ينتقل المؤلف من الحديث عن علاقة الولايات المتحدة بالصين الذي هيمن على الحلقة السابقة إلى الحديث، في هذه الحلقة، عن القوة الأميركية وطبيعتها، حيث يرى أن أميركا أساءت استخدام قوتها في تعاملاتها مع الكثير من دول العالم ولكنه يشير أيضاً إلى أن تلك القوة كان لها تأثيرات إيجابية في بعض الأحيان من حيث الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والمساهمة الايجابية في تأسيس الأمم المتحدة.
غير أن التحول الرئيسي في سلوك الولايات المتحدة قد حصل بعيد أحداث 11 سبتمبر بحيث لم تعد ذلك النموذج الذي يحتذى على صعيد الحفاظ على الحريات الأساسية وعلى صعيد المناداة بصون حقوق الإنسان في ضوء ما جرى ويجري في غوانتانامو الذي كان بمثابة صدمة للعالم الذي كان يقتدي بأميركا.
تصور - بعيد الشر - أن سيارة صديق قد تحركت بالخطأ فداست على أصابع قدميك، من المؤكد أنك ستصرخ من الألم فيما يتطلع إليك الصديق في دهشة وارتباك سائلا عما حدث. هذا هو بالضبط شعور 6 مليارات إنسان إزاء أميركا على نحو ما يصّوره مؤلف هذا الكتاب وهو يشرع في تناول موضوع القوة الأميركية وطبيعتها في أطول فصول كتابه.
في هذه النقطة يبدأ الأستاذ محبوباني السطور الأولى من هذا الفصل الخامس قائلا: ذلك هو ما يشعر به الكثير من سكان عالمنا إزاء القوة الأميركية، إنها داست بدواليب سيارتها على أصابع أقدامهم، وعندما يصرخون من الألم أو يجأرون بالشكوى تواجههم نظرات الدهشة، الحيرة أو الارتباك على وجوه «أصدقائهم» الأميركيين، صحيح أن كثيرا من هؤلاء الأصدقاء يحبّون أن يرجعوا هذه الآلام أو هذه المشاكل إلى سياسة إدارة بوش الحالية،
ولكن المسألة - في رأي المؤلف - أعمق من ذلك لأنها تتصل بالآثار الهيكلية التي تخلّفها هذه القوة الأميركية على سائر العالم. ومن الطبيعي ألا تكون هذه القوة الأميركية شرا مطلقا أو مستطيرا على العالم. والمؤلف يوافق بداهة على هذا الطرح قائلا (ص129) إن قوة أميركا باتت تتسم في عيون سكان وشعوب العالم بأبعاد إيجابية وسلبية في آن معا.
وإن كان هناك من يذهب إلى أن من هذه الأبعاد السلبية - القوة العسكرية مثلا - ما يمكن أن يكون مفيدا وإيجابيا في نهاية المطاف، ولو على سبيل ما سبق إليه الشاعر العربي حين قال: ومن السموم الناقعات دواء.
الحرب الباردة
والحاصل أن أميركا لم تختر من تلقاء نفسها أن تجمع بين أيديها كل هذه القوة الاقتصادية أو العسكرية أو الإعلامية أو غيرها، ولم تقف عند احتكار هذا الخيار بصورة مستقلة ولكن هذه القوة ما لبثت أن توزعت وانتشرت في طول العالم وعرضه خلال سنوات الحرب الباردة
حين كانت واشنطن تتصور أنها تخوض معركة موت أو حياة ضد خصمها - الاتحاد السوفييتي، ومن ثم تصورت أن من واجبها أن تترصد خطى موسكو الشيوعية وأن تتصدى لكل خطوة ولكل تصرف يقدم عليه الكرملين الروسي في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية.
هذا هو بالضبط السبب الذي جعل القوة الأميركية منتشرة ومتقدمة ومحسوسة في كل أنحاء الدنيا، ولم يكن في الأمر مشكلة من منظور الصراع الذي كان محتدما بين العملاقين، لكن ظهرت المشكلة وربما استفحلت حين تصدع البنيان الشيوعي - حين انفجر من داخله حسب تعبير المؤلف ومن ثم انهار وآل إلى زوال.
بعدها كان من واجب أميركا أن تنسحب من المواقع التي كانت قد انتشرت فيها وأن تعمل على تحجيم قواها الموزعة في أركان المعمورة الأربعة، ولكنها لم تفعل، بل ظلت تفرض وجودها (حتى لا نقول هيمنتها) على كل ركن من أركان الأرض ومن ثم تمارس - كما يضيف مؤلف الكتاب (ص128 وما بعدها) - تأثيرا حاسما في غالب الأحيان على التطور السياسي والاقتصادي لعدد كبير من البلدان.
ورغم أن قرار تحجيم التواجد الأميركي والعودة إلى الأحوال الطبيعية بعيدا عن أسلوب الهيمنة - دع عنك النزعات الامبراطورية - كان قرارا واجبا بعد زوال الخصم السوفييتي، فإن هذا القرار لم يتم اتخاذه، بل ولم تدخل النخبة الأميركية من ساسة ومفكرين أو أكاديميين أو مبدعين وهي نخبة حافلة وثرية ومؤثرة - لم تدخل في أي حوار جاد بشأن هذا الموضوع.
وربما كان من عناصر هذه النخبة من كان يتصور - خلال سنوات التسعينات المنقضية - أن انتشار الوجود ومن ثم التأثير الأميركي أمر إيجابي وله فوائد جمة ويؤتي ثمرات يانعة تعود بالخير على العالم إذ كان يودع قرنا يمضي ويتهيأ لاستقبال القرن الحادي والعشرين.
الأمل المعقود
لقد ساد وقتها شعور مماثل بأن السلوك والتأثير الأميركيين سيظلان مفيدين وإيجابيين ومحصنين من الانحراف أو الاستغلال، بفضل آليات التوازن والمراقبة والمتابعة المتبادلة التي تتحرك وفق قوانينها السلطات الأربع التي تدير ناموس الحياة في أميركا وتحُول دون أن تستأثر أي هيئة أو أي جماعة أو أي فرد بسلطة مطلقة أو رأي مطلق بغير مراجعة أو تفنيد، على نحو ما تقضي به أبواب ومواد الدستور الذي سبق إلى وضعه وبلورته فريق الآباء المؤسسين للمشروع السياسي الذي يحمل عنوان «الولايات المتحدة».
عند هذه النقطة بالذات يطرح المؤلف رأيا مخالفا ومستمدا من واقع الأحوال يقول فيه: بيد أن الواقع كان على خلاف ذلك (بمعنى أن كان مخالفا لآليات التوازن والفصل بين السلطات وبالتالي لبنود ومواد الدستور) لقد ثبت أن هذه الآليات توقفت عن العمل عند حافة المياه من سواحل الولايات المتحدة،
ولو كنت في ريب من الأمر، فدونك ما حدث في غوانتانامو وهذا الذي حدث هو الذي لا يزال يترك آثاره السلبية في نفوس الصفوة، أفضل عناصر الصفوة اللبرالية حتي من جانب أصدقاء أميركا أو معجبيها. ربما كان لدى هذه العناصر ما تنتقده في أميركا ولكنهم ظلوا على إيمانهم بأن مجتمعها هو الأفضل من نوعه بين مجتمعات العالم
وخاصة من منطلق جوهري واحد وهو إيمان ذلك المجتمع بأن لكل فرد حقوقه الأساسية غير القابلة للتصرف أو للتنازل بصرف النظر عن مكانته أو موقعه، وبفضل كونه كائنا بشريا في المقام الأول. من هنا كانت هذه الصفوة ترى أن المجرمين لهم حقوق كبشر حتى ولو ارتكبوا أشنع الجرائم التي تستحق العقاب بموجب صحيح القانون.
كانت هذه الصفوة معجبة بأميركا بفضل تطبيقها مبدأ سيادة القانون بحيث لا يعلو على القانون أي فرد حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة شخصيا. وبهذا كانت أميركا - بحق - سابقة على العالم وعلى العصر، ولهذا تحديدا جاءت ملابسات غوانتانامو لتشكل صدمة خطيرة لأصدقاء أميركا.
ما بعد 11 سبتمبر
يواصل الأستاذ محبوباني تحليله في هذا الفصل المهم فيقول: من الناحية الإنسانية كانت استجابة المجتمع الأميركي إزاء أحداث 11 سبتمبر أمرا مفهوما على وجه اليقين. يومها ساد الشعور في دوائر الحكم الأميركي بضرورة استحداث قواعد جديدة تنظم الصراع مع نوعية جديدة تماما من «المقاتلين غير العسكريين».
وقد وضعت واشنطن بالفعل قواعد وممارسات جديدة في هذا المضمار. لكن الغلطة أنها لم تشفع هذه المستجدات بشروحات تفسرها أو تبرر الأخذ بها، وبهذا فقد أجازت تلك الدوائر الحاكمة لنفسها أن تتصرف من خلال استخدام تعسفي اعتباطي وعشوائي للقوة وللسلطة، ولأول مرة في تاريخ البلاد.
مع هذا كله، فالمؤلف يستخدم تدريبه وتعليمه وخبرته التي جمعت، كما أوضحنا من قبل، بين المجالين الدبلوماسي والأكاديمي. هنا نتابع آراء السفير وأفكار البروفيسور العميد وهو يضيف من باب اللباقة الدبلوماسية وأيضا من منطلق الاحتراز العلمي ليوضح أن ثمة نظرة أقل سلبية وربما أكثر إيجابية إلى الجوانب العسكرية من قوة أميركا،
زمان كانت أساطيل بريطانيا وبوارج فرنسا تقابل بعواصف من الرفض والمظاهرات والاحتجاجات العنيفة لدى دخولها إلى هذا الميناء أو ذلك المرفأ في آسيا أو أفريقيا، ومع ذلك فالقطع البحرية الأميركية تلقى ردود فعل أخف نسبيا من تلك الاستجابات العنيفة، وهو ما يعزوه المؤلف إلى أن أميركا لم تصل إلى حد الإفراط في استخدام قدراتها العسكرية، على الأقل بالمقارنة مع قوى الاستعمار الكلاسيكي، من اسبانيا إلى انجلترا، أو من فرنسا إلى البرتغال.
وهناك من أفراد وقطاعات تلك الشعوب من لا يزال يذكر أن أميركا وكانت في قمة المنتصرين في الحربين العالميتين خرجت لا لكي تتيه بالنصر أو تترجم انتصاراتها إلى مد امبريالي بل ترجمته في الحرب الأولى إلى إعلان رئيسها ويلسون مبادئه الأربعة عشر بشأن حق الشعوب في تقرير المصير،
بقدر ما خرجت من انتصار الحرب العالمية الثانية بإعلان عزمها على إنشاء منظمة عالمية تضطلع بالمسؤولية عن قضايا السلام والأمن الدوليين وفق ميثاق شامل يلتزم به موقعوه، ومن هنا جاء تأسيس منظمة الأمم المتحدة، التي ما برحت تجسد - نظريا على الأقل قواعد الشرعية الدولية في زماننا.
الفناء الخلفي
بعد هذه التمهيدات الفكرية، تنتقل سطور الكتاب لتعرض وتحلل وتفند تعاملات أميركا مع سائر أقطار وقارات العالم، ما بين آسيا بمشكلاتها وانقساماتها (فيتنام، الصين، شبه الجزيرة الكورية) إلى أفريقيا بتركتها الفادحة من التخلف الناجم عن الحقبة الكولونيالية، لكن المؤلف يتوقف مليا عند أميركا اللاتينية التي دَرَج الساسة الأميركيون على أن يطلقوا عليها وصف «الردهة الخلفية أو الفناء الخلفي» للبناء الذي يرفع لافتة الولايات المتحدة.
في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: من الغريب أن أميركا اللاتينية أصيبت بأضرار من جراء جميع السياسات الأميركية بغير استثناء، حتى بعد أن تم التراجع عن تلك السياسات، خلال الحرب الباردة، ففي إطار مجهود كان يستهدف وقف امتداد النفوذ السوفييتي، دخلت واشنطن في تحالفات وثيقة مع نظم الديكتاتورية العسكرية التي كانت متحكّمة في مقاليد شعوب أميركا اللاتينية بما في ذلك أكبر مجتمعات تلك القارة الجنوبية سواء في البرازيل أو الأرجنتين أو تشيلي.
وبعد أن انتهت الحرب الباردة (وانتهى السوفييت نفوذا وكيانا بل ووجودا) عادت أميركا إلى تصدير، الديمقراطية إلى أميركا اللاتينية، ساعتها انتابت القارة الجنوبية موجات من نشوة الفرح بالتخلص من الديكتاتوريات العسكرية وانقضى بعدها عقد كامل من السنوات فإذا بجميع دول أميركا اللاتينية - ربما باستثناء تشيلي - تكابد حالة من المعاناة الاقتصادية
وشظف المعيشة ومشقة الحياة لدرجة أن يقول قائلهم أن أحوالنا لم يطرأ عليها أي تحسن رغم زوال هذا الديكتاتور أو ذلك الجنرال. في هذا السياق أيضا يطرح المؤلف نموذجا محدودا من الأرجنتين على النحو التالي: علاقة عشق وغرام (سياسي) نشأت بين أميركا والأرجنتين، لدرجة أن كارلوس منعم رئيس الأرجنتين وقتها لم يتورع عن القول بأن بلاده يمكن أن تدخل في «علاقات عشق جسدي (تأمل!) مع أميركا».
وهكذا قررت الأرجنتين الانسحاب من حركة عدم الانحياز وأعلنت أنها سوف تصبح حليفا للولايات المتحدة. وفي أوائل عقد التسعينات رسموا صورة الأرجنتين على أنها «التلميذ النجم ، الشاطر الفالح، النجيب، والنابغة، الخ » المتخرج من «توافق آراء واشنطن»
وهو العنوان الذي حملته وقتها وصْفة صندوق النقد الدولي لإصلاح اقتصادات العالم، يومها أيضا، وزعوا صور السنيور دومنغو كافايو وزير مالية الأرجنتين وكتبوا تحتها عبارة «الوزير القدوة» أو النموذج الأمثل المطلوب أن ينسج على منواله العالم كله، ويومها أيضا بدا مستقبل الأرجنتين واعدا، زاهيا ومبشرا بكل مقياس.
ثم يستطرد المؤلف مضيفا: ولكن خلال عقد آخر من الزمن، مُنيت الأرجنتين بأكبر صدمة اقتصادية وتدهور نظامها المالي وانهارت قيمة عملتها، واحترق مستقبلها الذي صوروه واعدا ومضيئا وعفيا. ويومها - يا للأسف - لم تمتد إليها يد أميركا - رغم العشق الولهان - لا من قريب ولا من بعيد، بل العكس، أجبروها على أن تتجرع الغصص من وصفات الصندوق الدولي بكل مرارتها مما وضع الاستقرار الاجتماعي والسياسي في الأرجنتين تحت وطأة ضغوط فادحة وقاسية.
عندما انفصل العاشقان
صحيح أن حكاية الثنائي، أميركا والأرجنتين تخص كلا من البلدين وليس لها أن تعني أي أطراف أخرى، ولكننا في عالم أصبح صغيرا مثل قرية في ظل ظاهرة العولمة، ومن هنا وجدت قصة هذا الغرام من يرصدها ويتابعها بكل اهتمام،
ولو كانت القصة قد انتهت إلى ختام سعيد، لتسابقت أقطار كثيرة لنيل رضا أميركا وخطب ودّها، ولوَقَف الخُطاّب صفوفا على بابها (كما يقول محبوباني بالحرف) ولكن العلاقة فشلت كما رأينا وانفصل العاشقان إلى غير رجعة وكان على خاطبي الوّد أن يتفرقوا بغير نظام.
مع هذا كله فاللوم لا يقع فقط على كاهل أميركا ولا تقتصر المسؤولية أيضا على وصفات صندوق النقد الدولي: ثمة مشاكل وعيوب كانت كامنة، ظاهرة وباطنة، في دواخل المجتمع وفي أنساق الحياة في الأرجنتين وفي أقطار أخرى من قارة أميركا اللاتينية.
عن هذه السلبيات والعيوب يقول مؤلف الكتاب: مازالت هذه المجتمعات تعاني من موروثات النظام الإقطاعي، حيث تتركز الثروات والأراضي في يد قلة من العائلات الموسرة والمتمتعة بالنفوذ. ومن ثم فالمجتمع لا يتمتع بدرجة الحراك والدينامية المشهودة في المجتمعات المتقدمة.
مثل الظروف اللاتينية لا يمكن أن تفرز عناصر أو مواهب من طراز بيل غيتس على سبيل المثال لأنها تعاني من حواجز صلدة تكرس المزايا التي تتمتع بها طبقات بعينها في قارة أميركا اللاتينية ومن ثم فلا سبيل لأهل تلك القارة كي يحمّلوا جارتهم الأميركية الشمالية مغبة ما يكابدون من مشاكل وآلام،
وحسبهم أن يطرحوا أسئلة من قبيل: هل كان تدخّل واشنطن واستخدامها قوتها وسطوتها في بلادهم أمرا مفيدا أو أنه أفضى إلى أضرار لحقت بحياة تلك الملايين الناطقة بالإسبانية وأحيانا بالبرتغالية أو حتى الانجليزية في الجزء الجنوبي من كرة الأرض؟
نموذج تشيلي
هناك استثناء واحد من أحوال قارة أميركا اللاتينية، وهذا الاستثناء هو تشيلي بالذات التي يتوقف عندها هذا الفصل من كتابنا بقدر ملحوظ من التأمل والتحليل. يصف المؤلف تجربة تشيلي بأنها أنجح تجربة لبلد في أميركا اللاتينية، وبديهي أن تشيلي بلد عانى كثيرا من جراء الحكم الفاشي الذي فرضه الديكتاتور بينوشيه على ذلك البلد الواقع في أقصى طرف المخروط الذي تنتهي به تضاريس القارة اللاتينية،
كان ذلك في عام 1973 ويومها قيل أن كيسنجر وزير خارجية أميركا هو الذي أشار بضرورة الإطاحة برئيس البلاد اليساري المنتخب ديمقراطيا وهو سلفادور الليندي الذي دبروا مؤامرة الإطاحة به بل واغتياله بدعم من المخابرات المركزية الأميركية،
وبعدها دخلت بلاده في ليل حالك دام سنوات من التعسف والقهر واختفاء واختطاف وقتل المعارضين. ولما كان دوام الحال من المحال فها هي تشيلي تنجح في إصلاح اقتصادها وتشيع حالة من الاستقرار في مجتمعها.
عندما اتفق اليمين مع اليسار!
ولما كان النجاح في السياسة الداخلية هو الذخيرة الذي تستند إليها الدولة في إعلاء الكرامة الوطنية، ورغم أن أميركا ظلت تكيل المديح لتشيلي بوصفها نموذجا ناجحا في احتذاء نصائح صندوق النقد الدولي، إلا أن سانتياغو وقفت موقف المعارضة ضد واشنطن
عندما طلب الأميركيون تأييدها لإضفاء قدر من المشروعية على تدخلهم في العراق: كان صوت تشيلي مطلوبا في أوائل عام 2003 لكي يصدر مجلس الأمن قرارا بتسويغ التدخل الأميركي في العراق ورغم أن دوائر شتى كانت تتوقع أن تبادر تشيلي إلى هذا التأييد، إلا أن ما حدث هو العكس. لماذا؟
لأن قوى المجتمع الداخلية في ذلك البلد الأميركي اللاتيني رفضت الفكرة من أساسها. والغريب أن توافر لتفعيل هذا الرفض إجماع بين قوى اليسار وقوى اليمين السياسي في تشيلي: فاليسار رفض التدخل الأميركي في العراق بعد أن استدعى ذكريات التدخل الذي حدث منذ 30 عاما عندما تدخلت السي. آي. إيه وأطاحت بنظام الليندي اليساري،
بل وأفضى الأمر إلى أن قتلوا ذلك السياسي الوطني المنتخب على سلالم القصر الجمهوري في العاصمة سانتياغو. اليمين رفض بدوره التدخل الأميركي في العراق بعد أن استدعت فصائله موقف أميركا عندما تخلت ببساطة عن رجلها القوي في تشيلي وهو الدكتاتور بينوشيه بل شجعت واشنطن على خلعه في عام 1990.
ويضيف المؤلف معلقا أن أهل اليسار واليمين في تشيلي يختلفون في كل شيء ولكنهم اتفقوا يومها على أمر واحد مؤداه أن تدخل أميركا لتغيير المسار السياسي في أي مجتمع هو سلوك خاطئ ولا ينبغي مساندته بحال من الأحوال.
ويتحول المؤلف مع سطور الفصل السادس من الكتاب إلى منطقة الشرق الأوسط. وهنا يوضح المؤلف أن قضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ما برحت ترتبط أساسا بالسياسة والاعتبارات الداخلية الأميركية قبل أي شيء آخر، ويضرب على ذلك مثلا من تأييد الرئيس بوش لسياسة شارون الصهيوني من الانسحاب الانفرادي من غزة مع الاحتفاظ بالمستوطنات الصهيونية بالضفة الغربية وهو ما يتعارض مباشرة مع أحكام قرارات مجلس الأمن وفي مقدمتها القرار 242 و338،
وهو أيضا ما أرسى أساس السياسة الأميركية إزاء قضية القضايا في الشرق الأوسط، أما دوافع هذا التأييد الذي منحه البيت الأبيض لرئيس وزراء إسرائيل الزائر يومها إلى واشنطن فكانت تتصل أساسا بالمنافسة الانتخابية التي كانت محتدمة يومها بين بوش مرشحا لولايته الثانية وبين منافسه الديمقراطي السناتور كيري.
وفي كل حال فإن العالم لا يرفض أن تظل أميركا كيانا وطيدا وقويا وله مكانته على خارطة العالم ولكن على قدر المكانة تكون المسؤولية، وأعظم المسؤوليات هي تلك المرتبطة بالشرعية. ومطلوب من ساسة أميركا أن يدركوا أن الإمعان في تجاهل حقوق وآمال الشعوب كفيل بنزع الشرعية عن قوة أميركا في عيون الآخرين،
وذلك أمر خطير بحيث تمتد خطورته لتمّس أميركا وسائر شعوب العالم على السواء. وهنا يرى المؤلف أن ظاهرة الإرهاب المتفشية نموذج واضح على هذا الافتقار إلى الشرعية، بل إن المؤلف يحذر كذلك قائلا أن استمرار هذه الأوضاع من شأنه أن يسلم إلى آثار اقتصادية تشمل أخطارها أرجاء العالم بأسره.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


