون يبلغ عمرها مئات السنين من قبل بناة الجدار.
والفلسطينيون حزينون جدا لهذه الخسارة ذلك أن أشجار الزيتون تشكل أحد الآثار المتبقية من إرث الأجداد، كما أنها تشكل غالبا مصدر رزقهم. وينقل المؤلف عن أحد القرويين الفلسطينيين الطاعنين في السن قوله: «إن أشجار الزيتون الأكبر عمرا هي الأكثر مردودية أيضا. وشجرة عمرها 15 سنة تعطي ما قيمته 50 دولاراً في السنة أما شجرة عمرها مئة عام فإنها تعطي ضعف هذا المبلغ».
لكن كم من أشجار الزيتون جرى اقتلاعها؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب. يجيب الفلسطينيون، كما ينقل عنهم، عدة عشرات الآلاف من أشجار الزيتون. أما صحيفة «يديعوت احرونوت» فقد أكّدت في شهر يوليو 2003 أن إحدى المؤسسات المكلّفة ببناء الجدار طرحت في أسواق البيع بإسرائيل أشجار زيتون ب«كميات غير محدودة» بسعر 1000 شيكل لكل زيتونة ، أي ما يعادل 250 دولاراً أميركياً.
ويشير المؤلف إلى أن «نتزاه ماشياح» الذي يترأس ورشة أعمال بناء الجدار الذي يمتد على مسافة عدة مئات من الكيلومترات لا يخفي اعتزازه بالجدار مهما كانت المشاكل الإنسانية والسياسية التي يثيرها، فهو يعتبره «حاجزه» الذي يضاهي بناء «خط بارليف» الذي بناه الإسرائيليون على طول قناة السويس بعد حرب 1967».
وينقل المؤلف عن الجنرال «عوزي دايان»، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي قوله: «لم يكن مُنتظرا من الجدار أن يجعل جميع الناس سعداء». وهذا ما يعلّق عليه بالقول أن أهالي «قلقيلية» لن يقولوا عكس ذلك»، ذلك أن الطريقة التي جرى فيها ترسيم خط مرور الجدار حرمتهم من أراضيهم الزراعية ومن إمكانيات التطور.
ويؤكد المؤلف هنا أن وضع قلقيلية اليوم يجسد الاستراتيجية «غير المعلن عنها»، وإنما التي يمكن قراءتها واضحة في أرض الواقع لحكومات شارون ثم أولمرت من بعده، والتي كان قد وضع «داني تيرزا» خطوطها. وتتمثل هذه الاستراتيجية في ضمان توسع المستعمرات الإسرائيلية في أفق ضمها لإسرائيل ومهما كان ثمن ذلك بالنسبة للبلدان الفلسطينية المجاورة.
ويرى المؤلف أنه عندما يتم النظر إلى الخارطة الكاملة للجدار، ما جرى إنجازه منه ولا يزال مشروعاً، تبدو منطقة قلقيلية ـ باستثناء الدهليز الذي يشكل «غلاف القدس» ـ هي التي تثير الدهشة أكثر من أية منطقة أخرى. فمنذ صيف 2003 كانت قلقيلية محصورة وكأنها وسط شبكة من الاسمنت والأسلاك الشائكة.
وغرب المدينة أُقيم جدار علوه ثمانية أمتار وسط الحقول وطوله ثلاثة كيلومترات مع وجود أبراج للمراقبة كل 300 متر. وفي شمال وجنوب المدينة جرى تزويد الجدار، مثلما هو الحال في الضفة الغربية كلها بالأسلاك الشائكة وبالشباك المعدنية الكهربائية وطريق للدوريات وعدد من أنظمة الكشف والإنذار البصري والإلكتروني ـ المغناطيسي.
وفرعا الجدار اللذان يشكلان «جزراً من الأراضي» الفلسطينية تارة، والإسرائيلية تارة أخرى، وإنما المفصولة تماماً عن بعضها البعض، يتقاربان شرق المدينة ويشكلان ما يشبه عنق زجاجة خاضع لرقابة الجيش الإسرائيلي والذي يشكل السبيل الوحيد للدخول إلى المدينة.
وينقل المؤلف عن سيدة فلسطينية من قلقيلية قولها: «إنهم ـ أي اليهود ـ يريدون تجويعنا، ودفعنا للمغادرة، أو تحويلنا إلى إرهابيين كي يتمكنوا من قتلنا». وينقل عن أحد الفلسطينيين: «كانت ثمارنا من الليمون والزيتون والجوافة تصدر إلى السعودية ودول الخليج الأخرى. أما الآن فلم يعد من الممكن بيعها في نابلس أو جنين».
كذلك ينقل المؤلف عن رئيس بلدية قلقيلية الذي دعاه لمرافقته في شهر يوليو 2003 بعربته للمرور في الطرق المحفّرة على محاذاة الأسلاك الشائكة للحاجز، قوله له: «سوف ترى ما فعلوه. لقد حوّلوا مدينتنا إلى سجن. ولا يمكن للمرء أن يتصور شيئاً مماثلاً إذا لم يره بأم عينه».
ويضيف: «كيف استطاعوا أن يفكّروا على هذا النحو؟ وكيف قرروا قطع العلاقات التي جرى نسجها منذ سنوات بين المجتمعين؟ وكيف يمكن للمجموعة الدولية أن تقبل قيام بلد من طرف واحد بترسيم حدوده في أراضي جاره؟».
وفي المحصلة يؤكد أن الجدار العازل قد وجّه ضربة قاسية للمدينة التي خسرت أكثر من 200 هكتار من أراضيها الزراعية من بينها 10 هكتارات من البيوت الزجاجية و30 هكتاراً من حقول الزيتون جرت مصادرتها وتسويتها بالجرافات من أجل الكتل الاسمنتية.
كما توجد 45 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة التابعة للمدينة و19 من أصل آبارها ال39 تقع في الجهة الإسرائيلية، و600 متجر أغلقت أبوابها. ولم يعد لقلقيلية سوى منفذ واحد على الخارج.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



