رغم التفاؤل الذي ساد لدى الكثيرين بشأن طبيعة دور الأمم المتحدة في أعقاب ما بدا من تحول خلال أزمتي السويس والكونغو، إلا أن المؤلف يشير إلى أن الأمور لم تسر على هذه الوتيرة فيما بعد بسبب طبيعة الأزمات التي وقعت والتي كانت الدول الكبرى أطرافا فيها، فمن ناحية لم يكن هناك دور أو تدخل من قبل الأمم المتحدة في الأزمة الجزائرية نظرا لكون فرنسا طرفا فيها.

كما انه لم يكن هناك دور للمجتمع الدولي في حرب فيتنام بسبب الحساسيات الأميركية من أي تدخل. كما لم يكن هناك تدخل دولي فاعل من قبل الأمم المتحدة في كمبوديا بسبب دور الصين. ومع حلول السبعينيات فإن تركيبة المنظمة تغيرت إلى حد كبير حيث انضم لها عدد كبير من الأعضاء ممن كانوا خاضعين للاستعمار وحصلوا على استقلالهم،

وأصبحت المنظمة الدولية تتألف بشكل أساسي من الأفارقة والآسيويين والأميركيين اللاتينيين وهو ما أكسب الجمعية العامة قوة كبيرة يمكن القول أنها وازنت إلى حد كبير تلك التي تتمتع بها الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن. وفي إطار استعراضه للقضايا الدولية وموقف مجلس الأمن منها ومدى نجاح ذراع المجلس ممثلة في قوات حفظ السلام، يتطرق كيندي إلى تعقيدات الصراع العربي ـ الإسرائيلي

مشيرا إلى أنه يتعلق في جانب كبير منه بأبعاد أيديولوجية وعرقية ودينية لا تقبل التفاوض، وهو ما ألقى بتأثيره على تعثر جهود المنظمة الدولية في هذا الصدد، وعلى هذا الأساس يرجع نجاح المنظمة في الحدود التي لعبت فيها دورا إلى عوامل أخرى. ففي حديثه عن نجاح مهمة القوات الدولية التي تشكلت عقب حرب 1973

وكذا تلك التي تم تشكيلها بناء على اتفاقيات كامب ديفيد يوضح أن ذلك إنما تم بفعل مساندة الولايات المتحدة لهذه المهمة فضلا عن أنها كانت تعكس رغبة من قبل الأطراف المشتركة في التوصل إلى تسوية. وليس أدل على صحة مثل هذه الفرضية من تعثر مهمة إرساء السلام على الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان وسوريا.

اليونيفيل في لبنان

لقد أدت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ـ اليونيفيل ـ دورها كما يجب ولكنها لم تستطع أن تفعل سوى القليل على خلفية رفض المقاتلين الفلسطينيين وقف عمليات المقاومة، وهنا يبدو المؤلف وكأنه يلقي باللوم على الفلسطينيين وإن كان يحاول أن يوازن موقفه بالإشارة إلى الأعمال الإسرائيلية الإنتقامية بما في ذلك اجتياح الجنوب موضحا أن هذه العمليات لم تكن فعالة في وقف المقاومة.

إن القوات الدولية غير المحظوظة تعرضت لمواقف بالغة السوء حيث اختطف بعض أفرادها كما تعرضت للقصف من قبل الأطراف المختلفة، وهو ما كان من الطبيعي معه ألا تنجح مهمتها. وفيما يمثل محاولة لتعزيز رؤيته بأن الموقف على الجبهة السورية اللبنانية لم يكن ناضجا للتسوية على عكس الموقف على الجبهة المصرية مع إسرائيل يتعرض بول كيندي لتجربة القوة متعددة الجنسيات والتي انتهى وضعها إلى حالة مأساوية

حيث لم تفلح في وقف المجازر ضد الفلسطينيين كما تعرضت هي لأعمال عدوانية انتهت إلى سحبها. وفي هذا الخصوص يقرر بول كيندي أن الأمور لم تسر على نحو أفضل خلال عام 1982 حين قررت القوى الغربية التدخل في الصراع العربي ـ الإسرائيلي من خلال إرسال قوة متعددة الجنسيات إلى بيروت وجنوب لبنان.

في البداية كان الوعد بإرسال قوات من ثلاث دول كبرى هي الولايات المتحدة، وفرنسا وإيطاليا للعمل كقوة فصل ولمراقبة مغادرة قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت الغربية ومع ذلك فإنه بمجرد أن أكملت قوات منظمة التحرير انسحابها انفجر الموقف مرة ثانية حيث تم اغتيال الرئيس بشير الجميل،

وهنا تقدم الجيش الإسرائيلي بشكل غير شرعي عبر الحدود الشمالية وارتكبت الميلشيات المسيحية مذبحة صبرا وشاتيلا في المخيمات الفلسطينية، ومع اختلاط الأوراق أصبحت القوات متعددة الجنسيات عرضة للهجمات ما أدى إلى سحبها فيما بعد.

رؤية تقييمية

بعد هذه الرحلة الطويلة مع أداء المنظمة الدولية على مدى أكثر من ستة عقود يحاول المؤلف تقديم رؤية ختامية لموضوعه محورها الأساسي السؤال التالي: أين نجحت الأمم المتحدة وأين أخفقت؟ وفي محاولته للتقييم يبدأ كيندي بالعودة إلى الوراء مشيرا إلى أن دراسته بدأت بمقولة الشاعر تنيسون بشأن مستقبل الإنسان وما بدا عليه من تفاؤل بشان هذا المستقبل،

وفيما يبدو تحفظا على هذه الرؤية يتساءل المؤلف: هل لم يفهم تنيسون تأثير تطور وسائل التكنولوجيا الجديدة والحروب العالمية بالغة السوء التي لم تؤد إلى سلام عالمي ولكن إلى نتيجة معاكسة من عدم الثقة وسباق التسلح وعمليات الإبادة البشرية؟ أم أن أفكاره التنويريه تجاهلت حقيقة أن الكثيرين من الجنس البشري، لديهم غريزة كراهية النظام العالمي وتفضيل السيطرة الوطنية أو القومية على سياساتهم، حتى لو قادتهم هذه السياسات إلى الحرب وحمامات الدم والفوضى؟

إن كيندي يرجع تلك الرؤية إلى أن الشاعر تنيسون كان شابا متحمسا كعادة الشباب، وهنا يقدم لنا مفارقة مفادها أن تنيسون كتب فيما بعد وبالتحديد في عام 1886 أي بعد نحو نصف قرن من تقديم رأيه ذاك شعرا اتسم برؤية متشائمة تعبر عن عدم الثقة في اتجاهات الحياة الحديثة.

وفي رأي تنيسون فإن كل الأشياء ذهبت في غير مسارها الصحيح، فأوروبا دخلت منتصف القرن في حرب بالقرم وإيطاليا وألمانيا، كما أن النهضة الاقتصادية تراجعت إلى كساد كبير في أعوام 1873- 1896. وعلى هذا الأساس انتهى حلم البرلمان العالمي. إن فيدرالية العالم بدت مستحيلة، كما أن التقدم بدا صعبا وأصبح يدخل في إطار اليوتوبيا أو الأفكار المثالية، وعلى هذا الأساس كان يمكن للمرء أن ينسى أي مستقبل للأمم المتحدة.

ورغم هذه الرؤية المتشائمة يشير كيندي إلى أن الأمور كان يمكن أن يتم النظر إليها من زاوية أخرى وهو ما فعله على ما يذكر وليم غلادستون الذي تولى رئاسة الوزارة في بريطانيا أربع مرات خلال القرن التاسع عشر، وقد كان صديقا لتنيسون في الدراسة وفي نفس عمره، حيث قدم رؤية مختلفة للعالم آنذاك ملخصها أن العالم يتقدم إلى الأمام غير أنه يجب أن نعترف بأنه مع كل خطوتين إلى الأمام يحدث تراجع خطوة واحدة إلى الخلف وهو ما يعني في المحصلة النهائية أن هناك تقدما.

على خلفية هذا السجال يشير المؤلف إلى أن الأمر نفسه ينطبق على ما يجري في عالمنا في الوقت الراهن، وأن الطرح نفسه ينطبق على الاحتفال بالذكرى الستين لإنشاء المنظمة الدولية. فمن السهل تماما في هذه الأيام الإشارة إلى إخفاق المنظمة الدولية أو ذكر مظاهر عديدة للإخفاق وإلى الفجوة المرعبة بين الميثاق أو لغة الميثاق والحقائق القاسية المرعبة بشأن طبيعة عالمنا المعاصر، وكذا الفشل في حماية الضعفاء في المجتمع الدولي المعاصر، وتزايد الهوة بين الأغنياء والفقراء.

ويقرر المؤلف أن الكثير من جوانب الفشل تلك والتي تم استعراضها في مادة الكتاب يتم تناولها في وسائل الإعلام اليومية خاصة من قبل هؤلاء الذين لا يحبون المنظمة الدولية ويتمنون تقويض دورها. ويرى كيندي أن الأخطاء التي شابت أداء المنظمة سواء تلك التي تتعلق بحفظ السلام أم الإدارة المالية السيئة

أو البيروقراطية تمثل أهدافا سهلة للمجموعات التي أصبحت تخاف من تطور المجتمع العالمي تجاه الليبرالية والعولمة. وعلى هذا توجد انتقادات من أقصى اليسار والذي يرى ممثليه أن الأمم المتحدة تعد جزءا من كيان أو هيئة تستخدم امتيازاته من اجل منح امتيازات لفئة من الناس أو المجتمعات على حساب فئة أخرى.

غير أن المؤلف وفيما يمثل محاولة للوصول إلى نهاية النفق المظلم الذي يمكن للمرء أن يجد نفسه فيه حال الخضوع لهذا التعاطي مع مسيرة المنظمة الدولية يقرر في تبنيه لرؤية وسطية أنه إذا كانت المنظمة تواجه هجوما من قبل المحافظين وكذلك من قبل الاشتراكيين أو اليساريين فإن ذلك يشير إلى أنها تقوم بالتأكيد بشيء جيد ونافع.

رؤية وسطية

ابتعاداً عن رؤية تنيسون بالغة التفاؤل والتي انقلبت إلى المبالغة في التشاؤم، يعتمد بول كيندي رؤية غلادستون المعتدلة في النظر إلى الأمر قائلا إنه في تقييم مسيرة الأمم المتحدة يجب علينا أن نركز على جانبين: الأول يتعلق بما تم إنجازه على يد المنظمة الدولية والمنظمات الدولية الأخرى منذ عام 1945. والثاني يتمثل فيما يمكن أن يتم تحقيقه في المستقبل إذا ما تواصل التصميم على وجود المنظمة.

يؤكد المؤلف على أنه لا يوجد سبب يدعونا إلى اليأس من مستقبل التنظيم الدولي. فالقضية الأساسية، حسبما يرى المؤلف، هي هل ستعترف الدول الأعضاء بأنها تحصل على أكثر مما تخسره من خلال تفويض الأمم المتحدة القيام بمهام لا يمكن للأعضاء منفردين القيام بها؟

في معرض إجابته على هذا التساؤل، يشير إلى أن الكثير قد تحقق على يد المنظمة الدولية غير أنه كان يمكن القيام به على نحو أفضل. ولا يحتاج المرء إلا إلى النظر إلى مهام الأمم المتحدة لحفظ السلام في عقد التسعينيات، مع ما تحقق من نجاحات وما وقع من عثرات، لكي يقر بأن النتائج لم تكن واضحة تمام الوضوح.

وبشكل عام فإنه يمكن القول أن أعظم الإنجازات إنما تركز في التقدم الذي تم تحقيقه على صعيد قضايا حقوق الإنسان، وتحسين وضع المرأة والطفل، وزيادة التعاون بشأن قضايا البيئة والدفع نحو المجتمع المدني، على الرغم من أنه في كل المناطق السابقة توجد تراجعات

فضلا عن أن التقدم لم يكن على النحو الذي كان يتمناه المدافعون عن الأمم المتحدة، وإن كان يشير إلى أن أداء مجلس الأمن رغم التغيرات التي لحقت بالعالم لم يختلف كثيرا، فما زالت إرادته رهينة لدى الخمسة الكبار على النحو الذي كان عليه الأمر في بداية نشأة المنظمة.

ويقول كيندي إن تقدير مساهمة المنظمة الدولية في تقدم الاقتصاد العالمي والقضاء على انتشار الفقر في النهاية كان على الدوام المهمة الأصعب أمام المنظمة الدولية، نظرا إلى أن الأمر معقد في مثل هذه الحالات، وذلك مقارنة بجهود القضاء على أمراض معينة من قبل الوكالات الدولية، حيث تتدخل في تحديدها العديد من العوامل التي تتعلق بأوضاع المناطق الإقليمية ومدى مساهمة العوامل الداخلية في هذا الأمر.

ومع ذلك يقرر المؤلف أن أوضاع الجنس البشري كان من الممكن أن تكون أكثر سوءاً مما هي عليه اليوم لو لم يكن هناك تنظيم دولي. فرغم ما يثيره البعض بشأن ضعف القدرة على القيام بأعمال جماعية في مواجهة الأزمات، وغير ذلك فإن هناك بروزاً واضحاً لما

ذهب إليه من وجود ما وصفه بالرأي العالمي والذي يضغط لجهة الردود الجماعية على المشاكل الدولية ويؤمن باستخدام الأدوات الدولية سواء من أجل تحقيق السلام في البوسنة أو من أجل تنسيق المساعدات للأقطار المتأثرة بالكوارث الطبيعية مثل كارثة تسونامي في أواخر ديسمبر 2004.

بين الوجود والعدم

يشير المؤلف إلى أن البعض وصل في تشكيكه في دور المنظمة الدولية إلى حد الإيحاء بأن وجودها مثل عدمه. وعلى هذا يتساءل: هل توفر الأوضاع الدولية فرصة للإشارة إلى أنه لا يوجد تنظيم دولي من الأصل؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يجب علينا أن نقيمه؟

يبدو واضحا هنا أن المؤلف من أنصار الرؤية التي تذهب إلى حيوية الدور الذي لعبته الأمم المتحدة على مدى سنوات عمرها الستين ولذلك نجده يعمل على تعزيز الأطروحات التي تؤكد هذا الرأي ويعرضها بالتفصيل حيث يشير إلى أنه بفعل الأمم المتحدة ومنظماتها التي تم إنشاؤها،

فقد تم توفير مكان مركزي حيث يمكن للحكومات من كل الأمم أن تجتمع فيه سواء كانت ضعيفة أم قوية ويكون لها تمثيل في الجمعية العامة، من اجل بحث القضايا الدولية واتخاذ مواقف بشأنها. وبالتالي أصبحت الأمم المتحدة مدينة تمثل مكانا للقاء العالم..

ويقول كيندي: لدينا أمانة عالمية تنسق احتياجات ومطالب كل الدول الأعضاء.. إننا ننتقدها في اغلب الأحوال وعلى الرغم من ذلك فإنها تمثل بالنسبة لنا ضمانة حقيقية . كما أننا لدينا هيئة دولية أو جسد أمن دولي تم اختياره ذاتيا ومركزيا يمكن دعوته إلى الانعقاد ليلا أو نهارا من أجل بحث حدث طارئ يمكن أن يشكل تهديدا للنظام الدولي.

إنه قوي أو ضعيف بالمقدار الذي يريده له الأعضاء الدائمون في المجلس، وعلى الأقل فإن القوى العظمى تعمل من خلاله، وفي أفضل الأحوال فإنهم يستطيعون عمل أشياء عظيمة، من بينها التنسيق والاستجابة للأزمات الدولية عندما تتصارع الدول أو تنهار. كما بدأنا في العمل بجد على مسألة إعادة بناء الدولة، كما أننا لدينا أدوات تمويل قوية من أجل القيام بمثل هذه العملية يمكنها أن تواجه الأزمات الاقتصادية في دولة من الأعضاء

وأن تحد من إمكانية تأثير مثل هذه الأزمة على الدول الأخرى المجاورة. إن شيئا مثل هذا لم يكن موجودا فيما سبق وهو ما يبدو بمفهوم المقارنة بما كان عليه حال العالم عندما بدأت البنوك الدولية في الانهيار خلال أزمة الاقتصاد العالمي عام 1931». ويضيف المؤلف في معرض الإشارة إلى منجزات وإنجازات التنظيم الدولي الراهن : من يمكن له أن يتصور وضع العالم بدون صندوق النقد الدولي؟ ويجيب لا أعتقد أن هناك مجالا لتصور عدم وجوده في الوقت الراهن.

نجاحات مشرقة

من الأمور الإيجابية جداً أنه تم إنشاء عدد كبير من الوكالات والآليات التي يمكن لها أن تساعد الفقراء وذوي الدخل المتوسط للخروج من حلقة الفقر ومواجهة التحديات البيئية والجغرافية وتحقيق مجتمع الرخاء. فضلا عن كل ما سبق فقد أنشأ الإنسان في العالم الحديث مجموعة مدهشة، على حد ما يذكر المؤلف، من التنظيمات الدولية للاستجابة لاحتياجات المرأة في العالم وكذلك الأطفال ومناهضة التمييز.

وهنا يشير إلى ما يصفه بالإنجاز التاريخي ممثلا في حصول المرأة على الحق في التصويت في الانتخابات، وكذا تحقيق انتصارات عديدة على صعيد حماية الأطفال، معتبرا ما تحقق في هذا الصدد أمراً مذهلاً، حيث أنه من غير الإنصاف القول إن الكثير من نساء الأرض وكذلك الأطفال في حالة سيئة وأن هناك الكثير

مما ينبغي فعله ويقرر أن الحقيقة تتمثل في أن قدرا كبيرا قد تم إنجازه من خلال عمل العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والكنائس والمؤسسات المدنية.ويبدو المؤلف مفتونا إلى حد كبير بما تم من إنجازات ويقول: اسأل أيا من هذه الأخيرة ـ المؤسسات المدنية ـ كيف كان يمكن للعالم أن يبدو بدون اليونيسيف وفي هذه الحالة سوف تدرك مدى الإنجاز الذي تحقق.

وفيما يمثل استكمالاً لجردة الحساب بشأن الإنجازات الإنسانية على صعيد التنظيم الدولي، يذكرنا كيندي بإنشاء منظمة لحقوق الإنسان استطاعت أن تحقق أكبر الإنجازات على مدى التاريخ الإنساني حيث تم القضاء على العبودية تماما. ومهما كانت الأخطار على الحرية في المستقبل فإن تطور وضع حقوق الإنسان منذ نشأة التنظيم الدولي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال.

فضلا عن كل ما سبق يشير المؤلف إلى أنه يجري بثبات رغم المعارضة والتراجعات على أرض الواقع إقامة نظام مراقبة عالمي لحماية البيئة محليا وعلى المستويين القومي والعالمي، ومن أجل حماية الأجيال المقبلة من كل الأضرار البالغة الواضحة والتي يمكن أن يسفر عنها إهمالنا، متسائلا: هل يمكن لأي شخص مهما بلغت عبقريته أن يصل إلى هذا المستوى الذي تحقق بفضل التعاون الدولي وهل كان لمثل هذه النتائج أن تتحقق بدون وكالات دولية؟

وإلى جانب كل تلك الإنجازات السابقة يتابع المرء ازدهار فكرة المجتمع المدني الدولي الذي نما وتطور على نحو غير مسبوق بفعل التقدم التكنولوجي الكبير والاقتصادي والاجتماعي والتحولات الإيديولوجية فيما بعد عام 1945. وقد جاء بروز هذا المجتمع كجزء من حركة تنوير ثانية ومن اللافت للنظر أنه يقوم بانتقاد نظام الأمم المتحدة على أرضيات عدة غير أنه في الوقت ذاته يسير في خطواته واضعا يده في يدها في مجالات أخرى.

ويتساءل المؤلف بعد كل هذا الاستعراض لما يراه إنجازات أسفر عنها نشأة التنظيم الدولي ممثلا بشكل أساسي في الأمم المتحدة: من نكون نحن؟ ويجيب على تساؤله بالقول إنه يجب أن يكون هناك مواطنة عالمية، فالأفراد هم الذين صنعوا أو انشأوا المنظمات الدولية .. إنهم أشخاص مثل بونش وأوركهارت وماري روبنسون الذين أدركوا أن العالم ببساطة يجب أن يكون أفضل حالا مما كان عليه قبل 1945.

وبعد هذه الرحلة الطويلة التي قد يبدو معها كيندي نفسه ضمن الفئة السابقة التي يشير إليها ويصفها بالمتحمسة يتوقف بنا لينبهنا إلى أنه لا يقدم لنا رؤية وردية تقع في أسر الاعتقاد بأن التنظيم الدولي حل كل المشاكل، فالأمم المتحدة ، أو على الأقل فاعلوها الرئيسيون، ارتكبوا أخطاء فظيعة وبالغة البشاعة، بدءا من العجز في كمبوديا ورواندا حيث عمليات الإبادة وانتهاء بفضيحة الصفقات غير الشرعية التي وقعت ضمن برنامج «النفط مقابل الغذاء».

وفي تقديره أن حجم الأخطاء كبير يتطلب من مرتكبيها الاعتذار، على الرغم من صعوبة تحديد كيف يمكن لمنظمة دولية أن تعتذر عن خطأ صدر منها. إلا أن ذلك لا يعني أن يقف البعض ويتساءل عما قدمته لنا المنظمة الدولية قائلا إن من يسعى لذلك عليه أن ينظر إلى قائمة الإنجازات في السطور السابقة. ويضيف أنه إذا لم يكن هناك تنظيم دولي فإنه يجب علينا إنشاؤه. غير أن الحقيقة هي أن التنظيم موجود بالفعل على أرض الواقع.

ووسط كل هذه العمليات الخاصة لتقييم وجرد الحساب، يدعونا المؤلف إلى أن نركز على الدفع باتجاه تعزيز حقوق الإنسان والقضاء على ديكتاتورية عبر العالم من خلال الرأي العام العالمي أو الضغط وعقوبات مجلس الأمن؟

لذلك فإن الإجابة الوحيدة بشأن تقييم أداء المنظمة الدولية كما يراها إنما تكون، حسبما يقول، بمحاولة إصلاح الحكومات والقضاء على ممانعتها بخصوص قبول التغيير ومنح المنظمة سلطات أكبر.

إن العالم، حسبما يراه، في حاجة إلى رؤى خلاقة فمنهج النقد الصارم لن يجدي في التعامل مع تطورات النظام الدولي، كما أن منهج القول إن كل الأمور تسير على ما يرام لن يجلب أية فائدة. وعلى ذلك يخلص إلى صحة رؤية غلادستون سواء بالنسبة إلى وقته أو بالنسبة إلى وقتنا،

مختتما رؤيته بالتأكيد على أن قصة الستين سنة الماضية ليست مجرد تراجعات وفشل للكيان الدولي.. ذلك أن الأمم المتحدة حققت فوائد كبيرة لجيلنا، ومن خلال تعزيزها يمكن لنا توقع ما هو أكثر ويمكن لها أن توفر لأبنائنا وأحفادنا الكثير.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق