فرضت وسائل الإعلام وجودها على الإنسان وحياته بفضل التقدم العلمي الكبير والثروة التكنولوجية الهائلة فلم يعد بمقدور الإنسان أن يتجاهل هذه الوسائل وهي تلاحقه في كل مكان، ويكون الأطفال هم الضحية الوحيدة لتلك البرامج التلفزيونية التي شبهها البعض بمعلم يحتاج إلى تربية وتعليم.
إن الحال في «التشفير الأسري» الذي يدفع ولي الأمر إلى القيام بدوره في التوعية وتدقيق اختيار البرامج من بين ما تبثه الفضائيات بدلاً من الاكتفاء بالحديث والكلام المنمق عن أخطار الفضائيات وهم في الحقيقة «تاركون الحبل على الغارب» لأولادهم في بيوتهم. في المقابل تؤمن آراء أخرى بأن هناك برامج، خاصة بعض الرسوم المتحركة، داعمة لفكرة أن النصرة تكون للحق والخير، وأن لا مصير للشر سوى أن ينتهي، والمغذية بقيم إن لم تقل مباشرةً فهي متشربةٌ في المعنى العام للقصة حيث الصدق هو سبيل للخلاص والوفاء شيمة الرجال، واحترام الأكبر سناً واجبة والعطف على الصغير رحمة وغيرها الكثير من القيم. وكثير من فئات المجتمع تؤمن بعبارة أن التلفزيون شر لا بد منه، خاصةً بعد أن صاحبت الطفرة النوعية والكمية للفضائيات، مجموعة ليست بقليلة من القنوات ذات الفكر والهدف الهادم لشخصية الشباب، والزارع لدى الأطفال أفكاراً وصوراً خاطئة وخارجة عن سياق مجتمعاتنا الإسلامية المحافظة، ما جعل السيئ يطغى على الجيد.
وتقول موزة المنصوري طالبة المرحلة الثانوية بأننا نظلم التلفزيون حين نشير إلى انه مصدر شر في المجتمع، خاصةً وانه في النهاية آلة تعرض كل ما هو نافع وسيئ، كما هي الحياة التي تقدم لنا الخير والشر، والفارق هنا أن التلفزيون يحمل جهازاً للتحكم يستطيع من خلاله أن يقوم الشخص بتغيير القناة التي لا يريدها ويعرض المحطة التي يفضلها، بينما الحياة تفرض علينا الخير والشر وهناك مواقف سيئة لا نستطيع إلا أن نواجهها ونتحمل عواقبها. وتضيف طالبة المرحلة الثانوية بأنه مع تعدد القنوات الفضائية واختلاف تخصصاتها وتوجهاتها، أصبح لدينا خيار الانتقاء من بينها، ليس هذا فحسب بل وأمكننا أن نقوم بمنع القنوات السيئة وتشفيرها بصورة نهائيةً مع تطور أجهزة التلفزيون والمستقبلات الفضائية، ما يقلل من التأثيرات السلبية للتلفاز، والتي وإن حدثت يقع خطؤها على أولياء الأمور الذين يجب أن يكونوا حاضرين ومراقبين بصورة دائمة لأطفالهم عند مشاهدتهم للتلفاز.
وتتفق نورة أحمد طالبة السنة الأخيرة في الجامعة مع موزة في كون الأهل هم معيار الإيجاب والسلب لعملية مشاهدة التلفزيون، وتضيف أن ذكاء أولياء الأمور قد يعزز من الدور الإيجابي للتلفاز، عن طريق المشاركة في المشاهدة وتوضيح مجموعة من الأمور الغامضة التي تعرض فيه، وربط المواقف بالحياة التي تحيط بالطالب، مع التأكيد على القيم الجيدة أو السلبية حين تعرض.
وتبين نورة أن الأفضل للأهالي هو أن يقوموا بتشفير القنوات السيئة، وترك جهاز التحكم بيد الطفل، فهذه العملية تدعم ثقته بنفسه وتجعل خياراته مفتوحة، وقد يدفعه الفضول لمشاهدة بعض البرامج الثقافية التي ينفر منها الأطفال عادة، أو بعض البرامج الإخبارية والسياسية، ما يجعله أكثر وعياً وإدراكا لواقع الحياة منذ نعومة أظفاره.
تطور وتغير
وفي نفس السياق تحدثت رجاء صدقي الأم لست أولاد تبلغ أكبرهم الثامنة عشرة من العمر، عن تجربتها على مر السنين مع التلفزيون الذي شهد العديد من التغيرات الكمية والنوعية في أعماله، والتي حرصت منذ بداية أمومتها أن تكون متواجدة مع أطفالها لتوعيتهم وملاحظة ما يتعرضون إليه من ثقافة وقيم وسلوكيات مختلفة من الصندوق الإعلامي.
وتؤكد رجاء أن هناك فارقاً كبيراً بين ما قدم لابنتها الكبرى عما قدم لابنتها الصغرى، فقد شهد التلفزيون العديد من التغيرات، فأصبحت المسألة أكثر تخصصية، فهناك العديد من القنوات المتخصصة للطفل، والمفتوحة أربع وعشرين ساعة على مدار اليوم، مما يجعل الطفل أكثر التصاقا وتعلقاً بها.
وتضيف بأنه يحسب لهذه القنوات مراعاتها لظروف المجتمع الإسلامي ورغبة الأهالي في تنشئة أبنائهم متزودين بالقيم والعادات الحميدة، فقامت بتغليف برامجها بالطابع الملتزم والقيمي، فما بين كل مشهد نرى قيمة تمر أو تنبيه لعدم الإقدام على أعمال خاطئة، ويكفي أن الأطفال يستحضرون أناشيد إسلامية وأخلاقية جيدة، وأصبحت الفتيات يطلبن شراء الدمى ذات الحجاب بل يقلدنها في حياتهم ويطلبن لبس الحجاب.
وتقول عبلة عيسى معلمة اللغة العربية وولية أمر طالبة جامعية، إن تخصصية القنوات لم تخدم الأطفال فحسب بل خدمت الشباب، الذين أخذوا يقبلون على القنوات الدينية التي بدأت تطرح أفكارها في قوالب تناسب عمرهم وتتحدث بلغتهم وفلسفتهم، فأصبحوا أكثر اقتراباً منها وأكثر قبولاً لطروحاتها.
بل إن أولادنا قد يرفضون الاستماع لنصائحنا لهم لعدم اقتناعهم بقدرتنا على فهمهم، ولكنهم يأخذون هذه النصائح من القنوات المتخصصة بصورة اكبر خاصةً لو ارتبطت هذه النصيحة مع تجربة شخصية عايشها الشباب أو لاحظوها في حياتهم العامة.
وتصف مريم المريخي التلفزيون بأنه خير معلم، حيث تستطيع من خلاله تعلم الكثير من المهارات المختلفة وتكتسب العديد من المعلومات المتنوعة، بمتابعة القنوات الأجنبية المتخصصة والتي غالباً ما تقدم برامج وثائقية وثقافية تمتاز بجودة عالية ودقة متناهية تكسبها مصداقية وجودة في الطرح، هذا عدا أن متابعتها تطور قدراتها في الاستماع والتحدث باللكنة الصحيحة للغة الأجنبية.
وتبين منى على طالبة الهندسة أن هناك العديد من المهارات التي لم نكن نعرفها من قبل واكتشفناها من خلال التلفزيون، كالبرمجة اللغوية برامج تطوير الذات، والتي خصص لها قنوات قوية الطرح، ما ساهم في تغيير العديد من سلوكياتي، وضبط أعمالي وتغيير نظرتي لمجموعة من الجوانب الشخصية لذاتي وللمحيطين بي، وأيضا أعطاني القوة لتخطي المشاكل المحيطة بي، والكبر على صغائر الأمور في الحياة.
وتشير منى إلى أنها لا تبالغ مطلقاً حين تشير إلى أن التلفزيون هو الذي قام بتربيتها وتعليمها بصورة مباشرة، وبالرغم من مجهود الأهل في العمليتين السابقتين، إلا أن دور التلفزيون كان أشمل وأقوى، فلطالما كانت فتاة منطوية على نفسها ولا تحبذ التخالط مع الآخرين أو اللعب مع الصغار، و كان أبواها مشغولين بعملهما وتربية إخوتها وأخواتها الكثر، لذلك فلم يكن هناك نوع من التركيز معها، وكانت هي من جهتها شديدة التركيز في قنوات التلفزيون المختلفة، وكثيرة التفكير في العبر والحوادث التي تطرح من خلال الأفلام والمسلسلات والبرامج المعروضة فيه.
واقي الأخطار
وتتفق حصة مطر المنصوري مع منى في هذه النقطة وتزيد، بأن هذه العبر المتخذة مما يطرحه التلفزيون تقدم لنا تجربة واقعية ونتيجة حتمية لسلوكيات قد تمر في حياتنا اليومية، بالتالي فنحن نعرف ما مصير الإقدام عليها، والتمسك بها أو حتى التهاون بأخطار بعض الظواهر المنتشرة في حياتنا، سواء من ناحية الصحة أو المجتمع أو حتى السياسة.
وتشير حصة بان التلفزيون من خلال تعدد قنواته وتنوع قوالبه الفنية من مسلسلات وبرامج وحوارات وحتى أغانٍ مصورة، لم يترك قصة أو عبرة أو ظاهرة إلا وطرحها واستفاض بإيجاد حلول لها وبدائل واحتمالات لمشاكلها، وهذا التنوع كله يصب في مصلحة المشاهد سواء أكان طفلاً أو شاباً أو كهلاً، فالإنسان لا يعرف وقتاً للتوقف عن اخذ العبر والعلم في الحياة.
وقالت سناء علي عبد الرحمن بن رابوي الاختصاصية النفسية في منطقة رأس الخيمة التعليمية إن تأثير التلفزيون في يومنا هذا أصبح اكبر وأكثر من ذي قبل، نتيجة تعدد القنوات وتطور وسائل الاتصال ما يمكن الشخص تزويد تلفازه بأي قناة وفي أي مكان كانت، بل وأصبح التلفزيون متاحاً بكل بيت وغرفة ما يعني احتكاكاً أكثر فيه.
وأكدت الاختصاصية النفسية أهمية متابعة الأهل لعملية المشاهدة التلفزيونية للأطفال، حتى ولو كانت القناة المشاهدة جيدة وذات قيم سامية، لأن دور الأهل يجب أن يكون الأساسي في عملية التعزيز والترغيب فيما يشاهده الأطفال، بمعنى أن يكون دور التلفزيون هو الثانوي، وللأسف هناك العديد من الأهالي يغفلون هذه النقطة، نتيجة ضغوطات الحياة وانشغالهم فيها.
خالد جاويش: تهديد للقيم والأخلاق
يقول الدكتور خالد جاويش الأستاذ المساعد ببرنامج الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات إن الإعلان أحد العوامل القوية التي تعرف الطفل على السلع الموجودة في الأسواق والتي تؤثر على اتجاهاته وسلوكه الشرائي، ويرى أن هذه الإعلانات التي تخاطب الطفل لا تمثل أي تهديد للقيم الأخلاقية والدينية ويضيف أيضا بأننا لا نستطيع القول إن الإعلان يكون سلبيا أو إيجابيا ولا بد من دراسة كل حالة على حدة فيما يتعلق بتأثير الإعلان حسب نوعه ومضمونه ولونه وشكله ومدى ملاءمة مع الطفل
انتبهوا أيها السادة لفلذات أكبادكم
في لقاءات مع عدد من الأطفال خرجت من بين شفاههم الصغيرة معلومات خطيرة قد تقود المهتمين إلى دراسات عديدة لأنها كشفت أشياء يجب أن يراعيها أولياء الأمور خاصة عند متابعة هؤلاء الصغار للبرامج والرسوم المتحركة،، وليس القصد من الكلام هؤلاء الأطفال بعينهم لكن القصد مجرد تنبيه الآخرين. يقول الطفل عبدالله الكعبي البالغ من العمر خمس سنوات أحب مشاهدة برامج الرسوم الكرتونية فهي تعجبني كثيرا وخاصة قناة سبيس تون فهي تخدم جميع أنواع الرسوم.
وأشارت الطفلة ميرة خلفان في مرحلة رياض الأطفال إلى أنها تحب مشاهدة رسوم التوم آند جيري فيوميا تشاهدها قبل النوم وتقول لا أقدر أن أنام بدون مشاهدة الرسوم. وأحيانا أمي لا تتركني أشاهدها لأنها تأتي في وقت متأخر من الليل فأجلس وأعمل إزعاجا في المنزل حتى تتركني أشاهدها وأحيانا أقول لأمي لن أذهب إلى الروضة إذا لم تتركيني أتابع الرسوم.
ميثة الكعبي في الصف الثاني الابتدائي تقول إنها تحب مشاهدة التلفزيون كثيرا بشرط بعد الانتهاء من الواجبات المدرسية وأهم شيء أحب متابعته هو الإعلانات حيث تجذبني طويلا خاصة إعلانات رسوم باربي حيث أشاهدها في التلفاز وبعدها أذهب لشرائها من المحلات . وديمة إبراهيم في المرحلة الابتدائية تحب مشاهدة التلفاز بشكل كبير ويعجبها ملابس الشخصيات التي تشاهدها وتقول إنني أحب سماع أغاني الرسوم وتحفظها وترددها في كل مكان.
طرفة عبدالله في الصف الرابع الابتدائي تحب مشاهدة المسلسلات الخليجية وتقول أحس أن هذه المسلسلات مثل حياتنا وأحب الأطفال الذين يمثلون في هذه المسلسلات وأحيانا أجلس وأقلدهم وأتمنى أن أصبح مذيعة أو ممثلة.
الإعلانات تحول فكر الطفل من الإنتاج إلى الاستهلاك
ترى المذيعة في قناة دبي صفية الشحي التلفزيون له أثر كبير في التأثير على سلوكيات الطفل وثقافته وأسلوب تعليمه والإعلانات لها دور كبير تضع عند الطفل توجهه استهلاكي تحوله من منتج إلى مستهلك وكذلك أسلوب طرح الإعلانات
خاصة إن كان تمثيلي تدفعه إلى سلوكيات غير سوية والطفل عن طريق دراسات يقضي في الأيام العادية أيام الدراسة أربع إلى خمس ساعات
وفي أيام الإجازة من ثماني إلى تسع ساعات والطفل لا يتابع فقط الرسوم المتحركة فهناك أشياء أخرى تعرض على شاشات التلفزيون كالمسلسلات والأفلام وتؤثر عليه من الناحية الصحية تسبب في ضعف نظر الطفل عند الجلوس عليه لساعات طويلة وتؤثر فيه من حيث السلع التي يشاهدها في التلفاز وإن كان دخل الأسرة بسيطا يجبر الطفل أهله على شراء تلك السلع التي يشاهدها في التلفاز.
وأوضح الإعلامي سعود الكعبي أن الطفل في مرحلة الطفولة أي شيء ينظر يريده وكل شي يشاهدونه بالتلفزيون يقلدونه ويتأثرون به سواء سلبي أو إيجابي حاليا هناك أشياء تثقيفية للأطفال .كذلك يؤثر على الطفل من الناحية الدينية فمثلا أب يسأل ابنه من أين ينزل المطرد فيرد عليه ابنه إنه المارد الذي أنزل المطر وليس الله فهذا أكبر تأثير يؤثر على الطفل من الناحية الدينية ومنذ خمس سنوات تقريبا شاركت بمؤتمر في دولة قطر لحقوق الأطفال الإعلامية وشاركت به كمجموعة من دولة الإمارات وكان مؤتمرا ناجحا بشكلا كبيرا.
أما المذيعة منى خليل ترى أن الطفل كثيرا ما يتأثر بما يشاهده في التلفاز وهناك مشاهد يشاهدها فيها عنف على الطفل فيتعلم منها خاصة في الرسوم المتحركة وأطلب من الأهل أن تكون هناك رقابة على البرامج التي يشاهدونها وعلى القنوات الفضائية عرض أشياء مفيدة يتعلم منها الطفل ويستفيد منها مستقبلا.
ويقول المذيع محمد الأحمد إذا تكلمنا عن الواقع أنه لابد من القنوات الفضائية أن تعرض برامج تساهم في تنشئة الطفل لتصحح المعنى لديهم وهناك قنوات فضائية تخدم فئة من المجتمع وتساهم في تعلم مفاهيم مجتمعية ودورها تكاملي مع المستويات التعليمية للطفل.
رباب جبارة، مريم البدواوي



