يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرضنا لكتابه، موضوع قيادة أميركا للعالم وإطلاق وصف الإمبراطورية على الولايات المتحدة، حيث يرى أنها تتحمل مسؤولية رئيسية تجاه إرساء السلام وإشاعة الاستقرار في بحر العالم المتلاطم الأمواج، ولكنه يشير إلى أن موقع القيادة يتطلب الحكمة والعدل وبعد النظر ويقتضي الابتعاد عن السلوك الإمبراطوري الإمبريالي الذي ترفضه شعوب العالم قاطبة لأنه يعيد إليها ذكريات الاستعمار القديم البغيضة.

طريق المستقبل، أو السبيل المرتقب، هذا هو العنوان الذي يختاره المؤلف الأستاذ محبوباني للفصل السابع ـ الأخير من هذا الكتاب. تبدأ سطور الفصل بنغمة تشي بقدر لا يخفى من الأسى، يقول المؤلف: إن عالمنا عاش عقد التسعينات الماضي تحدوه آمال عراض في أن يأتي القرن الجديد ببشائر الرخاء والسلام يسودان العالم، وتسعد بهما الإنسانية.

يشير المؤلف بالطبع إلى أن مستهل التسعينات شهد انتهاء الحرب الباردة ويومها لاحت بدايات أو إرهاصات نظام عالمي جديد عقدت عليه البشرية كثيرا من الآمال، وترددت يومها شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وثمار العولمة، مع ذلك فقد انتهت التسعينات، كما يضيف كاتبنا إلى عالم مضطرب. ثم جاءت السنة الأولى من القرن الحادي والعشرين، وفي خريف تلك السنة بالذات وقعت حادثة المركز التجاري الشهيرة في نيويورك وبعدها تغيرت الأحوال واختلت الموازين وأصبحت المشاكل، وربما الكوارث، عابرة للحدود، يستوي في ذلك غوائل الإرهاب الدولي أو وباء سارس الذي يصيب الجهاز التنفسي عند الإنسان أو جائحة انفلونزا الطيور، أو اشتعال الحرب والتدخلات العسكرية في أكثر من بقعة من بقاع العالم.

وكانت النتيجة التي يرصدها المؤلف هي زيادة عوامل الاضطراب والتذبذب ، أو اللا يقين كما يقول المصطلح الاقتصادي على مستوى العالم كله، ولدرجة يضيف معها الأستاذ محبوباني قائلا: إننا أصبحنا نجنح إلى الاعتقاد بأن أقدامنا تستدرج أو تساق إلى أرضية عالم أكثر خطرا وأقل أمنا وأدنى استقرارا. في إطار هذا كله، يرى المؤلف أيضا أن لا مفر من استخدام تشبيه، أو استعارة، القارب الذي انحشر فيه كل سكان العالم، وعلى متنه توجد أميركا ومعها سائر البشر: الكل في قارب واحد باتت تتقاذفه الأمواج وصار نهبا لأنواء الرياح تعصف به في غمرات بحر لجي أو محيط متلاطم غمرات الموج،

ولكن ركابه في كل حال شركاء في مصير واحد، مهما تباينت حظوظهم أو ثرواتهم أو مقدار ما حصّلوه من علم أو مكانة، فالكل متوحد المصير، إما أن يغرقوا معا وإما أن يصلوا معا إلى مرفأ الأمان. نلاحظ أن المؤلف يطالب أميركا بأن تتولى قيادة الدفة، وهو يؤكد أن مثل هذا القارب ـ العولمي ـ كما قد نسميه ـ بحاجة إلى قبطان أو ربّان ينظم حركة ركابه ويحاول أن يلتمس نَسَقا أو أسلوبا لإدارة هذه الحركة لعلها تصل بالركاب إلى بر السلامة.

والمسألة ليست تكريما لأميركا ولا هي تَفضُّل من جانبها. المسألة هي أنه بقدر المكانة تكون المسؤولية وبقدر العطاء يكون الجزاء، والمعنى أن القرن العشرين ـ كما أوضح الكتاب ـ كان هو «القرن الأميركي» بصورة أو بأخرى، وهو كذلك ـ لا من خلال حركات الغزو المسلح ولا بسياسة البوارج، ولا بالأسلوب الامبريالي الفظ الغليظ الذي مارسته قوى الاستعمار العتيق،

ولكنه كان قرنا أميركيا بفضل المخترعات التي أضافتها العقول الأميركية إلى حياة البشرية، وبحكم الإبداعات التي أتاحتها المواهب الأميركية لصالح الإنسان، وذلك ميراث ورصيد شهده القرن الماضي وما قبله أيضا ابتداء من عصبة الأمم واكتشاف الكهرباء إلى اختراع الراديو والتلفزيون إلى فتوحات العلاج بالعقاقير والمضادات الحيوية إلى تفجّر ثورة الاتصالات بالأقمار الاصطناعية ثم ثورة المعلومات الكوكبية بفضل شبكات المعلومات المستخدمة للحواسيب الالكترونية.

قرارات إستراتيجية

صحيح أن أميركا أخطأت سياسيا في هذه البقعة أو ذلك البلد من بلدان العالم، لكن موازين حساباتها الإيجابية في مجال الاكتشاف والاختراع ترجح في رأي المؤلف جانبا من تلك السلبيات. لكن ثمة مشكلة، كامنة في العقل أو الشعور الجمعي الأميركي ذاته، في هذا السياق يقول المؤلف (ص195): رأيت أصدقائي الأميركيين غير مرتاحين إزاء فكرة أننا ـ شعوب العالم قاطبة - نبحر وسط أنواء الأحداث على متن قارب واحد وأننا بحاجة إلى ربّان أو إلى طاقم قيادة لتوجيه هذا القارب المشترك.

إن فكرة الإدارة الأفضل للقضايا العالمية الراهنة لم ترسخ بعد في الشعور الأميركي، ولذلك فأنت تجد الأميركيين يريدون نظاما عالميا أكثر استقرارا، ولكنهم لا يشغلون أنفسهم بالأسلوب الكفيل بتجسيد هذا النظام ولا بتحقيق هذا الاستقرار.

من أجل ذلك يطالب المؤلف باتخاذ عدد من القرارات التي يصفها بأنها إستراتيجية بمعنى أنها أساسية وجوهرية في التعامل مع القضايا المطروحة على أجندة العالم الذي نعيش فيه: أهم هذه القرارات ما يتعلق بأن تحسم أميركا الأمر بأن وجود نظام عالمي مستقر معناه تحقيق المصالح القومية للولايات المتحدة ذاتها.

والمشكلة في هذا الخصوص أن قادة أميركا إذ يجمعون على أهمية استقرار العالم، إلا أنهم يبعثون بما يصفه كتابنا بأنه رسائل مشوّشة ومتناقضة إلى بقية العالم. في هذا الخصوص أيضا يسوق المؤلف نموذجين من الكتابات ـ الاجتهادات الفكرية الصادرة مؤخرا على الساحة السياسية الأميركية:

النموذج الأول من كتاب البروفيسور «آن ماري سلوتر» بعنوان «نظام عالمي جديد» وفيه تذهب المؤلفة إلى أن واشنطن تسلمت زمام قيادة العالم كي تصل به إلى نظام دولي ـ أو كوكبي أكثر أمنا واستقرارا. على الطرف الآخر من المعادلة، أصدر في نفس الوقت الأستاذ كلايد برانستوتش كتابه بعنوانه الشهير «الأمة المارقة» وفي هذا الكتاب يعدد صاحبه «الآثار المدمرة الناجمة عن كثير من ممارسات أميركا على مستوى العالم كله».

على أن مؤلفنا لا يرى أن ثمة تعارضاً بين الكتابين، وهو يوضح أن كليهما توخى الدقة في وصف السياسات والأساليب التي اتبعتها أميركا فكان من شأن بعضها إضفاء الاستقرار، فيما كان من شأن بعضها الآخر زعزعة الاستقرار! ذلك لأن المشكلة ـ كما يراها الأستاذ محبوباني ـ تتجسد في غياب عنصر الاتساق، التجانس في صلب هذه السياسات التي تتبعها واشنطن إزاء قضايا العالم.

وقد أدى هذا الاضطراب أو اللا اتساق إلى أن أصبحت القرارات تصدر، لا عن رؤية إستراتيجية ذات منظور طويل الأمد متسع النطاق، بل تصدر عن قصور في النظر السياسي وعن تصورات مرحلية تتوخى اعتبارات وقتية ومحدودة إلى درجة كبيرة.

قوى الليونة و الصلابة

هذا النقص هو الذي يدعو بإلحاح إلى اتخاذ تلك النوعية المطلوبة من القرارات الموصوفة بأنها «إستراتيجية». وربما تكمن مثل هذه الرؤية في الإصغاء إلى ما سبق إلى وصفه أستاذ علم السياسة الأميركي، البروفيسور «جوزيف ناي» بأنه «القوى اللينة أو القوى الناعمة» التي تتمتع بها أميركا. وكان يعني بها قوى الإعلام والدعاية والفن وتجسيد النموذج وطرح الأفكار.

لكن المؤلف يقول إن هذا لا يكفي، إذ لابد من المزج الإيجابي والواعي أيضا بين تلك القوى الناعمة وبين القوى الصلبة التي تحوزها أميركا وهذه القوى تمثلها المشاريع الاقتصادية الكبرى والمعونات التقنية والمخططات التي تضع ثمار التكنولوجيا في متناول سائر الأمم والشعوب. ثاني القرارات الإستراتيجية يطلق عليه المؤلف العبارة التالية: الوعي بقانون النتائج المستهدفة على الصعيد الدولي.

وعندنا ان الإشارة هنا تتم بمنطق المخالفة، ذلك لأن القاموس العسكري والسياسي أيضا يعرف قاعدة يحذر منها «أهل الكار» كما قد يقال وتوصف بأنها قانون النتائج غير المتوقعة أو غير المستهدفة: أنت تطلق تصريحا وفي لحظة انطلاقته لا سيطرة لك عليه وها هم خبراء علم الاتصال يشبهونه بالصاروخ التسياري الذاتي الحركة، لا تستطيع من ثم توجيهه ولا التحكم فيه، ومن ثم فقد يأتي بنتائج غير متوقعة.

والأفدح من هذا أن تعّبأَ الجيوش وتحشد القدرات العسكرية، ويتم إرسالها إلى مسارح العمليات، فإذا بعوامل غير منتظرة وإذا بأوضاع لم يتح إدراجها في معادلة الحسابات البشرية، إذا بهذه العوامل تتدخل وتتفاعل وتحدث تأثيرها وبذلك تختل الموازين وتخطئ الحسابات وتتحول المسألة إلى ورطة وأحيانا إلى مستنقع، وتأمل مثلا موقف أميركا في أرض العراق، ما بين حسابات دونالد رامسفيلد وما بين الواقع المعاش في اللحظة الراهنة، وما أبعد الشقة بين الحالتين.

حكاية القطن

في ضوء هذا المنطق، يواصل مؤلف كتابنا تحليله فيركز على لفظة «القصد أو النية» يقول إن أميركا تتخذ القرار أحيانا فإذا به يؤتي نتائج لم تكن تقصد إليها في الأساس. ويضرب لذلك مثلا حين يقول: تعطي أميركا دعما ماليا لمساعدة مزارعي القطن الأميركي في ولاياتها، فإذا بهذا الدعم أو الإعانة يؤدي إلى الإضرار بمصالح مزارعي القطن في أفريقيا (انخفاض سعر القطن الأميركي يضر بقدرات القطن الأفريقي على المنافسة في الأسواق الدولية).

والمؤلف يقدم مثلاً آخر حين يقول: تحرص الدوائر الأميركية المعنية على إبقاء سعر بنزين السيارات عند مستوى منخفض وميسور، القصد الأساسي هنا هو إرضاء أو فلنقل موالاة أو مداراة أو حتى منافقة الناخبين.ولكن المشكلة أن يرتفع استهلاك البنزين ويتشجع الناس على اقتناء وتشغيل السيارات،

وتزيد بذلك معدلات العوادم، وتتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري الكوكبي بحيث تحول من مشكلة إلى ظاهرة ومن ثم إلى كارثة تفضي إلى تلويث الغلاف الجوي وإلى تهديد صحة الإنسان والحيوان والنبات فوق سطح هذا الكوكب.

والمشكلة، كما يوضحها المؤلف أيضا، تتعلق بأن المواطن الأميركي، وهو أيضا الناخب لا يتلقى سوى النذر اليسير من المعلومات عما يجري في أنحاء أخرى من العالم، وقد كان ذلك ممكنا وربما كان محتملا منذ نحو 20 عاما، حين كان هناك مواطنون في أميركا، يعدون بالملايين، ولم يختاروا يوما السفر إلى خارج بلادهم،

ولا فكروا يوما أن يحوزوا جوازا للسفر ولا أرادوا يوما أن يتعلموا لغة أجنبية ولا، عرفوا يوما ـ أو اهتموا بأن يعرفوا اسم عاصمة، الدنمارك مثلا، فما بالك بعواصم أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، لكنتنا أصبحنا نعيش في دنيا العولمة، في عالم الأسباب والنتائج،

العالم الذي أصبحت القوة العظمى تؤثر فيه بشكل عميق للغاية على الشئون الدولية، بل على مصالح الشعوب وربما مصائرها. وبهذا لم يعد الجهل بشئون المعمورة، أو تجاهل العلم بهذه الشئون عذرا في عالم أصبحت المعلومات فيه غزيرة وميسورة ومتاحة في لحظة وقوع أحداثها.

ويواصل المؤلف الحديث قائلا: إن العالم لا يطالب الإحسان، بل يطالب بإقرار قواعد العدل والإنصاف في التعامل مع القضايا الدولية ويقول أيضا: إن كثيرا من أصدقائي من عقلاء الأميركيين ينصحونني بأن أتجاهل تلك الأقاويل المرسلة حول الإمبراطورية الأميركية التي جاء أوانها،

وهم يرون في مثل هذه الشعارات حماقات سياسية أو إعلامية من جانب مسؤوليهم، لكن ها نحن نلاحظ أن كلمة «إمبراطورية» ما برحت تتردد بتكرار وتواتر غريب حتى في المجلة التي تصدر كملحق يوم الأحد للعدد الأسبوعي لجريدة نيويورك تايمز، وها نحن نرصد مدى رواج تلك النوعية من الكتب التي تتناول موضوع الإمبراطورية الأميركية بكل تداعياته.

سلوك مرفوض

في نفس السياق يحذر المؤلف قائلا: إن مثل هذه الأحاديث عن أميركا الإمبراطورية أو عن سلوكها الإمبراطوري بمعنى أن تتسيد على سائر شعوب العالم، إنما تؤتي بثمار مريرة وتشكل سهاما جارحة تجرح شعور العديد من الأجيال في أقطار القارة الآسيوية التي ينتمي إليها مؤلف هذا الكتاب، وهي بالذات أجيال المخضرمين الذين عايشوا معاناة الحكم الامبريالي والاستغلال الاستعماري أيام الإمبراطورية البريطانية

أو الإمبراطورية الفرنسية. وهي نفس الأجيال التي طالما حمدت لأميركا موقفها المناهض بصورة أو بأخرى لتلك الإمبراطوريات الاستعمارية الكلاسيكية فما بال أميركا تعود مع سنوات قرن جديد لكي تنثر أحاديث وتوزع شعارات وترفع لافتات تحمل عبارة الإمبراطورية أو السلوك الإمبراطوري؟

هنالك يتساءل أفراد كثيرون من تلك الأجيال: هل هذه هي أميركا التي بشرت يوما ما بالمساواة وباستحقاق كل إنسان أن يعامل بكرامة جديرة بالبشر؟ ثم أن المجتمع الأميركي ليس من تلك النوعية القابلة لتأسيس ذلك الكيان الديناصوري البالغ الضخامة ويعرف باسم الإمبراطورية،

إن كل إمبراطورية في التاريخ قامت بالضرورة على أسس من العنف والتعسف والقهر والاستغلال والاضطهاد، بل وعلى سفك المزيد من الدماء، هذا هو درس الحكم الكولونيالي في شبه القارة الهندية ـ حكم الراج كما يعرف في حوليات التاريخ، وتلك تجربة لم تعرفها أميركا ولا عاشتها عبر تاريخها القصير.

نجاح وفشل

يضيف البروفيسور محبوباني قائلا (ص201): إن من الدروس البليغة في العراق ما يدل على أن أميركا ليست على استعداد كي تكون إمبراطورية. صحيح أن أميركا تمتلك من الوسائل العسكرية ما يتيح لها أن تغزو أي بلد في العالم، والحق أن الغزو العسكري للعراق كان عملية مرموقة وتمت بغير خسائر تذكر بين صفوف الأميركيين.

لكن احتلال العراق أثبت أنه درس «نموذجي» في فشل الاحتلال فقد ارتُكبت أخطاء عديدة وربما كان في مقدمتها ذلك الافتراض (الأحمق) بأن الجنود الأميركيين سيلقون استقبالا يحتفل بهم بوصفهم محرري البلاد، يومها لم يسأل الأميركيون أنفسهم: ترى أي بلد في عالمنا يرحب أهله بالجنود الأجانب الذين يحتلون أراضيه؟

ولأن الأميركيين محدثو تاريخ كما قد نصفهم فإنهم في نظر المؤلف نسوا أو جهلوا دروس التاريخ، ففي القرن التاسع عشر كانت الدولة المحتلة ترتكب فظائع من طراز ما حدث في أبو غريب، لكي تلقي الرعب في قلوب الشعوب الواقعة تحت نير الاحتلال، أما في هذا القرن الحادي والعشرين، فقد جاءت فظائع أبو غريب لتلقي الرعب أساسا في نفوس أبناء الشعب الأميركي ذاته حيث لم يهضم الناس إمكانية أن تُقدم قواتهم المسلحة على ارتكاب مثل هذه الأفعال.

هل معنى كل ما سبق أن تتخلى أميركا عن مكانتها أو تتنازل عن دورها في ريادة المسيرة على صعيد عالمنا؟

للإجابة على مثل هذه الأسئلة يعود المؤلف ليذكّرنا بأن أميركا لا تزال تمتلك من القدرات والإمكانات والموارد ما يبقي على مكانتها القيادية وبما يخلّف تأثيره وبعمق على أوضاع الكرة الأرضية بأسرها،

والفيصل هنا أن تعيد أميركا حساباتها، وأن تعمد إلى وضع هذه الموارد والإمكانات ـ ما بين القوى الناعمة أو القوى الصلبة ـ في خدمة مصالحها وبما يحقق كذلك مصالح الأقطار والشعوب الأخرى، وذلك باعتبار أن السلم والأمن والاستقرار وسط أحياء وضواحي هذه القرية الكوكبية المزدحمة هي في التحليل الأخير عناصر تحقق المصالح الأميركية في نهاية المطاف.

قصة فلاح أميركي

المنافع إذن مترابطة ومتآزرة ويدعم بعضها بعضا، تماما مثل قصة الفلاح الأميركي الذي كان يزرع أجود أصناف الذرة، ويفوز محصوله بأكبر جوائز المعرض الزراعي في ولايته، وعندما قابله مندوب الصحيفة المحلية فوجئ بأن الفلاح يقدم لجيرانه نفس البذور ـ التقاوي الممتازة التي يستخدمها في زراعة محصوله الخاص، هنالك دار الحوار:

ـ ولكنك بذلك تقدم بذورك الممتازة إلى منافسيك وهم يتبارون معك في كل عام.

ـ يا سيدي الصحفي، إن الرياح تحمل حبوب اللقاح من حقلهم إلى حقلي، فإذا ما زرعوا محصولا أقل جودة، انتقلت مشاكله إلى زرعي، وإذا كان زرعهم جيدا عمّت فائدته على حقلي، وهكذا فمن أجل أن أحصل أنا على حصاد ممتاز، ينبغي لي أن أزود جيراني بمحصول ممتاز أيضا.

يحكي المؤلف هذه القصة البسيطة من واقع الكتابات (الشعبية) الأميركية التي اطلع عليها ثم يبدي تعليقاته الختامية في آخر سطور الكتاب قائلا: إن ما أدعو إليه هو إتباع سياسة من شراكة الرخاء والازدهار بين جميع الأمم وسائر الشعوب.

وهذا هو بالضبط ما يطلبه العالم من أميركا: أن تظل على نفس الصورة التي طالما رسمها العالم لها، رمزا للمستقبل وساحة للفرص المتاحة، وموئلا لروح التجديد والابتكار وحاسة الاكتشاف وفضول العلم وموهبة الاختراع وعليها ألا تصبح أسيرة أو سجينة في زنزانة الماضي بكل تجاربه الصعبة والمريرة، عليها أن تتطلع دوما إلى المستقبل، شريطة أن تتصرف وفق المبدأ الذي طالما كرسته شعوب العالم، وهو مبدأ إقرار الجدارة والكرامة التي يستحقها كل إنسان.

عرض ومناقشة: محمد الخولي