ولما كان المسرح هو أداة فعالة للتأثير تجاهلت في فترة من الفترات المدارس والجامعات هذا الفن الذي يقولب القيم والمبادئ في صياغ سهل يصيب مبتغاه دون أطرٍ تحمّل النفس ثقل النصيحة المباشرة إلا أن المشهد المسرحي الطلابي في مدينة العين خاصة في حراك متميز على مستوى المدارس وعلى مستوى الدولة ومن خلال هذه النشاطات سنلقي الضوء في هذه الجولة المسرحية لنوضح جهود المسرح الطلابي في تفعيل القضايا التربوية والاجتماعية.
المسرح هو الوعاء الذي تصب فيه جميع مهارات التلاميذ هكذا بدأ محمد زياد الجابي المشرف على المسرح المدرسي بمدرسة النهيانية بالعين بأن المسرح هو المطور لشخصياتهم ووعاء للقيم التربوية لتمثيلها بصورة حقيقية ملموسة فيُستخدم المسرح في علاج بعض الأمراض النفسية وتقويم السلوك عند الطلاب مثل الانطواء عن طريق تقمص الشخصيات فيشعر الطالب بأنه حر بلا قيود فيعيد بناء ذاته بتلقائية عن طريق توظيف الحدث أهمية المسرح في حياة الطالب. وكون الجابي شاعراً ومؤلفاً مسرحياً فقد قدم العديد من المسرحيات الطلابية والأناشيد للمدرسة التي يبني من خلالها القيم والأخلاق النبيلة يقول : قدمنا مسرحيات عديدة وحازت على الجوائز منها (عفواً أيها البحر) الفائز والمشارك في مهرجان الشارقة المسرحي وتلقى المسرحيات القبول الحسن عند الطلاب فهي كسر للروتين اليومي ومعايشة اللحظة التي تحمل القيم الكثيرة
ومن جانب آخر تعد مسرحة المناهج من أجمل الطرق وأسرعها في تجسيد القيمة التربوية والدروس الصعبة وإيصالها للطالب بشكل سلس ويشترك حوالي 20 طالباً لدينا في المسرح ويحرص الكثير أيضاً على المشاركة ومتابعة أخبار المسرح المدرسي في النهيانية التي تقدم الدعم الكبير والتشجيع من الإدارة فهي تعمل بروح الفريق الواحد الذي يبحث عن التميز. وإيماناً منها بدور المسرح نبع اهتمام فاطمة الظاهري مشرفة المسرح المدرسي بمدرسة الحضارة للتعليم الأساسي بالعين بالمسرح المدرسي في تنمية شخصية وترى الظاهري رئيسة مشروع «أنا مبدع» أن الطالبة تسعى على خشبة المسرح إلى إثبات ذاتها لترفع من تقديرها لنفسها وانه باستطاعتها أن تخرج خارج النص المسرحي الذي تدربت عليه كثيراً لتقدم أمام جمهورها سواء كان من الهيئة الإدارية أو التعليمية أو زميلاتها الطالبات داخل وخارج المدرسة أو حتى لجان التحكيم أفضل ما لديها من مهارات وما تتحلى به من ملكات ضمن قالب مسرحي يرتفع بها من خلال القيم التي يحتويها النص
وتضيف:هذه القيم نسعى لغرسها في نفوس طالباتنا ونحرص كل الحرص على أن يشاركننا بأنفسهن خاصة ممن أصبحن يمثلن على خشبة المسرح المدرسي بطلاقة وإبداع فهناك العديد من الطالبات اللواتي شاركن معنا في بداية مشوارنا في رحلة المسرح الطلابي وكان الخجل يغطي مساحات شاسعة من حياتهن والآن أراهن يمثلن ويبدعن وأرى كم هو الأثر الذي استطاع المسرح الطلابي أن يغرسه فيهن.
فتيات على خشبة المسرح
الحضور على خشبة المسرح رهبة تنقل الطالب إلى عالم مختلف بعيداً عن الواقع الذي يعشيه ومن وراء كواليس المسرحيات التي تقوم بها المدارس التقينا بعدد من الطلاب الذين يعشقون التمثيل المسرحي وفي نفوسهم أمل أن تستمر هذه الأدوار.
ففي مدرسة الحضارة جماعة التمثيل وهي من ضمن مشروع أنا مبدع ترأسها الطالبة مريم الظاهري تروي لنا عن دور البطولة في مسرحية عن ذوي الاحتياجات الخاصة التي جسدتها تقول: «امثل دور الأم التي تحفز ابنها المعاق المصاب بشلل الأطفال على استكمال مشوار تعليمه وتحقيق حلمة في أن يكون إعلامياً بارزاً ومهماً في المستقبل وتستمر معه حتى تحقق حلمه ويتخرج من الإعلام مع مرتبة الشرف ولم تكن هذه المرة الأولى التي أقف فيها على خشبة المسرح بل منذ أن دخلت هذه المرحلة والمعلمة فاطمة الظاهري تدعم إبداعنا وحبنا للتمثيل لأنه متنفس لنا».
أما نائبتها موزة الكعبي في الصف السابع فتعتبر التمثيل تقمصاً مشروعاً لمشاعر الغير والتعبير عن آلامهم وطموحاتهم وهي سعيدة لانضمامها في مشروع أنا مبدع الذي يشجع مواهب التمثيل تقول : مثلت في إحدى المسرحيات دور رجل الأعمال الذي يحول مدينة العين واحة الزهور إلى مدينة تجارية ضخمة ولا ينجح في مبتغاه لأنه تخلى عن تراثه وعاداته وتقاليده وهي تعتبر من المسرحيات التي افتخر في أدائها.
زميلتها أسماء الراشدي تقمصت دور المعاق وكانت تشعر بالفعل أنها معاقة عن الحركة لذا كان تمثيلها مؤثراً جداً في النفس تقول: لأول مرة اشعر بهذا الإحساس الذي يراود المعاقين. وتوافقها أماني الخميري في الصف السابع ومشاركة في التمثيل المسرحي أنها اكتسبت جرأة لا توفرها مجالات أخرى في المدرسة وعن مستقبل المسرح المدرسي تتخيل أن المستقبل سيكون أكثر اتساعاً لمحبات التمثيل فستتوفر المسارح المجهزة بكل التقنيات الحديثة من إضاءة وديكور وستعتمد الدراسة خاصة في المناهج الصعبة على أداء التمثيليات والمسرحيات لاستيعابها.
وردة الدويلة من ثانوية المناصير تعشق التمثيل على حد قولها وتتمنى أن تشبع حبها للمسرح خلال الدراسة الجامعية فبعد هذه المرحلة لن تكون هناك فرصة للوقوف على خشبة المسرح إلا في المناسبات الخاصة بالنساء وإذا توافرت تلك الفرصة
تضيف: بدأت أتقمص الأدوار من خلال الإذاعة المدرسية في الطابور الصباحي في المرحلة الإعدادية واكتشفت موهبتي المعلمة سمر معلمة اللغة العربية التي تنطق عيناها بالإبداع والكتابة المسرحية وتلفت الانتباه إلى ضرورة تشجيع الطالبات ليس على التمثيل فقط بل على كتابة النصوص المسرحية والديكور والإضاءة والموسيقى وإطلاق مسابقة بين طالبات المدارس على أفضل نص مسرحي يخدم قضية معينة أما في المجتمع أو المنهج وتستغرب من المسابقات التي تقام على مستوى المدارس الحكومية والنموذجية
فليس هناك وجه مقارنة فالنموذجيات تتمتع بمسارح جديدة ومجهزة بأحدث التقنيات أما المدارس الحكومية فهي قديمة وتقنياتها ضئيلة فلماذا يوضعون في نفس المستوى من التقييم. وتؤكد على هذه النقطة خلود الكعبي تقول: أحب الاهتمام بالأمور التقنية والإضاءة في المسرح ولكن مسرحنا في مدرسة المناصير لا يشجعنا على هذا لأنه صغير جداً مقارنة بالمسارح الأخرى.
صعوبات مادية
معلمة اللغة العربية سمر ومشرفة العمل المسرحي ترى ضرورة تفريغ المسؤولة عن المسرح من بعض المسؤوليات حتى تتمكن من تقديم أفضل ما لديها وتوفير الدعم للمسرح المدرسي مادياً ومعنوياً تقول: «تواجهني بعض الصعوبات أثناء عمل المسرحيات وأبرزها قلة الدعم المادي الذي يؤثر على الملابس والديكور رغم وجود الخامات المبدعة من الطالبات وفي نفس الوقت الدعم المعنوي من خروج الطالبات من الحصة للتدريب وتقديم المسرحيات».
ومن جانب آخر تؤكد أن الإذاعة الصباحية هي منبع اختيار المواهب التمثيلية وهي الطريق إلى خشبة المسرح الطلابي وتقترح ابتكار فكرة المسرح المدرسي الجوال الذي يبنى على فكرة عرض المسرحية في أكثر من مدرسة في الطابور الصباحي ليصبح حدثاً تنتظره الطالبات ويكرس القيم ويبسط المنهج خاصة لمادة النحو.
وللسينما دور
وفي سياق متصل وعن مشاركة المخرجين الإماراتيين في الكشف عن المواهب الفنية في المدارس يلفت المخرج الإماراتي عبدالله حسن أحمد إلى ضرورة التركيز على المواهب الطلابية من ذوي المستويات المتوسطة والضعيفة يقول : يحمل المدرسون على عاتقهم الاهتمام بهذه الشريحة المهمة التي تكتنز في داخلها العديد من المواهب وقد لا يحصلون على فرص الظهور بسبب مستواهم الدراسي الضعيف واهتمام المدرسين باكتشاف مواهبهم حق مشروع فقد نصنع المخرج والممثل والشاعر والكاتب بعيداً عن المستوى الدراسي فهو ليس مؤشراً على الموهبة عند الطالب.
ويؤكد المخرج الإماراتي أن دور المدرسة في التواصل مع المجموعات السينمائية الإماراتية التي تسعى إلى التعاون مع هذه البيئة الخصبة وخاصة أن إمارة رأس الخيمة تزخر بالكثير من المواهب له دور فعال ومثرٍ ويضيف: فمثلاً تعاونت مع المدرسة الوطنية في الإشراف على فيلم يخرجه الطلاب ويمثلون فيه للمشاركة في مسابقة باناسونيك في اليابان لأفلام الطلاب ومن هذه التجربة عثرت على أبطال فيلمي عصافير القيظ عادل المضرب ومحمد الهرنكي المشارك في مسابقة أفلام من الإمارات.
عبد الله الخنبشي: استعداد لتكوين جماعات مسرحية
الدكتور عبدالله الخنبشي نائب مدير الجامعة قال نحن على استعداد تام لتكوين جماعات مسرحية أو تأسيس نادٍ للمسرح وللسينما بطلب من الطالبات المهتمات بهذا المجال لإثراء الحركة الثقافية في الجامعة ودعمها مادياً ومعنوياً فالجامعة هي المسرح الواسع نحو الحياة وهي الأرض الخصبة التي تضم الثقافة والفن والجمال والمساحة لاحتضان المواهب المسرحية والسينمائية والثقافية.
وعلى هامش هذا الاهتمام استضافت الجامعة على مسرح مكتبة زايد مسرحية ساهر الليل التي قدمها مسرح العين لتكون بداية تفجير الطاقات التمثيلية والكتابية وأبدت الكثير من الطالبات الجامعيات رغبتهن في التواصل مع المسرحيين وجعل الحياة الجامعية أكثر حيوية وجمالاً بدلاً من أن تكون الحياة الجامعية أكاديمية فقط ولا تتصل بالمجتمع الخارجي.
قد لا يوجد في الحياة أكبر من مسرحها الواقعي ولكن المسرح أو كما يلقب ب«أبو الفنون» يعتبر نهراً من أنهاره والذي يروي عطشنا ربما للضحك أو للبكاء أو اكتشاف عوالم داخلية إنسانية مختلفة. فهي إحالة الأفكار إلى أشياء والتأثير على الطبيعة بإرادة الإنسان.
للمسرح رؤية في إعداد الطالب
قال عبد العزيز الجنيبي رئيس قسم الأنشطة الطلابية بمنطقة العين التعليمية عن المساحة التي يأخذها المسرح الطلابي في الأنشطة التربوية: «النشاط المسرحي يتكون من عدة محاور منها الاجتماعي الذي يركز على قضايا المجتمع والبيئة المدرسية والأكاديمي على المناهج والمحور الفني منها الفكاهي والدرامي وغيرها».
وتأكيداً على ما ذكرناه يقول الجنيبي إن المسرح له رسالة ورؤية مهمة في إعداد الطالب لمعترك الحياة ولتفعيل هذا الدور تطرح العديد من المسابقات منها مسابقة العرض المسرحي والمسرح التعليمي المسرح الاجتماعي مسابقة التأليف المسرحي للطلاب والمسرح الاستعراضي،
ويشير أن هناك مدارس في مدينة العين تميزت بعملها المسرحي وحصلت الجوائز على مستوى الدولة والعين نشطة في هذا المجال خاصة في المناسبات كالعيد الوطني والحملات التطوعية مثل المرور والتهاب الكبد الوبائي وغيرها وجميعها تكون تحت إشراف وزارة التربية من المختصين في هذا المجال، أما عن توفير الإمكانيات المادية فقال: توفير الإمكانيات لدعم هذه المسرحيات من المنطقة صعب بعض الشيء ولكن الاعتماد سيكون على ميزانية المدرسة التي تحدد نسبة منها لدعم الأنشطة المسرحية.
أمل الدويلة


