غالبا ما تتناول وسائل الإعلام التطورات التي تحصل على مستوى العالم، ولكنها لا تُقدم دائما على سبر غور القضايا الأساسية التي تقف وراء هذه التطورات، الأمر الذي يُبعد في أحوال كثيرة الولايات المتحدة عن دائرة الشكوك. ويأتي الصراع الدموي الأخير في الصومال كمثال كلاسيكي على التغطية الإعلامية للأحداث العالمية.
في تناولها للمشهد الصومالي، ينحصر مجمل تركيز وسائل الإعلام الأميركية حتى الآن على تنامي قدرة الحركة الإسلامية في الصومال والمساعدة الأميركية «الخفية» للغزو الإثيوبي الذي عضد من مركز الحكومة الانتقالية الصومالية ضد الحركة الإسلامية التي هي أقوى عتادا وتجهيزاً من تلك الحكومة.
غير أن ما ينبغي لوسائل الإعلام التركيز عليه هو إحدى القضايا الرئيسية التي تقف وراء ما يجري من فوضى على الساحة الصومالية، ألا وهي التدخل الحكومي الأميركي في الشأن الصومالي. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تملك الخوف من إدارة بوش من أن يؤدي غياب وجود حكومة قوية في الصومال إلى تحويل هذا البلد الأفريقي الصغير الذي يقل في مساحته عن مساحة ولاية تكساس الأميركية إلى مأوى للإرهابيين.
وقد تجاهلت الحكومة في واشنطن في هذا الصدد حقيقة أن هناك دولا أخرى لديها حكومات أضعف من حكومة الصومال لم تتحول أراضيها إلى مأوى للإرهابيين. وحتى في حال أن تحولت الأراضي الصومالية إلى مأوى للإرهابيين فإن هؤلاء الإرهابيين من المستبعد أن يقوموا بمهاجمة دولة بعيدة كل البعد عنهم مثل الولايات المتحدة لاسيما في ظل عدم وجود أي استفزاز أميركي لهم.
ونتيجة للخوف غير المبرر للإدارة الأميركية، بدأت واشنطن في دعم قادة الحرب الصوماليين الذين لا يتمتعون بأي شعبية في هذا البلد الذي قطعت أوصاله الحروب. ومن هنا بدأت المشكلة الحقيقية. لم يكن المتشددون الإسلاميون في الصومال يتمتعون بتأييد شعبي حتى أدرك الشعب الصومالي أن هناك قوى خارجية تدعم تجار الحروب الفاسدين من زعماء القبائل.
ومن هنا بدأت شعبية الحركة الإسلامية التي مكنت الإسلاميين من الاستيلاء على جزء كبير من أراضي البلاد. وباختصار فإن الحكومة الأميركية ساعدت على خلق مشكلة لم تكن موجودة في الأصل مع المتشددين الإسلاميين.
و في نواح كثيرة منه، يعد المشهد الصومالي تكرارا لعمليات التدخل الأميركية المريعة على مر التاريخ في شؤون الآخرين، وهي التدخلات التي أتت بعكس النتائج المرجوة منها. إن الصومال يمثل الحلقة الثالثة بعد أفغانستان والعراق في مسلسل التدخلات الأميركية في شؤون الغير.
لقد أضعف الغزو الإثيوبي المدعوم من قبل أميركا من قدرة العناصر المسلحة الإسلامية في الصومال، غير أن تلك العناصر لا تزال تقاتل بكل قوة من أجل السيطرة على العاصمة مقديشو. وكما هي الحال في العراق، فإن كل ما يحتاج إليه المسلحون الصوماليون هو أن يصمدوا حتى يستنفد المحتل الأجنبي قوته ويرحل.
وعندما يحدث هذا الأمر ستتمكن تلك الجماعات من أن تكون القوة السياسية المسيطرة في البلاد التي ستجني لاحقا ثمار ما أبدته من مقاومة «بطولية» للمحتل الإثيوبي البغيض والمستفيدون من ورائه من الأميركيين. إن التجارب الأميركية في الصومال وأفغانستان والعراق
يجب أن تُعلم خبراء السياسة الخارجية والشعب الأميركي درسا مفاده أن التدخل الأميركي في شؤون الغير لا يأتي إلا بنتائج عكسية. غير أن وسائل الإعلام الأميركية تساعد الحكومة الأميركية على إخفاء أخطائها ومن ثم فإنها تعود إلى ارتكاب الأخطاء نفسها مرات ومرات.
ترجمة: حاتم حسين عن: إنفورميشن كليرينج هاوس