فيما تسعى أمهات اليوم للارتباط بعلاقة صداقة وطيدة مع بناتهن المراهقات بهدف كسب ثقتهن ومن ثم تجنيبهن الخوض في تجارب لا تحمد عقباها، تصر الكثير من المراهقات في الوقت ذاته على الاحتفاظ بمسافة معينة تحول دون انسيابية شؤونهن الخاصة من تطلعات وآمال ومستجدات إلى مسامع والداتهن بصفتها (حرية شخصية) تفاديا لأي صدام أو اختلاف محتمل، نتيجة لتباين وجهات النظر وطريقة الحكم على المواقف والحالات المختلفة، ويرجع السبب وراء ذلك إلى غياب الحوار التربوي الفعال منذ البداية في معظم الأحيان بين الأم وابنتها.
في حقيقة الأمر يجد المتأمل أن المراهقة تبحث عن الصداقة العاذلية ولكن وفق شروطها بعيداً عن كثرة القيود والمراقبة. الأمر الذي يدفع الأمهات بصورة مستميتة لبذل جهودهن ووقتهن في سبيل التعرف على أبرز (القواعد الذهبية في حياة المراهق) كما فعلن حين حضرت مجموعة من العضوات في مجلس أمهات ومعلمات منطقة دبي التعليمية محاضرة تحمل العنوان نفسه لمريم النعيمي الكاتبة والمحاضرة في مجال التنمية البشرية في مسرح مدرسة الخنساء خلال الأيام الماضية ضمن سلسلة من الفعاليات والأنشطة التي يحرص المجلس على تنظيمها طوال العام بهدف تحقيق نوع من الشراكة الناجحة بين الطالبة والمدرسة من جهة، وبينها وأسرتها من جهة ثانية.
الحوار العائلي ... وقالت مريم النعيمي خلال حديثها ان الحوار العائلي يمثل الآلية القادرة على تحقيق تواصل نفسي ووجداني فاعل وبناء بين جميع أفراد الأسرة الواحدة، لأنه يفتح المجال أمامهم للاجتماع حول مائدة الحوار لينقل كل منهم ما لديه من أفكار، ويستمع بدوره إلى وجهة نظر الآخرين، بحيث أن تماسك العائلة وقوة العلاقة بين أفرادها يعد الخيار الصحيح للأبوين في كل وقت وزمان، فإن فتح منافذ الحوار يعتبر الطريق الصحيح لتوثيق العلاقة الأسرية وتقديم الدعم المعنوي والنفسي الكافيين لتحقيق ذلك الهدف. وأشارت إلى أن العلاقة بين الأم وابنتها المراهقة علاقة تتسم بالحساسية إذا ما قامت مبكرا على أساس المصارحة والحوار الفعال، نظرا لما يشيعه هذا الحوار من أجواء ايجابية في العلاقة، وإذكاء المشاعر القلبية وتحقيق ارتباط نفسي ملموس.
أنا وبناتي
وعن تجربتها كأم لأربع بنات أوضحت حليمة الفقاعي موجهة الخدمة الاجتماعية ومشرفة مباشرة على خطة أنشطة وبرامج مجلس أمهات ومعلمات منطقة دبي التعليمية أنها تفخر بتنشئة أربع فتيات ملتزمات بعادات مجتمعهن وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف تنشئة صالحة على أساس متين من الصراحة والتواصل المطلوب بين الأم وابنتها مشبهة العلاقة الطيبة التي تربط الأبناء بصورة عامة سواء كانوا شبابا أم فتيات تحديدا في سن المراهقة بوالديهم تعد بمثابة الحصانة التي تقيهم شرور المؤثرات الخارجية من رفقاء السوء أو وسائل الإعلام الهابطة وغيرها من مغريات العصر طالما أن المراهق يحصل على كفايته من الحب والتقدير والاحترام من جميع أفراد أسرته.
الصراحة مطلب
قالت منى البلوشي انها تنتهج الصراحة كأسلوب ناجح في تحاورها مع أبنائها الستة دون أن تحاول أن تخفي عنهم تفاصيل معينة، وعلى سبيل المثال فإنها لا تخجل من أن تسوق لهم أمثلة واقعية لبعض الأخطاء التي كانت ضحيتها شخصيا حينما كانت في مثل عمرهم لأنهم سيتعظون ويعتبرون من تجارب غيرهم السابقة، الأمر الذي سيثنيهم عن المحاولة وبالتالي الفشل كما حدث مع من هم أكبر منهم سنا وخبرة ودراية بالحياة.
وأضافت أن العلاقة التي تربطها بأبنائها علاقة صداقة لا تعترف بوجود حواجز تمنعهم من التواصل معها في أي وقت وفي كل المواقف والموضوعات، وذلك حتى لايلجأوا إلى أشخاص خارج محيط الأسرة.
قد لا يكونوا أهلاً للثقة
أما ليلى الخالدي فقد لفتت إلى أن علاقتها القوية بابنتها المراهقة الوحيدة أتت بثمارها، وبالفعل أصبحت ابنتها طالبة متفوقة دراسيا وملتزمة سلوكيا.
وفازت في العام 2004 بجائزة الشيخ حمدان بن راشد في التميز التربوي وترشحت للجائزة في دورتها الحالية، وحاولت ليلى جاهدة التأكد من تأقلم واندماج ابنتها منذ نعومة أظفارها في المجالات المختلفة بالصورة الصحيحة، سواء على صعيد المدرسة أو محيط الصديقات والقريبات أو الأسرة.
صداقة مستحيلة!
الطالبة هدى محمد أكدت أن مشروع إقامة علاقة صداقة تربط الأم بابنتها مشروع فاشل ومستحيل، لأن دوافع الأم من وراء هذه العلاقة قد تتعارض ورغبة البنت المراهقة، بمعنى أن الأم لا تكف عن مراقبة جميع تصرفات الابنة ووضع تحركاتها تحت المجهر، ابتداء من التصنت على المكالمات التي تجريها أو تستقبلها من صديقاتها وزميلاتها في المدرسة مرورا بالحد من حريتها في اختيار ما يتناسب وعمرها وذوقها من ملابس واكسسوارات كبقية قريناتها، وصولا إلى حرمانها من حقها في الفسحة والخروج للتنزه مع الرفيقات في احد الأماكن العامة خلال فترة العطل والإجازات، أو حتى المشاركة والحضور في المناسبات الاجتماعية المختلفة، مضيفة أنه من الناحية الأخرى فإن فارق السن بينهما يحيل دون إقامة علاقة الصداقة لأن كل منهما عاشت ظروفا وفترة مغايرة للأحوال التي مرت بها الأخرى مما يعيق التفاهم التام بينهما.
فيما ذهبت الطالبة أحلام راشد إلى أن صداقة الأم مع ابنتها (ممكنة) إذا ما اعتزمت كل منهما الالتزام فعليا لا شكليا بها، وأخلصت النية للتواصل على هذا الأساس، وهنا الأمر يتطلب ثقة عالية توليها الأم لابنتها وفي المقابل تبدي الابنة ارتياحا للحديث إلى والدتها دون أن تحاول أن تخبئ عنها الكثير من أخبارها.
وأشارت الطالبة مروة فتحي إلى أن علاقتها الوطيدة بأمها تعد مبعث راحة واطمئنان نفسيين لها في حياتها العلمية والعملية كما أنها تعزز ثقتها بنفسها وقدرتها على التفاعل مع المجتمع.
وبينت الطالبة حمدة الأميري أن هناك صداقة تجمع الابن بأبيه والأم بابنتها وبين الأخوة كذلك، شرط أن تبنى على أساس متين من الثقة والاحترام المتبادل، أما في حالة مراقبة الأم لتصرفات ابنتها طوال الوقت وفرضها لقائمة عريضة من الممنوعات في كل المجالات فلا يمكن الجزم بإمكانية نجاح علاقة صداقة تربط بينهما.
لكل هذه الأسباب .. تقاعدت
ضربت من جانبها فاطمة الدربي مثالا حيا على سلسلة التضحيات التي تقدمها الأمهات في سبيل مصلحة أبنائهن بشخصها، وذلك بعد أن دفعها حسها العالي بالمسؤولية الملقاة على عاتقها في تربية ثلاث بنات إلى تقديم طلب التقاعد و إنهاء سنوات طويلة من الخدمة قضتها في تدريس مادة الكيمياء لتتفرغ لدورها الأسمى والأهم بعد أن أوشكت بناتها على الدخول في عالم المراهقة حيث تطرأ على المراهق العديد من التغيرات الذهنية والجسدية والنفسية التي قد تعيد تشكيل رؤيته وانطباعاته للعالم من حوله والأشخاص والعلاقات التي تربطه بهم، مشددة على أن توجيه المراهقة باستمرار نحو السلوك الصحيح لن يجدي نفعا مادامت القدوة الحسنة والمثل الأعلى في الأقوال والأفعال مفقودين أو شبه غائبين. وأكدت أنها تحاول باستمرار أن تشغل أوقات فراغها المتمثلة في حضور بناتها المدرسة بكل ما هو مفيد ومجد ويعود إليها بالنفع.
حرص أمي
أشارت فاطمة الدحيل إلى أن الأم حريصة على مصلحة ابنتها في سن المراهقة لذلك تقوم ببعض التصرفات التي ترى فيها الابنة تدخلا في حريتها الشخصية وتقليلا من احترام خياراتها، وبالتالي يحدث الصدام والجدل بين الطرفين الأمر الذي تتعثر معه أية نوايا لإقامة علاقة صداقة حقيقية تجمعهما.
لولوة ثاني


