يتناول المؤلف في هذه الحلقة عملية التغيير التي هي محور أي حديث عن الأمم المتحدة في الوقت الراهن ويبحث في إمكانية إتمام هذه المهمة من خلال فحص مختلف الطروحات التي قدمت في هذا الصدد،

فضلا عن تقديم اجتهاداته الخاصة التي يرى أنها قد تعبر عن واقع الحال في ظل التطورات المتشابكة التي يواجهها العالم اليوم. ويكشف التعمق في رؤى المؤلف عن آراء تتسم بالرزانة الفكرية واستيعاب كبير للقضية التي يتناولها وهو ما يبدو جلياً من خلال العرض الذي نقدمه لهذا الكتاب. يتساءل بول كيندي كيف يمكن القيام بعملية التغيير؟ وهنا يشير إلى أنه لدى الحديث عن إصلاح مجلس الأمن فإن كل مقترحات التغيير تقود على الفور إلى خلافات أساسية حتى بين الدول النامية التي ترغب في تغيير النظام الحالي.

وفي إطار استعراضه لكلمة الإصلاح يشير المؤلف إلى أن هذه الكلمة ترددت كثيرا غير أنها كانت تحمل معاني مختلفة لكل من يرددها، والمشكلة كما يلخصها بول كيندي تتمثل فيما يطرحه البعض من أن الوقت ليس مناسبا لطرح فكرة الإصلاح في الوقت الحالي، مشيرا إلى أنه حتى أكثر المقترحات اعتدالا مثل إضافة عدد من الأعضاء غير الدائمين إلى المجلس لا تلقى ترحيبا. كما أن تفعيل اللجنة العسكرية أو حتى فكرة البعض بتوفير جيش يكون تابعا لمجلس الأمن، قد تبدو غير عملية على صعيد التنفيذ وهو ما يعني أنها لن ترى النور.

كما أن الاقتراح الذي يقضي بتوفير مصادر تمويل، وهو الاقتراح الذي ظهر خلال منتصف التسعينات مثل فرض ضرائب صغيرة على بعض العمليات المالية الدولية وجد مقاومة من قبل البعض. وعلى هذا فإنه لم يكن من الغريب أنه خلال سنوات معدودة تراجع الحديث عن تعزيز الكيان الدولي ومحاولة تعزيز قدرته على العمل على تحقيق أهدافه، فيما دخل أعضاء مجلس الأمن القرن الحادي والعشرين وسط أجواء من الحذر من قبلهم بشأن ما ينتظرهم من تغيير في حال إصرار بقية الدول على تعديل تركيبة المجلس. وفي ظل أجواء الحديث عن تعديل هيكل المنظمة الدولية جاءت أحداث سبتمبر 2001 مما أدى إلى فرض أجندة جديدة على مجلس الأمن والجمعية العامة أو الأمم المتحدة ككل متمثلة في الحرب على الإرهاب،

حيث اتبع ذلك تعاونا بين البنوك المركزية وأجهزة الشرطة، وأجهزة الأمن في كل مكان في العالم، في استجابة لمطلب واشنطن بتجميد كل الأصول التي تخص منظمات وصفت بالإرهابية، والقبض على الخلايا الإرهابية المحلية المفترضة. وقد استغلت الدول التي تحارب خلايا «إرهابية» داخلية الحرب على الإرهاب كوسيلة وأداة من أدواتها مدركة أن لديها الآن من الأدوات ما هو أكثر من أي وقت مضى لتحقيق أهدافها وهو ما عكس بعض الاستغلال السلبي لهذا التطور الأمر الذي أثير بشكل رئيسي بشأن عدد من الدول العربية والإسلامية.

ويتطرق المؤلف إلى تطورات تلك الفترة وموقف الولايات المتحدة من النظام العراقي حيث قرر بوش الإطاحة بنظام صدام على خلفية تطورات ما بعد أحداث سبتمبر وهو ما أثار نزاعا كبيرا داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن إمكانية إتمام تلك المهمة من خلال المنظمة الدولية.

أزمة غزو العراق

ومن المفارقات أن الجدل بشأن السيطرة الأميركية على مقدرات النظام الدولي طغى على الجدل السائد بشأن وضع الخمسة الدائمين في مجلس الأمن. ويضيف كيندي أنه إذا كان العالم قد قبل الريادة الأميركية خلال عام 1945 الأمر الذي كان يعكس وضعا قياديا أميركيا آنذاك

حيث كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الخروج من العزلة وتضع آمالا كبيرة في إطار نظام إصلاحي دولي، إلا أنه وبعد أكثر من نصف قرن فإن الجمود الذي لحق بمجلس الأمن أظهر أن هذا الاتجاه في طريقه إلى الانتهاء وأن القيادة الأميركية للنظام الدولي لها حدود.

لقد كانت فرنسا تصر على حقها بمقتضى الميثاق الذي يتضمن استخدام الفيتو إذا لم تقرر الولايات المتحدة أن يكون موقفها ضد العراق قائم على أساس تفويض من المجلس، فيما بدأت الولايات المتحدة تفقد صبرها بشأن حقيقة أن صدام حسين بدأ ينتهك ميثاق الأمم المتحدة،

ولذا قررت أن تمضي قدما دون تفويض، وهو ما كان يعني بكل الأحوال فشل المنظمة الدولية في التعامل مع قضية حيوية كانت بالفعل تهدد مصير المجتمع الدولي كله، ما جعل مجلس الأمن بالتحديد على مفترق طرق، خاصة أنه وجد أن عليه التعامل مع العديد من القضايا المزعجة أو المثيرة للقلق مثل النزاع في الشرق الأوسط، وفي جنوب آسيا، وفي البلقان.

لقد كانت كل تلك الأحداث تشير إلى تغير في العالم عما كان عليه الوضع في عام 1946، حيث أصبح الكل يدرك الآن أن مجلس الأمن وبعد مرور نحو ستة عقود من الصراع مع تحديات السلام العالمي ومع سجل مختلط من النجاح والفشل غير من طرقه واقتراباته أكثر كثيرا مما فعله في بنيته.

حفظ السلام

في إطار حديثه عن مهام المنظمة الدولية يشير المؤلف إلى من بين كل الصور والأفكار المتعلقة بالمنظمة الدولية هناك مهام أصبحت معتادة بالنسبة لنا وتتمثل في الجنود ذوي القبعات الزرقاء وهم يقومون بدورية في منطقة يسود فيها وقف للنار أو يوزعون الأغذية على سكان مشردين أو يحرسون مراكز انتخابية .

وعندما يقوم هؤلاء بالعمل جيدا ويوجد أمثلة عديدة على ذلك فإن ذلك يعد مثالا عمليا وحقيقيا على شعورنا الإنساني المشترك وشهادة على تقدمنا نحن البشر. ورغم إخفاقات القرون الماضية يمكن القول أننا تقدمنا ومن الجدير بالذكر،

كمثال على ذلك، حال الجنود الفرنسيين والسويديين والدنماركيين من بين آخرين الذين ارتكبوا أعمالا وحشية عبر أوروبا، إلا أنهم الآن يقومون بمهام لحفظ السلام في عدد من القارات بدءا من الكونغو ووصولاً إلى الشرق الأوسط.

ويشير المؤلف إلى أن العديد من الدول تساهم بأشكال مختلفة في عمليات حفظ السلام كأحد مظاهر مرحلة ما بعد 1945 في النظام الدولي، وذلك على الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة لا يتضمن على الإطلاق الإشارة إلى كلمة حفظ السلام أو حتى يقدم ما يمكن اعتباره خطوطا إرشادية بشأن شكل هذه القوات أو العمل الجماعي.

مواكبة التطور الإنساني

يرى الكاتب أن هذا الأمر يقدم مثالا على المرونة والتطور في شأن هذه القصة، حيث يشير إلى أن الحكومات المختلفة فسرت أو أعادت اختراع أصول القواعد التي تقوم عليها المنظمة الدولية في ضوء ضغوط الأحداث المختلفة.

فضلا عن ذلك فإن هذا التطور يكشف لنا عن القدرة على التطور ومواكبة الواقع من خلال تطوير دور المنظمة كمقوض للنزاعات أو إذا ما لم يكن ذلك ممكنا مساعدة المجتمعات المتصارعة على مواجهة احتياجاتها.

يشير المؤلف إلى أن بساطة مفهوم الحفاظ على السلام مع البدايات الأولى لإنشاء المنظمة الدولية حيث كان يعني تعزيز حالة السلام بين الدول المجاورة وفحص مدى التهديد الذي تمثله بعض الأقطار على جيرانها ومن هنا فقد تركز في جوهره على وقف الاعتداءات عبر الحدود.

وقد ساعد على الحد من تطور المفهوم في البدايات أو نشأته على نحو يتسم بالقصور أن التدخل من قبل الأمم المتحدة في القضايا الداخلية لأي دولة لم يكن مسموحا به ولم يكن مطلوبا من الأعضاء الخضوع لمثل هذه الرؤية.

ومع ذلك فإن التطورات الدولية كشفت عن صعوبة أن يقوم العالم أو المنظمة الدولية بتوفير السلام والأمن لكل العالم دون أن تتدخل حسب منطق السيادة في شؤون الدول الأعضاء عندما يكون مصدر التهديد للأمن العالمي يتعلق بأمر يصدر من داخل إقليم هذه الدولة أو تلك.

ويعرض بول كيندي لتطور هذا الجانب مشيرا إلى أنه في عام 1945 لم يكن هناك سوى نحو 50 دولة يمكنها التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة وتلعب دور الأعضاء في المنظمة، بينما بقية العالم كان يتألف من دول صنف بعضها في خانة الأعداء فيما كانت البقية الباقية تمثل الدول الخاضعة للاستعمار.

لقد كانت هذه المجموعة الأخيرة تسعى إلى الاستقلال وهو ما أوجد في الربع قرن التالي أكبر حركة للتحرر من نير الاستعمار. لقد كان من نتيجة هذا التحول أن رأت بريطانيا مركز إمبراطوريتها الشرقي يتحول من الهند إلى الشرق الأوسط وشمال شرق أفريقيا، في الوقت الذي كانت فرنسا مشغولة بإعادة تأكيد دورها الاستعماري بينما كانت الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية في طريقها إلى الاضمحلال.

قيود القوات الدولية

في تلك الأثناء انتشرت الأفكار المتعلقة بالحرية والديمقراطية في العالم والأراضي الخاضعة للاستعمار، والمهم أن المؤلف ينتهي إلى أن الأمم المتحدة وجدت نفسها وكذلك مجلس الأمن عاجزا عن القيام بمهام عملية على أرض الواقع تتعلق بحفظ السلام ولذلك فإن الجهود الأولى من قبل المنظمة الدولية من أجل تشكيل قوات لحفظ السلام كانت محدودة ومتعجلة، وإزاء القيود التي تم التطرق لها

فإنها لم تستطع أن تقوم بأكثر من تشكيل بعثات لمراقبة السلام مثل تلك التي أنشئت من قبل الجمعية العامة للانتشار على الحدود اليونانية خلال فترة الحرب الأهلية ولكن ليس داخل اليونان بناء على الفيتو السوفييتي في مجلس الأمن،

أو جماعات المراقبة التي كانت تراقب انسحاب قوات هولندا من أندونيسيا. وقد يكون من بوادر أو مؤشرات التحول وإن لم يكن على نطاق كبير ذلك الفريق الذي تم تكليفه بمراقبة الهدنة في أعقاب الحرب العربية ـ الإسرائيلية في عام 1948 وكذلك البعثة التي تم توجيهها إلى كشمير في أعقاب وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان عام 1949.

لقد كانت هذه خطوات إيجابية ساندتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، غير أن القيود التي فرضت على مهام هذه الفرق كانت كبيرة، فوحدات الأمم المتحدة إما أنها لم تكن مسلحة أو أنها مسلحة تسليحا خفيفا فقط وكان عليها ألا تستخدم السلاح إلا دفاعا عن النفس وقد وقعت هجمات عديدة على مواقع هذه الوحدات ما أسفر عن خسائر عديدة في الأرواح

كما أنهم لم يستطيعوا الحيلولة دون قيام جماعات فلسطينية بشن هجمات على المستوطنين الإسرائيليين أو القيام بعمليات انتقامية إسرائيلية. وهنا فإن الكاتب يعرض لهذا الأمر مقدما هذه الخلاصة دون أن يتطرق إلى تفاصيل القضية وهو ما قد يعطى انطباعا خاطئا في ظل عدم الإشارة إلى أن العمليات الفلسطينية كانت تأتي في سياق أعمال المقاومة للاحتلال الإسرائيلي.

من ناحية ثانية فإن استضافة الدول أو الحكومات لهذه الوحدات والتكفل بنفقاتها وتحركاتها وتنقلاتها كن يحد كثيرا من استقلاليتها. وقد أدى ذلك إلى تعثر مهمة قيام الأمم المتحدة بدور الشرطي العالمي وإن كان المؤلف يرى أن الوضع يختلف إلى حد ما بشأن التدخل الأممي في أزمة كوريا.

في إطار استعراضه لتطور فكرة تشكيل قوات لحفظ السلام منبثقة عن المنظمة الدولية وتحولها إلى أداة حقيقية لتحقيق الأمن في العالم يشير كيندي إلى أن أزمة السويس في 1956 وكذلك صراع الكونغو ـ كاتانجا في الفترة من 1960 إلى 1964 كان لهما تأثيرات بالغة لجهة تغير دور الأمم المتحدة على نحو أكثر فعالية.

فلقد تم انتهاك الهدنة التي تقوم على رعايتها المنظمة الدولية في عام 1955 حيث اصطدمت القوات المصرية والإسرائيلية في ذلك العام في قطاع غزة، كما هاجمت القوات الإسرائيلية الحدود السورية. غير أن الأحداث التي تلت ذلك العام كانت من الجوهرية إلى الحد الذي ألقى بتأثيراته لجهة التحول في أداء المنظمة حيث أمم جمال عبد الناصر قناة السويس

كما شاركت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا في عملية غزو ثلاثي لمصر وهو ما أدى إلى رفع حرارة الموقف في المنطقة إلى الحد الذي ألقى بظلاله على مستقبل المنظمة الدولية.. فاثنان من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ممن يتمتعون بحق الفيتو شاركا في الاعتداء على دولة من دول المنظمة

وهما في نفس الوقت يسعيان إلى استخدام الفيتو للحيلولة دون اتخاذ قرار يدين موقفيهما ما أدى إلى وضع المجلس في موقف لا يحسد عليه. لقد أتاح ذلك للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تلعب دورا مهما غير أنها كانت تواجه عقبة أن أي موقف يتسم باللجوء إلى القوة لن يجدي نفعا في مواجهة أي من الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس.

وعلى هذا كان المخرج هو قرار الجمعية رقم 998 في 4 نوفمبر 1956 والذي مثل نقطة تحول حيث أسند مسؤولية كبيرة إلى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة داج همرشولد بأن طلب منه أن يشكل قوة طوارئ لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في المنطقة على أن تكون هذه القوة تحت إدارة الأمين العام مباشرة

وأن يقوم بنفسه بتعيين قائد عسكري ميداني وعلى عكس المهام السابقة فإن قوات حفظ السلام الأممية سوف تضع بعض عناصرها بين الأطراف المتصارعة على طول الحدود بين مصر وإسرائيل.

القبعات الزرقاء

لقد كان ذلك بمثابة مرحلة جديدة في عمل المنظمة الدولية وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي ترتدي فيها فرق الأمم المتحدة القبعات الزرقاء التي اشتهرت بها فيما بعد،غير أن الأمر لم يكن يعني أن الأمور وصلت إلى مرحلة ناضجة تماما من مهام المنظمة على هذا الصعيد

فحتى في هذا الإطار فإن وجود قوات المنظمة كان يعتمد على التوافق العام بين أطراف الصراع وبدون مثل هذا الرضا فقد كان يحق لأي طرف أن يطلب رحيل هذه الفرق وهو ما فعله عبد الناصر قبل حرب 1967، فضلا عن ذلك فإن القوات لم يكن لها أن تتدخل إلا إذا كان صادرا لها تفويض بذلك من مجلس الأمن.

وقد أفرز ذلك الوضع فيما بعد بعض الوقائع الغريبة في عدد من النزاعات المستقبلية حيث كانت القوات الدولية ترى الفظائع ترتكب أمامها في عدد من المناطق المتواجدة فيها لحفظ الأمن دون أن تتدخل لعدم وجود ذلك التفويض.

وحتى بالنسبة لنزاع الشرق الأوسط فإنه من المشكوك فيه قيام هذه القوات بدور ملموس فقد كانوا منتشرين على مناطق شاسعة ومسلحين تسليحا خفيفا وسط قوات مسلحة تسليحاً ثقيلاً وتملك قوات جوية وهو ما قلل من دورها رغم البداية التي جعلت من الممكن تعليق آمال كبيرة عليها.

وكنتيجة للصيغة التي تم بها اتخاذ القرار 998 فإن قوات المنظمة الدولية «اليونيف» لم تتشكل من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ولكن من مجموعة من الدول الأعضاء، أو على الأقل من مجموعة من الدول كان ينظر لها على أنها محايدة في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي في ضوء اعتراض أطراف النزاع على جنود دول بعينها كمشاركين في عمليات حفظ السلام.

ومن حسن الحظ أن عددا كبيرا من الحكومات في ذلك الوقت وافقت على إرسال جنودها للمشاركة في حفظ السلام. إن الدول التي وافقت على أن تضع جنودها تحت السلطة الدولية تتمثل في الدول الإسكندنافية ومجموعة دول أوروبية مثل أيرلندا وبولندا وهولندا وإلى حد ما إيطاليا. كما أن دول أميركا اللاتينية مثل البرازيل وكولومبيا كان لها مشاركة متميزة ضمن القوات.

فوق كل ذلك فإن هناك قوات قدمت من كندا وأستراليا ونيوزلندا والهند وفيجي وغانا وباكستان ونيجيريا، وعلى هذا فإن صور الجنود ذوي القبعات الزرقاء المسلحة تسليحا خفيفا أصبحت مقبولة كشكل من أشكال حفظ السلام، وهو ما تمثل في قيام قوات على غرار هذا التشكيل بمهام عديدة في السنوات التالية وقد كان الاستثناء الوحيد هنا هو أزمة الكونغو عام 1960 ورغم ذلك فإن هذه الأزمة عمليا عززت التقليد القائم على تحديد نوع التدخل الممكن.

إن طبيعة الأزمة الكونغولية تحدت الافتراضات التي يقوم عليها أو على تحقيقها الأمن الدولي حيث إنها لم تكن نزاعا بين مجموعة من الدول الأعضاء ولكنها حرب أهلية دموية. لقد أدت تطورات تلك الحرب إلى أن أصبحت المرة الأولى التي تواجه فيها قوات الأمم المتحدة احتمال استخدام القوة ليس ضد دولة معتدية

كما هو الحال في كوريا الشمالية أو العراق وإنما ضد رجال محليين يقومون بقتل أبرياء على خلفيات عنصرية أو غيرها فضلا عن مهاجمة أفراد قوات حفظ السلام. ففي أبريل 1961 لقي أكثر من 44 من القوات الغانية مصرعهم في مذبحة

كما قتل بعد نحو ستة أشهر من تلك المذبحة نحو 13 جنديا إيطاليا ووصل التدخل الأممي إلى حد مطالبة القوات الدولية بالتدخل لوقف العنف ووقف مساعي كاتانجا للاستقلال، إلى أن تم استعادة وحدة الكونغو في يونيو 1964 حيث انسحبت قوات الأمم المتحدة بعد ذلك التاريخ.

ويتبقى بعد ذلك السؤال حول دلالة هذه العملية الصعبة على مستقبل العمل الدولي. على الجانب الإيجابي فإن الأزمة أشارت إلى أن الأمم المتحدة استجابت بصورة تدريجية ولكن بقوة لتلبية نداء من دولة عضو تطلب المساعدة وأعادت لهذه الدولة تكاملها ووحدتها. كما أنها أشارت إلى أن المنظمة يمكنها ليس فقط مراقبة السلام وإنما فرضه وتحقيقه.

كما أن الأزمة أدت كذلك إلى انخراط الجمعية العامة بدور كبير في الأزمة على نحو غير مسبوق سوى في أزمة 1956 كما أشرنا من قبل. غير أن الأزمة أشارت كما يرى البعض إلى أن المنظمة ذهبت بعيدا في أداء دورها حيث وجدت نفسها مضطرة إلى مساندة حكومة مركزية في مواجهة قوات خارجية كما أن عمليات القتل التي وقعت جراء التدخل الأممي لا يجعل من مهمتها حفظ سلام بأي حال من الأحوال.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق