يركز المؤلف جانبا أساسيا من مادة كتابه لتناول أداء المجلس وموقع هذا الأداء من عمليات المنظمة الدولية منذ نشأتها وحتى الآن مشيرا إلى ما يعتبره انحراف المجلس من خلال القوى الخمس الكبرى الدائمة العضوية فيه عن الميثاق فيما يتعلق بإساءة استخدام حق الفيتو على نحو يخدم مصالحها.

ويقدم لنا العديد من الأمثلة الواقعية التي تعزز رؤيته بشأن دور المجلس متطرقا إلى الجمود الذي أصابه، بل المنظمة ككل خلال فترة الحرب الباردة ثم يعرض لنا التحولات التي لحقت بأداء المنظمة الدولية خلال عقد التسعينات والذي برزت خلاله دعوات إلى إصلاح المنظمة وفي القلب منها تركيبة مجلس الأمن وصلاحياته خاصة حق النقض «الفيتو». في إطار الانتقادات العديدة التي توجه لتركيبة مجلس الأمن، يشير بول كيندي إلى أنه قد يكون من الغريب بحق أن خمسة أعضاء فقط من بين 191 عضواً في المنظمة الدولية يحظون بوضع مميز في مجلس الأمن. وعلى أساس مواقفهم يتحدد مصير الجهود المبذولة لتحقيق السلام في العالم. والأدهى من ذلك هو أن كل دولة بمفردها من الدول دائمة العضوية في المجلس يمكنها أن تربك قرارات المجلس وتؤثر على خططه بما يعرقل إرادة المجتمع الدولي ككل. وفي معرض التدليل على صحة رؤيته تلك يعرض لنا المؤلف نماذج على ما يمكن اعتباره تعنت القوى الكبرى وتعسفها في استخدام هذا الحق على نحو مستفز.

ويشير هنا إلى سوء استخدام الفيتو من قبل روسيا في واحدة من القضايا التي لم يكن من الممكن النظر إليها على أنها تهديد للمصالح الروسية في عام 1946 حيث صوت المندوب الروسي بالرفض على قرار بشأن الانسحاب الفرنسي من لبنان وسوريا حيث كان ينظر إلى الأنظمة التي ستقام هناك فيما بعد رحيل الاستعمار على أنها ذيول للاستعمار. ويعقب كيندي على ذلك بالقول ان الفيتو لم يكن على النحو الصحيح فيما يتعلق بالقضايا التي تتعلق بتهديد السلم والأمن الدوليين. وقدم المزيد من الأمثلة أشار إلى أن الأمر وصل إلى حد التهديد باستخدام الفيتو حتى بالنسبة لإجراء مثل تعيين الأمين العام للمنظمة الدولية على شاكلة الموقف الأميركي بالنسبة لبطرس غالي، أو تأكيد فرنسا أنها لن توافق على أمين عام لا يعرف الفرنسية. وعلى النسق نفسه يأتي استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو للحيلولة دون صدور القرارات التي تدين إسرائيل.

وبعيدا عن هذه المواقف التي تعبر عن حالات محددة، يشير المؤلف إلى تزايد حالات استخدام الفيتو من قبل القوى الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة على نحو يمثل بحق تعطيلا للإرادة الدولية، ويقول، في إطار استعراض نمط التصويت خلال الفترة من 1985 وحتى 1990، إن الاتحاد السوفييتي، على سبيل المثال، لم يستخدم حق الفيتو خلال تلك الفترة بينما استخدمته الولايات المتحدة نحو 27 مرة. وفي مناقشته لهذه النقطة يعرض لنا المؤلف وجهة نظر أخرى يعني العمل بها تفريغ مجلس الأمن من مضمونه بحيث يصبح وجوده في النهاية مثل عدمه، وتتمثل هذه الرؤية في أن استخدام الفيتو ضمن مجلس الأمن في المنظمة الدولية قد يكون أفضل من ألا يكون ذلك الحق موجودا وهو ما يعني أن تعمل القوى الذي تستخدمه خارج نطاق المنظمة الدولية. وأنه من الأفضل أن يكون لدينا ذلك العدد الكبير في إطار التنظيم الدولي من أن يكون هذا العدد خارجه. ولعل العمل بهذه الرؤية يقوض أساس المنظمة الدولية ككل، ذلك أن عدم العمل وفق الأسس التي تم على أساسها وضع ميثاق المنظمة إنما يعني الانحراف بالمنظمة عن أهدافها وإسباغ الشرعية على عمليات لا تستحق الشرعية.

موقف الجمعية العامة

وفي تحديد لموقفه بشأن ما يجب أن يكون عليه المجلس، يذكر كيندي بما كان عليه موقف المتفائلين لدى صياغة الميثاق في مؤتمر سان فرانسيسكو حيث تصوروا أن المجلس سيكون بمثابة هيئة دولية تمثل السلطة الأعظم في العالم، غير أنهم نسوا أن يشيروا إلى أن ذلك إنما يتوقف على مدى اتفاق الدول الخمس الأعضاء أصحاب الحق في استخدام الفيتو. وهو ما أدى إلى الاعتماد على الجمعية العامة في تمرير القرارات التي تعكس إرادة غالبية الدول في المنظمة الدولية.

ولعل مما يكشف عن الخلل الذي يعكسه البند الخاص بنمط التصويت في مجلس الأمن المتعلق بحق الفيتو ما يشير إليه المؤلف من وصول أعمال المنظمة الدولية إلى حالة من الجمود في ظل أجواء الحرب الباردة وهو ما أدى بالأمين العام في عام 1950 إلى العمل على تمرير قرار من الجمعية العامة يجيز له التحرك بشأن المسائل التي تدخل في إطار اختصاص مجلس الأمن حال استخدام الفيتو من قبل أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس بشكل يعوق قيام المنظمة بعمل أو بتحرك يحقق أهدافها.

لقد كان ذلك يمثل أجرأ خطوة للفكاك من الحال السيئ الذي وجدت المنظمة نفسها عليه وهو الأمر الذي انعكس في مواقف الجمعية العامة بشأن أزمة السويس في عام 1956 غير انه وإزاء قيود الميثاق فإن الموقف الذي تم التوصل إليه على خلفية هذه القضية لم ينسحب على القضايا الأخرى الأمر الذي كان يمكن أن يشكل سحبا للبساط من تحت أقدام القوى الخمس الكبرى وبالتالي إفراغ حق الفيتو من مضمونه وهو ما لا يتصور أن تقبل به القوى الكبرى ولذلك لم يتجاوز موقف الجمعية العامة بشأن أزمة السويس إلى قضايا أخرى.

إن سجل مجلس الأمن خلال السنوات الأربعين الأولى من عمره يشير إلى التوتر في علاقات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن خلال النصف الثاني من القرن العشرين من خلال مجموعة من الأزمات : كوريا، السويس، برلين، الكونغو، الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك صراعات أميركا وافريقيا.

الأزمات الدولية

لقد انغمس مجلس الأمن في مختلف هذه القضايا لكن الحل الذي انتهت إليه هذه الأزمات إنما ارتبط بإرادة الدول الكبرى والاتفاق بينها على صيغة الحل. ويشير إلى أن الأزمة الكورية في تطوراتها المختلفة إنما كانت تشير إلى مساحة الاختلاف وعدم الاتفاق بين القوى الخمس الكبرى في المجلس في ذلك الوقت عارضا تفصيلات تطورات الأزمة ومواقف الأطراف المختلفة منها خاصة الموقفين السوفييتي والأميركي اللذين كانا المؤثرين الأساسيين في الأزمة.

وعلى نفس النحو جاءت أزمتا السويس والمجر في عام 1956 ليعكسا الحد الذي تمارسه القوى المهيمنة أو الكبرى صاحبة حق الفيتو في النظام الدولي فقد حاولت كل من بريطانيا وفرنسا عرقلة اتخاذ قرار أممي يدين موقفيهما بالمبادرة بالعدوان على مصر، وكذلك سعى الاتحاد السوفييتي للحيلولة دون اتخاذ قرار ضد قيامه بغزو المجر.

لقد انعكست هذه الأجواء التي مثلت مظاهر مختلفة للحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على القضايا الرئيسية التي واجهت النظام الدولي خلال الستينيات والسبعينيات وخاصة بالنسبة لأزمة الكونغو وكذلك الصراع العربي الإسرائيلي فرغم تدخلات مجلس الأمن إلا أنها ظلت محكومة بمواقف هاتين القوتين ووصل الأمر إلى حد أن كلا منهما عمل على تجنيد حلفاء أو عملاء له في كل منطقة لتنفيذ أهدافه بالوكالة ووفر لهم الحماية سواء من خلال تقديم المساعدات المادية والعسكرية أو من خلال الحيلولة دون اتخاذ قرارات دولية من مجلس الأمن ضدهم من خلال التلويح باستخدام الفيتو، ويشير هنا إلى مساندة موسكو للكونغو خلال حكم باتريس لومومبا وكذلك الحماية التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل بالحيلولة دون صدور قرارات تدينها.

وفي تعزيز لهذا المنطق، يشير بول كيندي إلى أنه في المقابل وبالنسبة للقضايا التي يجد فيها الأعضاء الدائمون أنها لا تمس مصالحهم بشكل كبير أو تؤثر عليهم فإنه يفضلون في هذه الحالة تفويض الأمين العام للأمم المتحدة اتخاذ الإجراءات التي يراها بشأنها ومن ذلك مثلا قضية غوث اللاجئين الفلسطينيين وأزمة غينيا الجديدة وقبرص.

وفي إشارة ذات مغزى إلى مدى تأثير هذه التحولات خاصة المتعلقة منها بما يمكن اعتباره مصادرة القوى الكبرى لقرار مجلس الأمن، يرى كيندي أنه كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تراجع صلاحيات الأمم المتحدة وعلى رأسها صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة إلى الحد الذي يصح عليه بشكل كبير التسمية التي يحرص عليها العديد من المراقبين وهي وصفه بالخادم الدولي في إشارة إلى تدني صلاحياته بشكل كبير.

غير أن الأمين العام كان يواجه تهمة السخط عليه من قبل الدول النامية الأعضاء الآخرين في المنظمة باعتباره خاضعاً لإرادة الدول الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. لقد كانت خصائص مرحلة الحرب الباردة أن قرارات الحرب والسلام تصنع في واشنطن وموسكو وأن أدوار الآخرين ثانوية وبالقدر الذي تقبله الدولتان.

ومع انتهاء الحرب الباردة حدث تحول في دور الأمين العام، وهو الأمر الذي لقي ترحيبا من قبل الدوائر المختلفة.غير انه من قبيل السخرية أن هذا التوسيع للدور كذلك كان مرتبطا بموافقة الدول الكبرى. في هذه الفترة تم التوصل إلى تسوية للحرب العراقية- الإيرانية كما تم التوصل إلى تسوية بشأن الغزو السوفييتي لأفغانستان يحفظ ماء الوجه لموسكو وفي نفس الفترة انسحبت كوبا من أنجولا. وحصلت ناميبيا على استقلالها وعلى هذا لم يكن من الغريب أن يتحدث بوش الأب عما أسماه «النظام العالمي الجديد».

مفاجأة ثقيلة العيار

واجه العالم في مطلع التسعينات مفاجأة ثقيلة العيار تمثلت في الغزو العراقي للكويت، ويرى المؤلف أنه إذا كان صدام قد وقع في العديد من أوجه سوء التقدير فإن أسوأها جميعاً كان تقديمه لمجلس الأمن ذريعة كلاسيكية لكي يقوم بعمل عسكري بمقتضى الفصل السابع من الميثاق. لقد كان ذلك بالضبط ما قصده من صاغ ميثاق المنظمة الدولية حيث لم يكن هناك لأي من الأعضاء الدائمين ذوي حق الفيتو مصلحة في عرقلة اتخاذ قرار ضد العراق أو بالعمل العسكري على النحو الذي يحقق الهدف الأساسي من الميثاق.

لقد كان غورباتشوف يسعى إلى تعزيز وضعه من خلال التحول بالاتحاد السوفييتي ويريد أن يكسب صداقة الغرب، بينما لم تجد الصين مجالا لاستخدام الفيتو بشأن مسألة يقوم فيها طرف باعتداء على طرف آخر في المنظمة الدولية، بالإضافة إلى هذا وذاك فقد كان لصدام حسين أعداء كثيرون في المنطقة، حتى أن الكثيرين ممن ذهبوا إلى أن الولايات المتحدة إنما تحركت عسكريا على خلفية أهدافها المتمثلة في التهديد الذي مثله صدام لإمدادات النفط أو تعزيز وضعها في الشرق الأوسط لم يرفضوا مقولة أن الحرب ضد العراق كانت مبررة بكل المعايير القانونية.

ورغم ذلك فقد كان من المدهش أن قرار إدانة الغزو اتخذ بعد ظهر نفس اليوم الذي تم فيه الغزو ما يشير إلى حجم الاتفاق بين القوى الكبرى وأثره في سرعة وفاعلية القرارات الدولية بشأن الأزمات المختلفة، وهو ما يؤكده معرفة أنه خلال الشهور القليلة التي تلت الغزو صدرت عدة قرارات ـ نحو 11 قرار ـ أقرت في البداية العقوبات الاقتصادية، ثم الحصار البحري، ثم أخيرا استخدام القوة. وإذا كان لذلك من دلالة فإنه إنما يشير حسب المؤلف إلى أن التحالف ضد العراق كان يعبر عن تلاقي مصالح الأطراف الرئيسية في النظام الدولي.

وإذا كانت أزمة احتلال العراق للكويت تبدو معروفة للكافة فإن المؤلف يقدم لنا مثالا ثانيا يعزز من خلاله وجهة نظره وهو أزمة جزر فوكلاند حيث لم يكن للصين أو الاتحاد السوفييتي مصلحة في القضية أو النزاع . ونفس الأمر انطبق كذلك على فرنسا والولايات المتحدة حيث لم يكن لهما مصلحة في الوقوف في وجه بريطانيا، ومساعيها لضرب الأرجنتين.

ويتطرق المؤلف بعد ذلك إلى أزمات التسعينيات متسائلا عن الأسباب التي جعلت هذه الأزمات تشكل خطراً على نظام الأمم المتحدة؟

في معرض الإجابة يشير إلى أن ذلك إنما جاء بفعل أن الكثير من هذه الأزمات كان بمثابة فوضى داخلية وانهيار للنظم الاجتماعية مثل هاييتي والصومال، وهذه جوانب لم يكن قد تم تغطيتها في ميثاق المنظمة الدولية. فضلا عن ذلك يشير المؤلف إلى أن كثرة النزاعات وقفت وراء عجز المنظمة عن التدخل على نحو فعال جراء المناشدات الموجهة للمنظمة الدولية بالتدخل في وقت قصير، ففهم المشكلة وحده قد يستغرق الكثير من الوقت.

ولقد كان هناك العديد من القضايا مثل كمبوديا ورواندا وموزمبيق وهاييتي وكوسوفو وغيرها من الأزمات . و كانت صرخات أصحاب هذه القضايا تسمع عبر وسائل الإعلام العالمية. ورغم ذلك فإن التدخل الأممي في اغلب هذه القضايا جاء بعد فوات الأوان، وبعد أن حدثت خسائر كبيرة في الأرواح.

وفي معرض تفسير ذلك يشير إلى أنه من الجيد أن يقرر مجلس الأمن التدخل لفض نزاع في منطقة ما من العالم، لكن ذلك كان يتطلب من الأمين العام أن يتجول على الأعضاء طالبا المساعدة من كل عضو سواء من حيث الإمداد بالجنود أو بقوات شرطية أو بمساعدات لوجستية أو غير ذلك. وهنا فإن التباين في موقف الدول إزاء هذه الطلبات كان يمثل عقبة كبيرة أمام نجاح المنظمة في الاستجابة للأزمات المختلفة.. فهناك بعض الدول كانت تعرض إرسال قواتها إلى افريقيا غير أنها كانت ترفض إرسالها إلى البوسنة وكوسوفو كما أن دولا كانت توافق على المشاركة في حفظ السلام وترفض المشاركة في فرض السلام، وقد أدت المشاكل المحيطة بهذه العملية إلى إضعاف مصداقية مجلس الأمن وكذلك إثارة الشكوك بشأن توسيع مهام المنظمة الدولية.

يبقى أخيرا الجانب المتعلق بالتكلفة لتغطية هذه العمليات وهي التي تمثل العبء الأكبر الذي يعوق أداء أو قيام المنظمة بمهامها على أكمل وجه. وإذا كان من الصعب إقناع كل الدول بدفع الأموال من أجل المنظمة الدولية، فإن إيجاد التمويل الكافي لعملية جديدة للأمم المتحدة كان يعتبر تحديا مرعبا. ومع حلول 1993 وللمرة الأولى تجاوزت تكلفة عمليات حفظ السلام ميزانية الأمم المتحدة السنوية بنحو مرتين أو ثلاث.لقد فرضت هذه الأعباء الإضافية أحمالا ثقيلة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على نحو يفوق ما كان مفروضاً على الدول الفقيرة والأعضاء الآخرين .

لقد كانت النتيجة جراء كل ذلك أنه مع حلول منتصف التسعينات ورغم النجاحات التي ربما تكون المنظمة قد حققتها إلا أنها كانت قد وصلت مع حلول تلك الفترة وبالتحديد في 1995 و 1996 إلى وضع لا تحسد عليه.

فضلا عن ذلك فإن الأزمة الثلاثية في الصومال ورواندا - بوروندي والبوسنة خلال منتصف التسعينيات لم تؤدِ فقط إلى إلقاء ظلال من الشك على أداء المنظمة الدولية وإنما أثارت كذلك القلق والأسئلة بشأن السيادة والمحاسبة والعدالة.

مشكلة التركيبة

من هذا الاستعراض ينتقل المؤلف بنا إلى التساؤل حول ماهية الشروط التي تمثل خطوطا إرشادية لمجلس الأمن. ويكرر التأكيد على المشكلة المتعلقة بالتركيبة متسائلاً: لماذا لا تمنح دولة مثل الهند تعد مساهماتها في عمليات حفظ السلام الأكبر بين الدول مقعداً دائماً في مجلس الأمن؟ ويشير إلى أنه وسط احتفالات العالم بذكرى مرور ستين عاما على إنشاء المنظمة برزت العديد من الدعوات من اجل الإصلاح والتغيير، ووسط هذه المناقشات الساخنة فإن قضية إصلاح تركيبة المجلس نفسه من الغريب ألا تكون على رأس القضايا الأكثر إلحاحا.

ومن هذه النقطة والتي تمثل نقطة محورية قد تكون أساس إصلاح عمل المنظمة الدولية ككل وليس مجلس الأمن فقط يؤكد المؤلف على ضرورة إصلاح تركيبة المجلس وسلطاته وطريقة عمله، مضيفا أن النقطتين الأكثر سخونة إنما تتركزان حول قضية حق النقض الفيتو في مجلس الأمن وأحقية الأعضاء الخمسة الدائمين في استخدامه.

وعلى ذلك فإنه قد يكون من الجيد والمهم للعالم في الوقت الحالي أن يعيد النظر في هذه الهيكلية بعد مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء المنظمة خاصة في ضوء التحولات التي شهدتها المنظمة.. فاليابان وألمانيا اللتان كانتا تمثلان خصماً للتحالف الكبير منذ نحو نصف قرن مضى وما زال ميثاق المنظمة يشير في مادته رقم 53 إلى أنهما من الدول الأعداء، أصبحا الآن يحتلان المرتبتين الثانية والثالثة بين الدول المانحة والممولين لأنشطة المنظمة الدولية، ولديهما شعور بأن لهما الحق في التطلع إلى مقعد دائم لكل منهما في مجلس الأمن.

غير أن الشكوى الأكبر إنما تأتي في هذا الخصوص من قبل الدول النامية خاصة من الدول الكبرى بين هذه المجموعة على شاكلة الهند والبرازيل والمكسيك. وتنظر هذه الدول الى أن استمرار تمتع مجموعة الخمس بحق الفيتو على أنه إنما يعبر عن نوع من غياب الضوابط والقوانين خاصة في ضوء الوضع المتراجع لفرنسا وبريطانيا عما كانتا عليه في العام 1945 لدى إنشاء المنظمة.

لقد كان ذلك أقل إزعاجا أو تسببا في الإزعاج خلال فترة الحرب الباردة والتي تجمدت فيها مهام مجلس الأمن تقريبا. غير أنه مع انطلاق المجلس عام 1990 في تحديد العديد من القضايا الدولية فإنه لم يعد هناك مجال للتسامح في هذا الأمر، وخاصة إزاء ما يذكره المؤلف من أن كل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالتدخل أو عدم التدخل باستثناء البلقان إنما تتعلق باهتمامات هندية أو برازيلية.

اضاءة

جاءت أزمتا السويس والمجر في عام 1956 لتعكسا الحد الذي تمارسه القوى المهيمنة أو الكبرى صاحبة حق الفيتو في النظام الدولي فقد حاولت كل من بريطانيا وفرنسا عرقلة اتخاذ قرار أممي يدين موقفيهما بالمبادرة بالعدوان على مصر، وكذلك سعى الاتحاد السوفييتي للحيلولة دون اتخاذ قرار ضد قيامه بغزو المجر.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق