يتناول المؤلف في هذه الحلقة من الكتاب علاقة الولايات المتحدة بالصين التي يشوبها الحذر من كلا الجانبين، ويشير إلى أن القيادة الصينية استغلت ما جرى بعد أحداث 11 سبتمبر في صرف الأنظار الأميركية عما تقوم به من تحديث وتطوير لقدراتها خاصة بعد انشغال الولايات المتحدة بعدوها الجديد المفترض، ولكنه يتساءل عن الحكمة من وراء قيام واشنطن باستعداء 2. 1 مليار مسلم ويرى أنها لا تستطيع أن تتحمل خصومة مع المسلمين والصينيين بتعداد سكاني يتجاوز 5. 2 مليار نسمة، أي عشرة أضعاف سكان الولايات المتحدة.

في مستهل الفصل الرابع يسجل المؤلف التصور التالي: واضح أن علاقات أميركا مع مسلمي العالم البالغ عددهم 2 .1 مليار إنسان علاقات يشوبها الاضطراب وتكتنفها المشاكل. ومع ذلك، فإذا ظلت مسيرة أميركا على هذا المنوال، فإن علاقاتها مع سكان الصين ويبلغ عددهم 3 .1 مليار إنسان في طريقها إلى أن تصادف بدورها نفس المتاعب والمشكلات، ثم يضيف الأستاذ محبوباني قائلا: من الناحية الاستراتيجية فمن الحماقة أن يضع 290 مليون إنسان (هم سكان أميركا) أنفسهم في خضم علاقة سلبية وفي موقف واحد مع مجموعتين من سكان كوكبنا يبلغ عددهم ما يقارب عشرة أضعاف حجم سكان الولايات المتحدة، وهم المسلمون وسكان الصين، ومن ثم فالأمر يحتاج بالضرورة إلى قليل من الحكمة، الحصافة، التروي، لكي يسري في أوصال السياسة الأميركية المعاصرة. والحق أن هذه السياسة افتقرت إلى مثل هذه الحصافة أو التروي بالنسبة إلى الصين، استغلتها أميركا عندما كان الأمر يوافق مصالح واشنطن، ثم أهملتها عندما لم تعد الصين تفيد مصالح أميركا وتم هذا كله في ضوء تصور يقول بأن بإمكان الأمة الأميركية الشابة التي لم يزد عمرها على قرنين من عمر الزمن تستطيع أن تعيد صياغة حضارة (صينية) عمرها 5 آلاف عام ويزيد، بل وتصوغها على مقاس أميركا ومعاييرها.

نظرة متناقضة... وهكذا، فعندما جاء عقد التسعينات، وكانت الصين على وشك أن تدخل مراحل أفضل من حياتها من حيث السلام وراحة المعيشة، وشعور الكرامة أو الجدارة، اختارت أميركا نفس الفترة لكي تكشف ومن ثم تندد بما وصفته بأنه سجل الصين في مجال حقوق الإنسان وكأنها مصممة على أن تصِّور الصين بوصفها نسخة عتيقة وتعيسة من الحقبة الشيوعية السوفييتية المنقضية وهكذا ظل أهل السياسة والثقافة الأميركيون يرددون سؤالاً متواصلاً في حفلات العشاء يقولون فيه: ترى، إلى متى تدوم أيام النظام الشيوعي في الصين؟ والغريب أن كان رفاقهم من أهل السياسة والثقافة الصينيين يرددون في نفس الحفلات إجابة لسؤال آخر يقول: ترى إلى متى يدوم استمتاعنا بالفترة الراهنة التي بدأنا فيها تذوق طعم السلام ويسر المعيشة. والمعنى ـ كما يوضح كتابنا ـ هو أنه فيما كان الأميركيون يرون في بكين نظاماً في طريقه إلى الانقراض، كان أندادهم في الصين يرون نفس النظام وقد استطاع تحقيق انجازات وضع بها الصين على مسار التاريخ بحيث تتبوأ مكانة جديرة بها بين أمم العالم.

ضرب السفارة ... هذا الفهم المغلوط من جانب أميركا لأحوال الصين، ما أسبابه؟ إنه لا يتمثل في نقص المعلومات، ولا في غياب العلماء الأميركيين المتخصصين في شؤون الصين - علم «الصينتولوجيا» كما يسمونه في أميركا. وكيف لأكبر مؤسسات الميديا في عالمنا وهي المؤسسات الأميركية - أن ترسم صورا خاطئة، ومبتورة ومغلوطة أمام جماهيرها عما يجري في داخل الصين. في هذا السياق، يسوق المؤلف نموذجاً للتدليل على الرأي الذي يذهب إليه، والنموذج عمره الآن نحو 8 سنوات ـ تاريخه بالتحديد هو 7 مايو عام 1999 ومكانه بالتحديد أيضا هو العاصمة اليوغسلافية بلغراد، وحوادثه تلخصت في أن الصواريخ الأميركية قصفت سفارة الصين في بلغراد وقتل بسببها 3 صينيين. يومها نظر الغرب إلى المسألة على أنها حادثة صغيرة وعارضة ومؤسفة ولكنها محدودة في غمار الحرب الأشمل التي كانت مشتعلة الأوار في منطقة البلقان، وهكذا كتبوا عنها يوماً أو يومين وما لبثوا أن أودعوها دفاتر النسيان. «لكن المشكلة أن معظم الصينيين لم ينسوها». هكذا يؤكد مؤلفنا ويضيف أن معظم أهل الصين الذين التقى بهم كانوا يؤكدون له قناعتهم بأن الحادث كان متعمدا وسابق التدبير. وكانوا يشيرون إلى دقة أجهزة الاستطلاع والكشف والتصويب والتسديد التي يحوزها الأميركيون لدرجة أن بوسعها تحديد معالم سيارة صغيرة بواسطة القمر الاصطناعي، فكيف أخطأت هذه الأجهزة في تحديد موقع السفارة الصينية؟ هؤلاء الصينيون كانوا مؤمنين بأن هذا الهجوم على سفارتهم كان يهدف إلى بث رسالة واضحة المعالم، بالغة الإيجاز تقول باختصار شديد: احذروا القوة الأميركية (أو احسبوا لهذه القوة كل حساب).

هنا يعلق المؤلف قائلاً بدوره: رغم أننا نعيش في عصر الشفافية المتنامية حيث تتاح المعلومات على أوسع نطاق وبأوضح أسلوب وفي أقرب اللحظات، فكيف يحدث سوء الفهم على هذا النطاق بالنسبة إلى فهم الأحداث وتفسيرها؟ إن الجواب البسيط يتمثل فيما حدث من فجوة خطيرة ومتسعة في إطلالة كل من شعب أميركا، وشعب الصين على العالم الذي نعيش فيه: الأميركيون يحبون أن يتصوروا أن ثمة سبيلا واحدا لا غير في الرؤية وفي السلوك هو رؤيتهم وسلوكهم، بيد أن المشكلة ليس هناك إجماع على نفس الرؤية أو نفس السلوك من جانب الفرقاء الآخرين.

طوق النجاة

على الجانب الآخر من القضية يرى مؤلفنا أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. جاءت بمثابة طوق نجاة للصين من مغّبة أي مواجهة كانت محتملة وطبعا منذرة بالأخطار بين كل من الصين والولايات المتحدة. فمع ربيع العام المذكور كانت علاقات الطرفين قد بلغت مرحلة خطيرة من التوتر الكئيب، وعندما كان المفكرون الأميركيون يطرحون فكرة التهديد بخطر محدق وشيك كانوا يركزون محور اهتمامهم على منطقة واحدة اسمها، الصين، لكن جاء خريف نفس العام لتحل محل الصين ـ كما أصبح معروفاً ومتداولاً ـ أسماء ومسميات من قبيل بن لادن، القاعدة، الإسلامويين، تصادم الحضارات، الإرهاب الدولي الخ. وما أسرع ما استخدمت الصين ذكاءها، وشطارتها وأقامت حساباتها على أساس استغلال تلك اللحظة بالذات كيما تثبت مدى فائدتها بالنسبة لمصالح أميركا. ورغم أن مثل هذا السلوك السياسي قد يؤتي ثمارا عديدة إلا أن المؤلف مازال يتوقع عقبات وحالات من سوء الفهم المستمر بين الطرفين في واشنطن وفي بكين على السواء، وهو يعزو هذه المشاكل إلى تلك الثقة المتأصلة والمزمنة في النفس التي يصدر عنها صانع القرار وراسم السياسة في أميركا.

لعبة الشطرنج

من هنا يصور المؤلف آفاق وآليات المنافسة بين الطرفين بأنها أقرب إلى لعبة الشطرنج المعقدة، وهذه اللعبة، أو بالأدق هذا التنافس على رقعة الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك) يستمد أصوله ومسبباته من مصادر عديدة توجزها سطور وطروحات هذا الفصل الرابع من الكتاب على النحو التالي:

أهم هذه المصادر كان اختلاف التجربة الوطنية على كل من ساحتي أميركا والصين، فالتجربة الأميركية سارت باستمرار على النهج الغربي بمعنى النهج المتبَّع في غرب أوروبا، وحتى عندما تعاطت مع التجربة دولة من الشرق الأقصى اسمها اليابان سواء في الحرب (العالمية) أو في تجارب التنمية والتطور، فقد دخلت اليابان في غمار هذه التجربة بعد مرحلة الإصلاح المعروفة في تاريخ اليابان الحديث باسم حقبة «ميجي في عام 1868» عندما قررت اليابان تحديث وتطوير حياتها فارتأت أن السبيل الأنجع إلى تحقيق ذلك هو محاكاة المجتمعات الغربية من أجل أن يتم قبولها في النادي الغربي« هكذا يؤكد مؤلفنا، وإن كان يضيف تصورا آخر يقول فيه: إن اليابان خاضت تجربة المحاكاة فكان أن نالت من ورائها ثمارا حلوة وثمارا شديدة المرارة أحيانا أخرى: طورت اقتصادا من الدرجة الأولى لكنها في غمار هذه العملية من المحاكاة، نسجت على منوال السلوك الامبريالي الغرب - أوروبي فكان أن اعتمدت ديناميات التوسع العسكري ومن ثم احتلال الدول المجاورة الأضعف وبعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية عاودت محاكاة النموذج الغربي في مجال إعادة تعمير وإصلاح ما دمرته الحرب ولكنها في الوقت نفسه طرحت صيغة مازال الغرب يعتنقها ومؤداها أن السبيل الأوحد للتطور، للتعمير، للتنمية هو أن تفعل ما يفعله أهل الغرب في أوروبا وأميركا وأن تحاكي ما يطرقونه من سبل وما ينهجونه من سلوكيات.

لكن الصين اختارت ألا تفعل ذلك. ولهذا نجمت المشاكل بينها وبين أهل الغرب، في أميركا على وجه الخصوص، مازالت الصين تصدر عن إحساس عميق مستمد من تاريخ طويل وحضارة راسخة الأسس وضاربة الجذور في أعماق الزمن البشري. وقد يلفت نظر الباحث والمؤرخ والسياسي أنه رغم التاريخ الطويل والحضارة العريقة إلا أن الصين لم يسجل ضدها تجارب امبريالية واسعة النطاق أو محاولات توسعية إلى خارج الحدود، وقصارى الأمر أن الصين في ذروة مجدها القديم إبّان حكم أسرة «تانغ» الإمبراطورية في القرن الثامن الميلادي كانت تكتفي بأن يعترف هؤلاء الجيران علنا أن هذه الإمبراطورية - المملكة الوسطى كما كانوا يسمونها هي «مركز الكون»، وهكذا لم يتعين على الصين ـ على نحو ما فعلت اليابان ـ أن تتبنى نزعة العسكرة أو التوسع الاستعماري أو العنف السلوكي.

والمشكلة أن دوائر الفكر السياسي والاستراتيجي في الغرب مازالت على تصوراتها الموروثة بأن أي دولة تتطلع إلى مكانة الشريك الأكبر في عالم اليوم لابد وأن تتبع تلقائيا النسق أو النموذج الأوروبي ما بين النزعة العسكرية إلى الاستعلاء الوطني (وربما العرقي أحيانا) ومن ثم الدخول في تجارب تجسد الاستعمار القديم أو تومئ إلى شكل من أشكال الاستعمار الجديد.

التهديد الصيني

وفي ضوء هذا النمط من التفكير، جاء تصوير الصين على أنها التهديد المتوقع لهيمنة الغرب على مقاليد عالم اليوم، وهذا النمط تمت ترجمته ـ كما يوضح مؤلف الكتاب على الشكل التالي (ص101): إذا ما أحرزت الصين نجاحا فلسوف تدخل في منافسة عسكرية بالغة الشراسة مع أميركا، وعليه فالأمر يقتضي خططا وتدابير ترمي إلى قطع الطريق على الصين قبل أن تتحول إلى غريم عسكري قوي بالنسبة للولايات المتحدة (بما في ذلك دعوات تضغط من أجل تطبيق الديمقراطية في هونج كونج وفي تايوان وتهدف بالذات إلى إحراج القيادة في البر الصيني أو إلى نشر ما يمكن نشره من توترات وربما قلاقل أمام الزعامات الحاكمة في العاصمة بكين).

وفي كل حال يدعو المؤلف إلى مزيد من التعمق والتأني الصبور إلى حد التأمل من أجل فهم دواخل وكوامن الأمور في الصين حيث تراكمت، كما يقول، مواريث من الحكمة والخبرة على مدى مئات السنين، وبما يعادل في رأيه مواريث الحكمة التي تضمها حاليا جدران الفاتيكان كمحصلة للتجربة الكاثوليكية التي يكاد عمرها يتوازى مع قرون التاريخ الميلادي المعمول به في العصر الحديث.

هذه الحكمة السياسية هي التي تفسر قدرة الصين على تحقيق قدر لا يستهان به من الاستقرار في زماننا الراهن، ولاسيما بعد ثورة 1949 وإنشاء نظامها الشيوعي بقيادة زعيمها ماوتسي تونغ. ورغم ما اجتازته الصين من أحداث وتحولات خطيرة من طراز «القفزة الاقتصادية« أو الثورة الثقافية أو حكم عصابة الأربعة، فقد وصل وزير خارجية أميركا الأسبق، الدكتور كيسنجر في غمار توابع الزلزال السياسي الذي أعقب الثورة الثقافية، ولكن الذي استقبله في العاصمة بكين كان رجلان من أشد زعاماتها هدوءا ورصانة ورباطة جأش وتطلعا إلى المستقبل، وفهما لتطورات الأحداث، كان أولهما شوين لاي المفكر والسياسي والمثقف وكان الثاني دنغ شياو بنغ، رئيس الحزب الذي قاد الصين إلى انفتاح التحديث منذ الثلث الأخير من القرن العشرين.

يعلق المؤلف على ذلك قائلا: في الصين يأتي القادة ويذهبون، ولكن الحسّ السياسي الذي طورته الصين في التعامل مع العالم الخارجي هو العامل المتواصل، لأنها استطاعت تشكيله وتنميته عبر العديد من القرون. وإذا كان زعماء الصين قد راعوا الكتمان أو اللياقة أو الكياسة، فالحق أن راودهم شعور لم يعلنوه ولكنهم اقتنعوا به عندما طرق الأميركيون الأبواب خارج سور الصين العظيم، وبعدها وصلوا عند الأبواب وهنا كان أهل الصين يقارنون ظهور الأميركيين بقدوم وظهور أفواج بغير حصر من البرابرة الذين طرقوا في الماضي أبواب الصين،وبعد دخولهم تم استيعابهم بين آليات الحضارة الصينية.

في المقابل - يقارن المؤلف سلوك الأميركيين قائلا إنه أقرب إلى تصرفات محدثي النعمة - أثرياء الحرب كما قد يقال. وعندما يسمح لواحد من هؤلاء بالانضمام إلى عضوية النادي الأصيل العريق في المنطقة التي يسكنها، يدخل إلى الباب ملوحا بما يملكه من أموال وما يحتكم عليه من عقارات وما يرتديه من فاخر الثياب، وهو يعلن عن هذا كله، ولكن دون أن يشغل نفسه بالأهم والأكثر مدعاة للاحترام، بأن يتعلم القواعد المرعية والقيم السائدة والمعايير الراقية المعمول بها داخل جدران النادي العريق (ص106).

نفس المقارنة يعقدها المؤلف أيضا بين السياسة الخارجية في الصين وفي أميركا إن السياسة في بكين يمكن تقصّي حركتها ويمكن التنبؤ بمساراتها ولو إلى حد ما، وخاصة إذا ما توافرت المعارف العميقة بحضارة الصين وأساليب تفكيرها، لكن السياسة في أميركا ـ يضيف المؤلف ـ تستعصي على التنبؤ في كثير من الأحيان، لماذا؟

يجيب كتابنا قائلا: لأنها محصلة لتشكيلة معقدة من العوامل والعناصر الفاعلة: ما بين جماعات المصالح وما بين تيارات الرأي العام وتحيزّات الميديا الإعلامية ثم الديناميات المتغيرة لنفسيات واتجاهات جموع الناخبين.

قوة الرئيس

هناك أيضا ـ وتلك نقطة نحسبها للمؤلف بحكم ما نراه من أهميتها الفائقة في فهم المشهد الأميركي الراهن وتتعلق هذه النقطة بقدرات الرئيس الأميركي، أي رئيس يضعه الناخبون في المقعد الأول بالمكتب البيضاوي الشهير بالبيت الأبيض.

يصفون الرئيس الأميركي بأنه أقوى رجل في العالم، ومعهم الحق إلى حد كبير، لكن هذا الرجل، القوي جداً لا يستطيع أن يغير كثيرا من معطيات وتقاليد وأوضاع السياسة الداخلية في بلاده، لا من حيث آليات الانتخاب ولا النظام الحزبي ولا ضغوط لوبي المصالح هنا أو هناك ولا علاقات الإدارة الحاكمة (التنفيذية) مع السلطة التشريعية (الكونجرس) وكل هذه السلطات خاضعة ـ كما هو معروف ـ لقاعدة تبادل المراجعة والرقابة ودقة التوازنات.

ماذا يفعل الرجل الأميركي القوي إذن؟ إنه يستطيع بكل تأكيد أن يغير الكثير، ولكن في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة. يضيف المؤلف قائلا: هنا تكمن قوة الرئيس الأميركي، هنا لا تقف في طريقه كوابح أو قيود إزاء قدرته في التعامل مع مجتمع العالم الخارجي، بل تتجلى هذه القدرة على تغيير المسار في العلاقات الدولية بأكثر ما يستطيع أن يفعل في مسارات السياسات الداخلية حيث يتمتع مجلسا الشيوخ والنواب بقدرات أوسع وتأثيرات أعمق.

من هنا فلابد لهذه القدرة على تغيير المسارات الخارجية أن تتسلح بالوعي والتريث عندما يتعلق الأمر ببلد كبير في حجم وأهمية الصين. لقد ظلت آلات الدعاية والسياسة في أميركا تندد بالصين وحزبها الشيوعي الحاكم على مدار سنوات طويلة امتدت منذ منتصف القرن العشرين، ولكن الحزب الشيوعي في الصين أثبت ـ في رأي المؤلف - قدرته على الاستمرار لأنه أنجز عملية من التجديد والتقييم والنقد الذاتي لدرجة أن يطلق عليها المؤلف الوصف الدقيق التالي: إنها عملية «اعادة اختراع الذات». ولهذا يرفض المؤلف ـ ناصحا أو محذرا، تصورات الأميركيين بإزاحة الحزب الشيوعي عن مقاليد الحكم في الصين، بل يصل مؤلفنا - من باب الواقعية السياسية كما نتصور - إلى أن يقول (ص119): صار من الصعب على العقل الأميركي أن يدرك أن الحكم غير الديمقراطي للصين، ربما أدى مهامه وقام بدوره على نحو أفضل مما كان يمكن أن يؤديه نظام ديمقراطي يأتي قبل الأوان (أو قبل أن تكون البلاد على استعداد مؤهل لاستقباله واتباع قواعده).

ديمقراطية الصين

نبادر من جانبنا إلى تعليق يفيد بأن الصين ربما تكون قد اصطنعت نوعا من الديمقراطية الذي يتفق مع تقاليدها وأعرافها ويلبي مصالح المئات من ملايين سكانها من دون أن يحاكي هذا النمط من الديمقراطية النهج الغربي أو ينسج بالضرورة على المنوال الأميركي بكل ما أنجزه من إيجابيات ولكن أيضا بكل ما يجسده واقعيا وعمليا من سلبيات ولو اتبع الحزب الحاكم في الصين سبيل الانضباط في القواعد والنظم التي يطبقها، ولو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لتكاملت له القدرة ـ في رأي الأستاذ محبوباني ـ على أن ينافس أو يضاهي أميركا ذاتها في إنتاج نخبة (رصينة) تموج بالحيوية وتتميز بقدرة التجدد ومَلَكة الإبداع.

وعند ختام هذا الفصل ـ الصيني كما قد نسميه ـ يُزجي مؤلفنا نصائحه إلى القائمين على أمر النظام العالمي الراهن قائلا إن من شأن نهاية مباغتة لحكم الحزب الشيوعي في الصين أن تفضي إلى نتائج كارثية ومؤلمة، سواء لشعب الصين ذاته أو لشعوب المنطقة (جنوب شرقي آسيا، والشرق الأقصى) بل وللعالم ككل، وعلى أميركا، بوصفها القطب المؤثر في عالمنا، أن تلجأ في التفكير والتدبير إلى اتباع أهم نهج موروث تناهى إليها من تاريخها واسمه البراغماتية ـ تلك النزعة العملية التي تطل على العالم من منظور الواقعية السياسية، وليس من منظور التعصب الأيديولوي المنغلق.

ولقد نلمح في هذا السياق نوعاً من النقد الذي يوجهه المؤلف إلى فصيل المحافظين الجدد وربما يكون رأينا صائباً، خاصة وأن الأستاذ محبوباني يتحول إلى مناقشة طبيعة القوة الأميركية على ساحة العالم بأسره وهو موضوع الفصل الخامس من هذا الكتاب.

عرض ومناقشة: محمد الخولي