يناقش هذا الكتاب قضية من القضايا الحيوية التي تعتبر مثار جدل كبير في الأوساط الدولية وتتعلق بمستقبل التنظيم الدولي في ظل التطورات المختلفة التي يشهدها العالم. وتتأكد أهمية القضية التي يتناولها الكتاب من العودة إلى السنوات الأولى من العقد الجاري .
حيث ساد اختلاف كبير على صعيد مختلف القوى الدولية الفاعلة بشأن غزو العراق وسط رفض واسع للموقف الأميركي وهو ما أثار التساؤلات بشأن مستقبل الأمم المتحدة في ظل اتجاه الولايات المتحدة إلى العمل خارج نطاق مجلس الأمن. وإذا كانت الأمور قد عادت إلى نصابها بعد توقعات بانهيار المنظمة الدولية فإن القضية ما زالت قائمة وتطرح نفسها وسط دعوات إلى إعادة النظر في طبيعة المنظمة وسلطاتها ونظام عملها.مؤلف الكتاب هو الكاتب الأميركي الشهير بول كيندي، والذي قدم من قبل العديد من الكتب المهمة منها صعود وانهيار القوى العظمى، وهو يحاول هنا تقديم رؤية شاملة بشأن هذه القضية من خلال استعراض تاريخ العمل الدولي المشترك والذي مثل فكرة كانت تبدو خيالية حتى وقت ليس ببعيد في تاريخ الإنسانية.
في معرض التأكيد على هذه الفكرة الأخيرة، يحيلنا المؤلف فيما يعتبره إرهاصات العمل الدولي المشترك إلى عمل للشاعر الإنجليزي ألفريد تنيسون في عام 1837 تطرق فيه إلى مستقبل الإنسانية، وإزاء رؤيته أن الأمم المختلفة قد تصل إلى وضع يمكن لها معه أن تدمر ذاتها، فإنه تصور أن ذلك الوضع سيؤدي بها حتما في النهاية إلى الموافقة على شكل من أشكال العمل السياسي الاتحادي على المستوى الدولي هو ما يمكن اعتباره أو توصيفه ب«البرلمان البشري» أو البرلمان الإنساني والذي يتخذه كيندي عنوانا لكتابه.
يشير كيندي إلى أن رؤية تنيسون عكست نفسها على الكثير من المتكلمين بالإنجليزية في العالم لجهة الدعوة إلى إنهاء حالة الحرب وإنشاء تنظيمات عالمية لحل النزاعات الدولية سلميا. وبعد مرور نحو قرن تقريبا أو أكثر كان من بين أنصار رؤية تنيسون نائب أميركي من ولاية ميسوري هو هاري ترومان والذي تم انتخابه كنائب للرئيس الأميركي. وفي 12 أبريل 1945 أصبح ترومان الشخص الأكثر قوة في العالم في أعقاب توليه الرئاسة إثر وفاة فرانكلين روزفلت وأصبح على عاتقه مهمة ومسؤولية مصير النظام الدولي فيما بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد كان ترومان في معرض الإجابة على الكثير من التساؤلات في تلك الفترة من قبل السياسيين وأعضاء الكونغرس يشير إلى رؤية تنيسون مؤكدا أنه لا مخرج من قيام الإنسان بتدمير وجوده سوى إنشاء شكل من أشكال التنظيم الدولي يمكنه من تجنب النزاعات. على هذه الخلفية يؤكد المؤلف أن روح تنيسون وكذلك ترومان تسري في ثنايا الكتاب.
من هذه المقدمة التمهيدية ينطلق كيندي إلى تناول جوهر موضوع الكتاب مشيراً إلى أن القرن العشرين يتسم بخاصية فريدة في تاريخ التطور الإنساني تتمثل في أن الدول التي حرصت على إدعاء تمتعها بالسيادة والاستقلال اتجهت بشكل تدريجي نحو إنشاء تنظيمات دولية تحافظ على السلام وتواجه العدوان، وتقوم على تنظيم الشؤون الدبلوماسية وسن القوانين الدولية، وتشجيع التنمية الاجتماعية وتحقيق الرخاء.
غير أن المؤلف يشير إلى أن التوصل إلى هذه السلسلة من التنظيمات التي تعكس ما يمكن اعتباره حكومة عالمية تقوم على هذه المهام أمر لم يكن بالسهل أو الميسور، حيث أن هذا التطور واجه مقاومة من قبل القوى التي رأت فيه تهديدا لها ولامتيازاتها.
جدل السيادة الوطنية
هكذا لم يكن من الغريب أنه في مقابل كل صوت كان يدعو إلى تعزيز التعاون الدولي كان يوجد على الجانب الآخر صوت مضاد يحذر من إضعاف السيادة الوطنية، وقد جاءت الأمم المتحدة وسط هذه الأجواء لتمثل الصيغة الفريدة للخروج من الجدال الدائر بشأن شكل التنظيم الدولي.
لقد أنشئت عام 1945 من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وورثت الكثير من الأشكال التي كانت تمثلها أو تعكسها تجربة عصبة الأمم. ومع ذلك فإنها أيضا كانت تعكس ازديادا كبيراً في الوظائف مقارنة بما كانت عليه العصبة وذلك سواء فيما يتعلق بحل النزاعات، أو حقوق الإنسان، أو القضايا الاقتصادية.
غير أن كيندي يشير إلى أن هذا التطور في مهام الأمم المتحدة لم يعن إطلاق يدها تماما للعمل الدولي وإنما كانت تحكمه مجموعة من القيود تعكس الروح التوافقية التي أدت إلى إنشاء المنظمة وهو ما يشير إليه المؤلف باعتباره ازدواجية في أساس التنظيم الدولي تتمثل في أن المنظمة إنما تعكس إرادة أعضائها من الدول الذين يعملون كشركاء مساهمين في المنظمة الدولية، وهذا يعني أنه يمكن للمنظمة أن تمارس مهامها بكفاءة عندما تتلقى المساندة من قبل الحكومات القومية، خاصة تلك الدول أو الحكومات التي تتمتع بالقوة على المستوى الدولي.
أما في غير تلك الأحوال فإن المنظمة لن تعمل بقدر كبير من الكفاءة وهنا يستعين المؤلف بنماذج واقعية يراها تدلل على صحة وجهة نظره مشيرا إلى ما فعله الإتحاد السوفييتي في 1950 وما فعلته الولايات المتحدة في 2003 وما فعلته العديد من الدول «المارقة» في السنوات الأخيرة، وإذا كان من الصحيح أن أي موقف على هذا الصعيد يكون له تكلفته من قبل الدولة التي تخرج عن نطاق العمل الدولي، إلا أنه في حالات محددة وخاصة تلك المرتبطة بالقوى الكبرى في النظام فإن الأمر قد يصل إلى حد إصابة المنظمة بالشلل.
وفي ذلك يؤكد كيندي على أن المنظمة الدولية قد لا يمكنها القيام بإجراء معين إذا ما عارضته إحدى القوى العظمى والتي تتمثل في واحدة من القوى الخمس التي تتمتع بحق النقض الفيتو في مجلس الأمن. ويقرر المؤلف أن هذا التصادم بين السيادة وأساس التنظيم الدولي من الصعب تجنبه وأنه إذا لم يتم أخذه في الاعتبار، فقد يكون من الصعب علينا استيعاب أبعاد جهود المنظمة الدولية على مدى العقود الستة الماضية.
وعلى ذلك يحاول المؤلف رصد تطور منظمة الأمم المتحدة خلال عمرها الطويل نسبيا وتحديد ما قامت به على نحو إيجابي وأين يكمن موضع فشلها، مع محاولة وضع تصور بشأن مسارها في المستقبل. ومن هنا يقرر كيندي أهمية الاستفادة من تجربة المنظمات الدولية مشيرا إلى أنه حتى إذا لم تكن هناك منظمات على النحو القائم فإن الحاجة كانت ستبقى ملحة ولو على شكل آخر غير ما هو قائم.
وانطلاقا من هذا التوجه يشير المؤلف إلى أنه إنما سيركز من خلال الكتاب على دراسة الرؤى الدولية المتغيرة للمؤسسات الدولية وكيف استخدمت من أجل تحقيق الأغراض الإنسانية المختلفة، في مختلف الحقول حيث الأمم بمفردها لا تقنع بالعمل وحدها.. إنها قصة البشرية في البحث عن مصير مشترك، مستقبل مشترك، يحقق لها الهوية والرخاء والتسامح عبر التحكم المشترك في الأدوات الدولية، وكذلك قصة التراجعات المتعددة وخيبات الأمل.
بدايات مترددة
في استعراضه للبدايات والخطوات المترددة للبشرية تجاه التنظيم الدولي يعرض المؤلف لرؤى المفكرين وكذلك المواقف التي تعكس رؤى مسؤولين حثوا على مزيد من التعاون الدولي بل وكذلك فكرة الحكومة العالمية. ويشير إلى أن هذه الأخيرة إذا كانت تبرز تاريخيا بشكل ملح مع كل عمليات قتال وغزو وصراعات عرقية فإن الفكرة طرحت بشكل عملي في منتصف القرن التاسع عشر وعاودت الظهور ثانية مع التطاحن الكبير بين القوى العظمى الذي أدى إلى حمامات دم خلال الحرب العالمية الأولى.
ويتطرق المؤلف لقصة إنشاء وتطور وانهيار عصبة الأمم والتي مثلت ما يمكن اعتباره حسب المؤلف النموذج للأمم المتحدة حيث على وقع إنشائها وإخفاقها استفاد الآباء المؤسسون للمنظمة الأخيرة من دروس التجربة واستخلصوا نتائج عديدة في صياغتهم لأسس الأمم المتحدة. ويحاول المؤلف الغوص في عقول المؤسسين وتحديد الأسس التي على أساسها جرى تشكيل المنظمة على النحو الذي تم.
ثم يتناول بعد ذلك المظاهر المختلفة لأهداف الأمم المتحدة ومدى نجاحها أو فشلها في تحقيقها، فيما بين 1945 وحتى الآن، مشيرا إلى أن الموقف من المنظمة أشبه ما يكون بموقف مجموعة من مكفوفي البصر الذين راحوا يتحسسون الأجزاء المختلفة من الفيل فراحوا يقدمون توصيفا مختلفا له.
ومن خلال تناوله لموضوعه يعرض لنا المؤلف قصة مجلس الأمن، وماذا قدم في أعوامه الأولى وكيف استجاب للتغيرات عبر الوقت، والظروف التي أدت إلى إخفاقه في مواجهة تلك المتغيرات؟ ويعرض لنا عددا من القضايا المختلفة التي تتعلق بحفظ السلام والأمن الدوليين والتي لعب فيها مجلس الأمن دورا أساسيا.
أما فيما يتعلق بالقضايا المتنامية والخاصة بالعلاقات الاقتصادية العالمية وبشكل خاص فيما يتعلق بمجال العلاقات بين الشمال والجنوب، فقد تم تناولها في جزء خاص في الكتاب مع التركيز كذلك على جهود الأمم المتحدة من أجل التقدم الاجتماعي والحفاظ على البيئة، لينتهي بعد ذلك إلى تناول واقع المنظمة الدولية ومستقبلها.
يشير المؤلف في إطار تناوله للموضوع إلى أننا يجب ألا نحكم على الأمم المتحدة في الوقت الحالي بمعاييرنا الراهنة، حيث ان مؤسسي المنظمة الدولية وكذلك المجموعات التي دعت إلى تأسيسها وغير ذلك كانوا ينظرون إليها بمنطق ذلك الوقت والذي يختلف بلا شك عن موقفنا الآن. ويؤكد على ذلك بالقول أنه بلا شك إن سكان العالم في عام 2050 سيحكمون على المنظمة وفقا لمعاييرهم ورؤيتهم انطلاقا من واقع تلك الفترة. وهذا الوضع يجعل من الصعب بشكل كبير تقديم تصور بشأن المناطق التي تم خلالها تحقيق تقدم وتلك التي واجهها عقبات رئيسية أمام تحقيق ذلك النجاح. إن القصة أكثر تعقيدا من ذلك.
ثم يشير إلى أن التغير في طبيعة مهام ووظائف الأمم المتحدة إنما تم بشكل تدريجي وجزئي وإن كان هذا لا يعني أنه لم يكن مهما وإنما مثل في بعض المراحل تطورا كبيرا، ومن هنا يرى المؤلف أن الاقتراب الذي يقوم على التدرج في تطوير الأمم المتحدة إنما يتوفر له القدر الأكبر من النجاح، وهو أمر يبقى مطلوبا من أجل الالتفاف على القوى العظمى والمشرعين في الدول المختلفة الذين يفضلون بقاء الأمور على ما هي عليه، مضيفا أن التغيير ليس مستحيلا وإن كان مهمة ثقيلة.
جدوى التنظيم الدولي
في معرض التفصيل في هذه الجزئية يشير المؤلف إلى أن البحث في جدوى التنظيم الدولي وسبل تطويره إنما يتطلب أو يجب أن يمر عبر اختبارين: الأول، التأكد من أن ما يطرح من تنظيم يوفر رخاء يمكن قياسه وتحسناً ملموساً، في ظروفنا الإنسانية؟ أما الثاني فهو اختبار ما إذا كان لدى من يقترحون التنظيم فرصة حقيقية من أجل الحصول على موافقة الحكومات التي تسيطر على الكيان الدولي من أجل مباشرة مثل هذه المهمة.
من هذه النقطة يتطرق المؤلف بداية إلى القضية المتعلقة بإصلاح الأمم المتحدة من أجل جعلها أكثر كفاءة وأكثر تمثيلا وقدرة على المساءلة، الأمر الذي يراه يحتل أهمية قصوى اليوم أكثر مما كان عليه قبل 25 سنة بسبب مجموعة من العوامل المتغيرة.
العامل الأول يتعلق بسياسات القوة والتي تعد حيوية الآن كما كانت عليه وقت إنشاء المنظمة الدولية. وفي هذا الخصوص يشير إلى أن التسوية التي أرست أسس النظام الدولي فيما بعد الحرب العالمية الثانية أو سلام 1945 قامت على أساس منح ميزة حق الفيتو إلى مجموعة من الدول على نحو لم يتم في الاتفاقات أو التسويات التي تمت في أعقاب الحرب السابقة.
ولكن التغير الكبير المتعلق بطبيعة النظام السياسي الدولي المتمثل في صعود وسقوط القوى العظمى لا يمكنه التوقف أو التجمد من خلال اتفاق حيث أن الأمور على الصعيد الدولي تتغير بشكل كبير. بمعنى آخر يشير المؤلف إلى أن مياها كثيرة قد جرت في نهر العلاقات الدولية منذ إرساء أسس النظام الدولي في أعقاب ما بعد 1945 تتطلب النظر في ماهيتها وبناء عليه تحديد أي صيغة تطويرية في النظام الدولي.
يذكر كيندي هنا أن السويد وأسبانيا كانا لاعبين رئيسيين في عام 1648 غير أنهما تحولا إلى لاعبين غير مؤثرين بالدرجة نفسها في 1814، وقد تراجع وضعهما إلى حد كبير حتى أنه لم يعد لهما كثير من الذكر في 1918 و 1945، ولذلك فإن النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين يواجه مشكلة نظامية رئيسية تتمثل في أن القادة الدوليين لم يبدأوا بعد في طرح تصوراتهم بشأن ماهيته.
متغيرات جوهرية
ثم يشير المؤلف إلى ما يراه مجموعة تغيرات تفرض نهجا غير تقليدي في مواجهتها يأتي على رأسها أنه بمرور الوقت ومع احتفال الأمم المتحدة بعيدها الذهبي في عام 2045 فإن الصين سوف يكون في إمكانها أو أنها ستشكل القوة الاقتصادية الأولى في العالم وأكبر قوة إنتاجية حتى أنه من المتوقع أن تفوق الولايات المتحدة.
من ناحية أخرى فإنه من المحتمل أن تمتلك الهند الاقتصاد الثالث على مستوى العالم، بما يتجاوز اقتصاد اليابان وبما يتجاوز اقتصاد أي دولة أوروبية على الرغم من أن الناتج الإجمالي لدول الإتحاد الأوروبي سوف يتجاوز الاقتصاد الأميركي. من ناحية ثالثة فإن البرازيل وإندونيسيا وكذلك روسيا التي تسعى لاستعادة وضعها دوليا من الممكن أن تتقدم سريعا على النحو الذي تتجاوز فيه الدول الأوروبية التقليدية في الاقتصاد.
إن هذه تنبؤات مزعجة ومن المحتمل أن كل هذه السيناريوهات لا تحدث على النحو الذي يجري به التنبؤ به اليوم ولكن النقطة الأساسية تبقى قائمة وهى أن الاقتصاد العالمي وفي النهاية توازن القوى إنما سيتغير عن أي وقت سابق منذ 1890 وأنه إذا ظلت الأمم المتحدة حريصة على الانغلاق أو الانطواء على ميثاقها الذي تم التوصل إليه في 1945 فإنها سوف تبدو بشكل كبير وكأنها مؤسسة خارج نطاق الزمن الذي توجد فيه.
وعلى ذلك فإن الحكومات والمجالس التشريعية التي تقاوم المقترحات المتعلقة بتحديث جسد الهيئة الدولية يجب أن تعترف بأنهم يدفعون بالمنظمة الدولية إلى أن تكون غير متوافقة مع العصر، والأكثر من ذلك أنهم يمكن أيضا أن يكتشفوا عدم فعالية المنظمة حينما يحتاجون إليها.
أما التطور الثاني الذي يشير إليه المؤلف ويراه معبرا عن تغير جذري على صعيد الأوضاع الدولية فيتعلق بالضغوط العالمية المختلفة على الجنس البشري أو قدرته في الحفاظ على بقائه. هذه الضغوط معروفة لكافة الناس بما فيهم العامة. فمن الحقائق المعروفة الآن بخصوص البيئة والتغير المناخي أن الضغوط على البيئة إنما تغير من ماهيتها وتؤدي إلى ما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري .
وهو الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج كارثية الأمر الذي نجم عن الدفعة الصناعية وبشكل خاص مما يجري في آسيا والذي يأتي على خلفية السعي المحموم لتحسين مستوى المعيشة للناس في الصين واندونيسيا وباكستان. إن السؤال إنما يدور حول أثر هذا المسعى لنحو 3 مليارات شخص دون أن يؤدي ذلك إلى تدمير البيئة. وحتى اذا لم يكن هناك إمكانية لحل تلك المشكلة الحرجة، فإنه من المؤكد انه لا يوجد أي مؤشر على أنه توجد أمة يمكن أن تفعل ذلك بمفردها. إن التحدي يتمثل في ضرورة مواجهة هذه المسألة من خلال جهد دولي.
الفكرة نفسها تعتبر صحيحة إلى حد كبير بشأن ظاهرة الإرهاب. إن المرء لا يسعه أن يسلم بمقولة أن الإرهاب هو أخطر شيء على الجنس البشري، فالأيدز يمكن أن يحصد أعدادا أكبر من الضحايا ـ غير أنه لا يوجد مجتمع على الأرض خال من هجمات عشوائية ومؤذية، ومع ذلك فإن التعامل مع الإرهاب لا يمكن أن يتم من قبل دولة واحدة بمفردها مهما كانت قوتها.
إن الأمر يتطلب جهدا دوليا منظما عبر التعاون البوليسي وكذلك الإستخباراتي وتدمير الخلايا الإرهابية وكذلك اتخاذ إجراءات ضد الأنظمة التي تأوي الإرهابيين.وعلى ذلك يقرر المؤلف أن النجاح الكامل هنا يبدو غير ممكن حيث توجد دائما اختراقات إرهابية ولكن تخفيض الأنشطة الإرهابية إلى حدها الأدنى حيث يمكن لأغلب الناس في العالم أن يذهبوا في اطمئنان إلى أعمالهم دون خوف يجب أن يكون هدفا مقبولا من قبل كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ومن أجل تحقيق ذلك فإنها يجب أن تتعاون معاً.
أخيرا وربما الأكثر أهمية أن المجتمع الدولي يواجه تحدي كيف يمكن له التعامل مع الدول الفاشلة، وهو الأمر الذي يتطلب وقف عمليات الإبادة داخلها والمجاعات وكذلك مآسيها الأخرى، واستعادة مثل هذه الدول تدريجيا لسيادتها.. وعلى شاكلة ما جرى في البوسنة وغرب افريقيا والصومال وأفغانستان والعديد من الأماكن الأخرى على الأرض فإن هذه المهمة ليس من السهل انجازها ..فهي من ذلك النوع الذي قد يستغرق العديد من الأعوام وقد يواجه العديد من الانتكاسات. غير أن التعامل مع الدول الفاشلة أمر يصعب تجنبه، منذ أن بدا واضحا أن هناك مستوى للعنف غير مقبول وانتهاكا لحقوق المرأة والطفل.
إن كل هذه الجوانب إنما تمثل تحديات لميثاق 1945، فالصعود السياسي الذي تمثله كل من الهند والبرازيل إلى مستوى كونهما قوتين عظميين في مجال الاقتصاد والتأثير الإستراتيجي إنما يتحدى السيطرة الكبيرة التي يمثلها أو يمارسها الأعضاء الخمسة الدائمين الذين يحكمون قبضتهم على مجلس الأمن على مدى الستين عاما الماضية.
كما أن التحديات المشار إليها بحسب المؤلف إنما تتجاوز ما كان عليه خيال من صاغ أو قدم الأسس التي قام عليها اتفاق برايتون وودز وكذلك اتفاق يالطا وسان فرانسيسكو .. لم يكن هناك في تلك الأيام مجال لمثل تلك المسائل مثل الإرهاب الدولي أو الاحتباس الحراري والتغير المناخي أو الدول الفاشلة وهي القضايا التي بدأت في وقتنا الراهن تحتل موقعا مركزيا في اهتمامات الدول.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق

