يستمد هذا الكتاب أهميته من تسليطه الضوء على موضوع في غاية الخطورة على القضية والشعب الفلسطينيين وهو الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية، حيث ينقل المؤلف لنا شهادات حية من سكان المنطقة وقصص المعاناة التي يكابدها الشعب الفلسطيني نتيجة بناء هذا الجدار.

مؤلف الكتاب هو الصحافي الفرنسي رونيه باكمان، الذي يعمل منذ ربع قرن على تغطية أحداث منطقة الشرق الأوسط لصالح مجلة «لو نوفيل أوبزرفاتور» الفرنسية، وقد اختار تأليف هذا الكتاب لاطلاع الرأي العام الغربي على حقيقة المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني من جراء بناء الجدار الذي يعتبره جداراً عنصرياً يفرض بالقوة حدوداً جديدة لإسرائيل تخدم أغراضاً استيطانية واستعمارية قبل أن تكون أمنية، وهو بذلك يساهم في كشف زيف الإدعاءات الإسرائيلية بهذا الخصوص. «هل لك أهل في إسرائيل؟». منذ حوالي خمسة وعشرين سنة يتم توجيه هذا السؤال لي في كل مرّة أصل فيها إلى مطار بن جوريون بتل أبيب. هكذا يبدأ المؤلف كتابه كي يشير إلى أنه يقدّم منذ حوالي خمسة وعشرين سنة أيضا الإجابة التالية: «كلاّ ليس لي أهل في إسرائيل». ويستأنف الحديث: ـ «لكن اسمك... ـ «اسمي شائع في منطقة شرق فرنسا. ـ «وهل لك أصدقاء في إسرائيل؟ ـ «نعم لي أصدقاء في إسرائيل».

ثم يؤكد المؤلف قوله باتجاه قارئه أن له أصدقاء أيضا في هذه «البلاد القادمة» ـ مستعيدا بذلك عنوان كتاب للكاتب الفلسطيني إلياس صنبر صدر عام 1996 باللغة الفرنسية تحت عنوان: «فلسطين: البلاد القادمة».ويستطرد المؤلف في السياق نفسه أنه بفضل هؤلاء الأصدقاء، وربما بفضل الأعداء، فهم شيئا فشيئا الكثير من الدلالات لأشياء كثيرة تزخر بها الحياة اليومية. لقد فهم أن السيارات التي تحمل لوحات صفراء، أي إسرائيلية، تستطيع التجول حيث تشاء، باستثناء بعض المناطق التي يحظّر دخولها إلا لسيارات الجيش ـ اللوحات السوداء ـ والشرطة ـ اللوحات الحمراء. أما اللوحات البيضاء أو الخضراء، أي الفلسطينية، فإنه من غير المسموح لها الدخول إلى إسرائيل ولا تستطيع التجول في الضفة الغربية إلا في المناطق التي كان سائقوها قد حصلوا مسبقا على رخص تسمح بذلك. وفهم المؤلف أيضا أن استخدام ـ أو رفض استخدام ـ بعض التعابير له دلالة على قناعات أصحابها. فمثلا يعني تعبير «الضفة الغربية» بالنسبة للجغرافيين المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن والمحتلّة منذ عام 1967 من قبل إسرائيل. وهذا التعبير هو «حيادي» سياسيا حيث كان قد ظهر في الوثائق الدولية ويستخدمه عادة الصحافيون والدبلوماسيون والمراقبون، وهو التعبير الذي يلجأ إليه الفلسطينيون غالبا، إذا لم يستخدموا تعبير «الأراضي الواقعة تحت الاحتلال». أمّا الإسرائيليون فإنهم لا يستخدمون في أحاديثهم تعبير «الضفة الغربية» سوى نادرا، حيث يؤكد استخدامهم له تمسّكهم بالجغرافيا، بل وأحيانا انتقادهم «ضمنا» للاحتلال. وما يثير الدهشة هو شيوع استخدام تعبير «الأراضي» فقط، والمقصود بذلك معروف. لكن بالمقابل من الواضح جدا اللجوء إلى المرجعية التوراتية والحديث عن «يهودا والسامرة» للدلالة على الضفة الغربية، وهذا تعبير موجود في الوثائق الرسمية للحكومة الإسرائيلية وفي قاموس المستوطنين الإسرائيليين ولدى أنصارهم أيضا.

إن تعبير «المستوطنون والمستوطنات» يثير النقاش أيضا، فهو تعبير لا يمكن أن يتلفّظ به المعنيون أو أنصارهم. فالإسرائيليون الذين يعيشون في الضفة الغربية يعتبرون أنهم في «أماكن يهودية من يهودا والسامرة». أما أولئك منهم المقيمون في مستعمرات موجودة على تخوم مدينة القدس والمبنية شرق خط هدنة 1967، أي الموجودة جغرافيا في الضفة الغربية، فإنهم يعتبرون أنفسهم يعيشون في «الأحياء اليهودية» من القدس. بكل الحالات يشير تعبير «المستعمرات» المستخدم باللغة الفرنسية، إلى أن الذين يقولونه يعارضون الوجود المدني والعسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية. وتعبير «الإدارة المدنية» الذي يبدو بريئا، فإنه ليس كذلك في الواقع، إذ «ما هي الإدارة المدنية؟»، يتساءل المؤلف. ويجيب: «إنها الفرع من الجيش المكلّف بالعلاقات مع أهالي الأراضي المحتلّة». فهو الذي يمنح ـ بل يرفض في أغلبية الحالات ـ إجازات التجول للفلسطينيين. ويؤكد المؤلف القول: «من الصعب إيجاد إدارة أقل مدنية من هؤلاء العسكريين الذين تكمن مهمتهم في فرض قواعد جيش الاحتلال على المدنيين».

«والجدار؟ هل نقول بداية هو جدار أم حاجز؟» يتساءل المؤلف أيضا ويجيب «الاثنان معا». وليؤكد مباشرة أنه في أغلبية مساره «حاجز». وهو قليل الارتفاع نسبيا إذ يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار لكنه عريض جدا إذ يصل عرضه إلى ما بين 50 و100 متر. وعليه أسلاك شائكة من الجانبين مع حفرة لمنع مرور العربات، وطريق للدوريات على الأقل، والحاجز خاضع للرقابة المستمرة بواسطة آلات تصوير يمكن تشغيلها من بعيد إلى جانب منظومات أخرى للكشف الإلكتروني. وعلى مسافة عدة عشرات الكيلومترات تتم الاستعاضة عن الحاجز العازل بجدار من الإسمنت تبلغ سماكته 40 سنتمترا وعلوه سبعة إلى تسعة أمتار. وبكل الحالات الجيش الإسرائيلي هو الذي يقرر كيفية البناء.

العسكريون ومسؤولو الأمن الإسرائيليون يستخدمون في الوثائق الرسمية تسمية «حاجز أمني»، ويرى به الفلسطينيون «جدارا لضم أراضيهم». والمنظمات الإسرائيلية المناهضة لبنائه تستخدم تعبير «الحاجز الفاصل» بينما وصفته عدة منظمات فلسطينية ب«جدار التمييز العنصري». أما المحكمة الجنائية الدولية فقد استخدمت في «رأيها الاستشاري» عام 2004 تعبير «جدار» بالنسبة للعمل كله.

«لكن لماذا تكريس كتاب لهذا العمل؟» يتساءل المؤلف ويجيب: «لأنني اعتقدت مثل العديد من أصدقائي الإسرائيليين والفلسطينيين، إن السلام سيحل لحظة توقيع اتفاقيات أوسلو وكنت شاهدا معهم على غرق مسيرة السلام هذه. ولأنني لا أستطيع أن أصدّق أن ما رآه العالم كله بفرح ينهار في برلين يمكن أن يكون حلا، غدا، في القدس».

أمر عسكري

ذات صباح من صيف 2002 استيقظ أهالي قرى الشيّاح والعيزرية وراس العامود الفلسطينية الموجودة جنوب جبل الزيتون ليجدوا أن أوراقا مكتوبة باللغة العبرية قد جرى توزيعها على العرب. كان مضمون تلك الأوراق الممهورة بخاتم الجيش الإسرائيلي يخص أمرا عسكريا لإبلاغ المعنيين أنه ستتم مصادرة بعض أراضيهم من قبل الجيش من أجل بناء جدار.

وقد تمّ تحديد الأجزاء المطلوب مصادرتها مع تدقيق القول إن أولئك الذين يريدون الاعتراض عليهم الإبلاغ عن ذلك خلال مدة أسبوع اعتبارا من تاريخ إعلان القرار. يقول المؤلف: «إن الزمن المطلوب لترجمة النص إلى اللغة العربية والحصول على الوثائق من سجلاّت البلدية وتحديد الأجزاء المصادرة وإعادة ترسيم الخط الذي سيتبعه الجدار القادم، يعني أن فترة الأسبوع قد انتهت». وتدل الشهادات التي يسوقها المؤلف لعدد من الفلسطينيين أن الحصول على محام يقبل الدفاع عنهم أمام محكمة إسرائيلية وتحضير الأدلّة وترجمتها إلى اللغة العبرية، كان يتطلب أسبوعا آخر على الأقل. هذا في حالة التمكن من تأمين المبالغ المالية المطلوبة لذلك.

لم يستطع الأهالي تقديم أية اعتراضات، وبتاريخ 14 أغسطس 2002 بدأت الجرّافات التابعة للجيش الإسرائيلي، تحت حماية عدد من الجنود، بتهديم العوائق من أجل شق طريق أمام الشاحنات للوصول إلى مكان الورشة ومن أجل رسم الخط الذي سيقام عليه الجدار.

كان الجيش الإسرائيلي قد أقام منذ شهر مارس 1993، أي قبل ستة أشهر من توقيع اتفاقية أوسلو في حديقة البيت الأبيض، منظومة للإحاطة والرقابة في الضفة الغربية وقطاع غزّة من أجل تنظيم ـ أي ما يعني تقليص ـ تحركات الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وكذلك مراقبة «دخولهم» إلى إسرائيل، وتمثّلت تلك المنظومة في إقامة عدد كبير من نقاط المراقبة والحواجز العسكرية. بنفس الوقت جرى منعهم من الدخول إلى القدس إذا لم يكونوا قد حصلوا على الإذن الخاص الممنوح من الإدارة المدنية، أي من الجيش. وكان من الصعب جدا الحصول على ذلك الإذن، كما كان يمكن النكوص عنه وإلغاؤه عند وقوع أدنى حادث.

ومع انطلاقة الانتفاضة الثانية في شهر سبتمبر 2000 زادت الرقابة العسكرية والبوليسية الإسرائيلية وأُقيمت الخنادق والسدود الأرضية وكتل الإسمنت على الطرق. وهذا كله من أجل إحكام السيطرة على نقاط المراقبة. وقد عانى سكان الأحياء والقرى الفلسطينية المتاخمة للقدس مثل الرام والشيخ سعد وراس العامود وابوديس والعيزرية من تلك الإجراءات أكثر من غيرهم.

ذلك أن العديدين منهم كانوا يعيشون بصورة «غير قانونية» حسب «القواعد التي فرضها المحتل». وكانت السلطات الإسرائيلية قد منعت على فلسطينيي الضفة الغربية، من الذين يحملون بطاقة هوية برتقالية أو خضراء، البقاء في القدس ما بين الساعة السابعة مساء حتى الخامسة صباحا تحت طائلة السجن ودفع غرامة، حتى ولو كانوا يمتلكون الإذن بالدخول إليها.

أمّا بالنسبة لفلسطينيي القدس الشرقية من أصحاب بطاقة الهوية الزرقاء الخاصة ب«المقيمين الدائمين»، فإنه ممنوع عليهم العيش خارج المدينة لمدة تزيد على سبع سنوات. والمخالفون الذين يقعون بقبضة الشرطة الإسرائيليين يخسرون حقّهم بالإقامة وبالتالي السماح بالعمل في إسرائيل والاستفادة من الضمان الاجتماعي ومن لوحة السيارة الصفراء، التي يستخدمها الإسرائيليون أيضا. لكن العديد من سكان مدينة القدس اضطروا لمغادرتها بسبب غلاء المعيشة للإقامة في القرى والأحياء المجاورة، مع الاحتفاظ أحيانا بعنوان «وهمي» في القدس.

ضربة فأس

بالنسبة لضواحي القدس الشرقية لم يكن هناك ما يبيّن ترسيم الحدود حتى تشييد الجدار، ولم يكن أحد يعرف أين تبدأ تماما وأين تنتهي ابوديس أو راس العامود أو العيزرية. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه في مطلع عام 2005 كان هناك حوالي 000 55 فلسطيني من أصل 000 215 من سكان القدس الشرقية يسكنون في الواقع خارج حدود المدينة. وإن 75 بالمائة من بعض القرى القريبة من العيزرية كانوا يملكون بطاقات هوية تشير إلى أنهم من قاطني القدس الشرقية ومنذ سنوات طويلة. ويستخرج المؤلف من هذا كله أن «إقامة جدار هنا تعادل تمزيق الأسر وتقطيع الروابط الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تمّ نسجها منذ عقود بضربة فأس».

ثم وذات صباح من شهر يناير 2004 استفاق أبناء حي في شمال العيزرية ليجدوا أنهم في حالة حصار كاملة. لقد اعتبر الجيش أنها «منطقة عسكرية محظورة» لا يحق لأية عربة الدخول إليها أو الخروج منها حتى حافلات طلبة المدارس. بنفس الوقت قامت جرّافات وشاحنات كبيرة تابعة لشركة خاصة للأشغال العامة، وتحت حراسة جنود إسرائيليين، بوضع يدها على المكان. كما ظلّت الورشة تحت الحراسة ليل نهار.

وبدلا من «الجدار المؤقت» الذي كان قد انهار عمليا، أُقيم حاجز من الاسمنت ارتفاعه تسعة أمتار ومؤلّف من ألواح عرضها 40,1 متر وسماكتها 40 سنتيمترا، كان قد جرى رصفها واحدا فوق الآخر، هكذا قام فجأة جدار بين الجيران حتى الأمس. وبالتالي لم تعد هناك إمكانية ل«الانزلاق» بين لوحين اسمنتيين تباعدا من أجل الذهاب إلى العمل، أو للتسلق على سلم صغير من أجل «تمرير» طبق من الحلوى ـ الكنافة ـ أو سلّة من الفراولة ، وذلك من فوق ألواح الاسمنت القديمة.

هكذا إذن وبين ليلة وضحاها، وبما يشبه ضربة عصا سحرية قاسية لم يعد هناك وجود للطرف الآخر للشارع وللجيران وللحوانيت وللأفق وللشمس المشرقة. هذا كله اختفى وراء جدار، بقي لمدة شهور ممرا صغيرا مفتوحا تحت رقابة شرطة الحدود. لكن الاسمنت اجتاح ذلك الممر، وبالتالي كان ينبغي قطع 15 كيلومتراً للوصول بالسيارة إلى المدرسة، وإمضاء 40 دقيقة في الطريق إليها، والمرور بنقطة مراقبة على الأقل.

بينما لا تبعد المدرسة المقصودة سوى 300 متر من نقطة الانطلاق، إنما في الطرف الآخر من الجدار. وينقل المؤلف عن مديرة مدرسة فلسطينية خاصة في «ابوديس» أن 77 طالبا من أصل 200 تركوا المدرسة خلال سنة واحدة، وأنه كان في مدرستها 34 تلميذا في السنة السادسة قبل بناء السور، ولم يبق منهم بعدها سوى 8 تلاميذ. وإذا كانت تؤكد أنها لن تغلق أبدا هذا القسم فإنها تشير إلى معاناتها المادية الخانقة.

كذلك ينقل المؤلف عن هذه المدرّسة كيف أن الجدار العازل قد مزّق حياة أسرتها الصغيرة فزوجها الذي يحمل بطاقة الهوية البرتقالية الخاصة بأهالي الضفة الغربية لا تحق له الإقامة في القدس. ولذلك لم يعد بالإمكان الاستمرار في لعبة التخفّي، الخطرة أصلا، التي كان زوجها يلعبها مع رجال الجيش والشرطة الإسرائيليين قبل بناء الجدار للذهاب بين ابوديس حيث يعمل وراس العامود.

هذه اللعبة لم تعد ممكنة منذ أن أصبحت هناك نقطة مرور واحدة ومراقبة بشدة بعد بنائه. وكان الزوج قد طلب ثلاث مرات قبل بناء الجدار المؤقت السابق من السلطات الإسرائيلية الإذن له بالإقامة الدائمة كي يلتئم شمل الأسرة، وثلاث مرات قوبل الطلب بالرفض ولأسباب أمنية».

وأخيرا حصل الزوج على السماح له بالإقامة في القدس ما بين الساعة الخامسة مساء وحتى السابعة مساء «لأسباب مهنية». بالتالي كان نومه في منزل الأسرة بالقدس عملا «مخالفا للقانون الإسرائيلي».

وكان يكفي أن «يطل» عناصر شرطة الحدود على المنزل ليلا «وهذا ما كان مألوفا في سلوكهم» كي يتم اعتقاله وسجنه لمدة ثلاثة أشهر على الأقل بالإضافة إلى دفع غرامة. أمّا الزوجة نفسها فيتم اعتبارها أنها قد آوت فلسطينيا من الضفة الغربية لا يحق له أن يكون في القدس بعد الساعة السابعة مساءً - لا يهم أنه زوجها- وبالتالي تعرّض نفسها لعقوبة السجن ولدفع غرامة أيضا، والأمر نفسه إذا أقلّته بسيارتها.

ويشير مؤلف الكتاب إلى أن القواعد الإسرائيلية المطبّقة تمنع على من يحمل بطاقة هوية زرقاء خاصة بالمقيمين في القدس الشرقية أن يقلّ بسيارته فلسطينيا من الضفة الغربية حتى لو كانوا ينتمون إلى نفس العائلة، وحتى إذا كان الأمر يتعلق بزوج وزوجة. والعقوبات المترتبة على مثل هذه المخالفة هي مصادرة السيارة وسحب رخصة القيادة وغرامة 1000 دولار على الأقل والسجن لمدة قد تصل إلى ستة أشهر.

لقد رفضت تلك المدرّسة «الحل» المتمثل في أن تتخلّى هي وابنتاها عن بطاقات الهوية الخاصة بالإقامة في القدس الشرقية والذهاب للإقامة مع الأب والزوج في أبوديس. لقد رفضت ذلك «الحل» لأنه يعني بكل بساطة «الوقوع في الفخ الذي نصبه الإسرائيليون الذين يكثرون من وضع العقبات في الحياة اليومية للفلسطينيين من أجل دفعهم لمغادرة القدس الشرقية». هكذا أصبحت الابنتان -13 سنة و8 سنوات- تمضيان ثلاثة أيام عند الأم في القدس وثلاثة أيام عند الأب في ابوديس. هذه هي الحياة التي فرضها بناء الجدار العازل على هذه الأسرة الصغيرة.

لكن هل يفصل الجدار بين الفلسطينيين والإسرائيليين في جميع الحالات؟ كلاّ. إنه يفصل في كثير من الحالات بين فلسطينيين وفلسطينيين آخرين، كما في جدار القدس. وباستثناء الجنود يقتصر وجود الإسرائيليين أحيانا على بعض المستوطنين الذي احتلّوا على محاذاة الجدار في القدس، بالقرب من فندق كليف، الذي جعلته شرطة الحدود مقرّا لها، بيوتا فلسطينية قديمة ورفعوا عليها العلم الإسرائيلي وأطلقوا عليها تسمية مستوطنة «كدمات صهيون». ويحظى هؤلاء المستوطنون بالحماية الكاملة من الشرطة الإسرائيلية.

ستار اسمنتي

يذكر المؤلف العديد من الأمثلة التي تصب كلها في إطار التأكيد على عمق المأساة الإنسانية التي خلقها بناء الجدار الفاصل بالنسبة للفلسطينيين. ولم يتردد أحد الشهود والذي يقع منزله على بعد أمتار فقط من «الستار الاسمنتي» في القول أنه، أي الجدار، قد «غيّر حتى لون الضوء» أنه أصبح يذهب كل صباح إلى فندق يمتلكه صديق له كي يتحدث مع السائحين الأجانب ويروي لهم الحالة التي أصبح الفلسطينيون يعيشون فيها بعد بناء الجدار، بل ويدعوهم كي يذهبوا هم أنفسهم لرؤيته على أرض الواقع ولكي يروا ما يشاهدونه عندما يعودون إلى بلادهم.

وعلى إحدى الهضاب القريبة من مدينة القدس يوجد دير لراهبات إيطاليات وفلسطينيات ولبنانيات حيث يشرفن على تربية وتعليم صبيان تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثالثة عشرة. وقد جاء بناء الجدار ليسد الأفق المفتوح ـ سابقا ـ على الوادي ويحرم الأطفال من أماكن لعبهم ونزهاتهم. وينقل المؤلف عن إحدى تلك الراهبات قولها: «انتهى كل شيء مع الجدار. ولم يتردد الإسرائيليون في ردم جزء كبير من الوادي وأن يخرّبوا الحدائق ويقتلعوا الأشجار من أجل بناء هذا الجدار».

وليس ببعيد عن ذلك المكان يقوم دير «سيدة الآلام» حيث يوجد 45 مقيما من المسلمين والمسيحيين الطاعنين في السن، ومن بينهم 20 من القدس الشرقية الذين تستطيع عائلاتهم زيارتهم متى تشاء. لكن الأمر مختلف بالنسبة ل25 الآخرين الذين هم من الضفة الغربية وحيث تعيش عائلاتهم. إن كل شيء قد تغيّر بالنسبة لهؤلاء بعد بناء الجدار، إذ ينبغي على سكان الضفة الغربية الحصول على إذن مسبق من السلطات الإسرائيلية لدخول القدس.

ولم تعد هناك طرق صغيرة كان يمكن العبور من خلالها سابقا ونقاط المرور الست أصبحت تخضع لإجراءات مراقبة صارمة. هذا يعني أن عددا من المقيمين بالدير المذكور من أبناء الضفة الغربية قد يمضون شهورا عديدة دون أن يروا واحدا من ذويهم، هذا فضلا عن أنهم هم أنفسهم مقيمون «بصورة غير شرعية» في القدس حسب القواعد المفروضة من قبل قوات الاحتلال.

شهادة طبيب

ينقل المؤلف أيضا شهادة طبيب فلسطيني في الخمسين من عمره وكان قد فتح عيادته في نفس المكان منذ سنوات شبابه، وجاء فيما قاله: «لا يوجد في ابوديس ولا في العيزرية ولا في القرى المجاورة حيث يعيش حوالي 000 75 شخص أي مستوصف للتوليد ولا غرفة عمليات جراحية حقيقية ولا جهاز سكانر للتصوير الشعاعي ولا قسما مختصا بأمراض القلب.

وقبل بناء الجدار، كنّا عندما نجد أنفسنا أمام حالة مرضية صعبة نتصل مباشرة لطلب سيارة إسعاف بحيث يكون المريض بعد 15 دقيقة على أكثر تقدير في مستشفى المقاصد أو مستشفى اوغستا فكتوريا (المطلع)، أي المستشفيين الفلسطينيين الكبيرين في القدس الشرقية.

وفي مستشفى اوغستا فكتوريا هذا، هناك سبعة من أصل كل عشرة عاملين يقيمون في الضفة الغربية وبالتالي عليهم أن يحصلوا كل ثلاثة أشهر على الإذن من الجيش الإسرائيلي لدخول القدس الشرقية. وقد تتم الموافقة لهم على ذلك أو لا يحصلون عليها. وقد خسر هذا المستشفى 30 بالمئة من مرضاه وقد تحرمه الإدارة من 60 سريرا من أصل ال150 سريرا التي يحتويها.

أما مستشفى المقاصد فقد تضاءل عدد أسرّته من 250 إلى 150 سريرا - وهذه الأرقام أكدتها وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة في شهر فبراير 2006، كما يشير المؤلف. هذا يعني ضرورة طلب سيارة الإسعاف من بيت لحم أو من رام الله والذهاب إلى مستشفى رام الله، أي الاتصال بالسلطات الإسرائيلية والحصول على الاذونات الضرورية لاجتياز نقاط المراقبة ونقل المريض عبر الطرق الوعرة التي تحيط بالقدس. وهذا قد يتطلب 35 دقيقة أو ثلاث ساعات، خاصة أثناء الليل. ولا شك أن هذا الزمن الضائع قد يكون حاسما بالنسبة لشخص يعاني من نزيف دماغي أو من أزمة قلبية. وهل تعتقدون أن الإسرائيليين قد فكروا بذلك؟».

إن مؤلف هذا الكتاب يسوق الكثير من الشهادات من هذا النوع، ويؤكد قبل هذا كله أنه يمكن للمرء أن ينتقل خلال ساعتين فقط بين القدس وأية مدينة في الضفة الغربية. أي أنه يستطيع الانتقال بين جانبي الجدار والاستماع إلى الطرفين، ثم المقارنة بين ما يقال وبين الحقائق على أرض الواقع.

وأن يقوم بعملية «غربلة» لا بد منها بين الأكاذيب والدعايات وبين أساطير خطاب متحيز والوقائع حيال حاجز وجدار شرعت إسرائيل ببنائه اعتبارا من عام 2002 وأعلنت على نيتها استكماله نهائيا هذا العام 2007 على طول يزيد عن 650 كيلومترا، وذلك ل«دواع أمنية» كما تقول. لكنه يكرس في الواقع حدودا جديدة مفروضة بالقوة إذ لا يستطيع الفلسطينيون أن يروا به سوى «حاجز عازل» ينتزع منهم قسما كبيرا من أراضيهم.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف