على نحو ما سلّم كارل ليفن رئيس لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، مؤخراً، فإن الكونغرس لن يقوم بوقف تمويل الحرب في العراق، حتى وإن استخدم بوش حق النقض ضد كل جدول زمني ديمقراطي للانسحاب. ستستمر الحرب، بدعمٍ من الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.

إذا كان زعيم الأغلبية ريد لا يستخدم الخداع بشأن تهديده بالتصويت مع رأس فينغولد لوقف التمويل، فإن هاري سيتم تجاوزه من قبل تحالف من الحزبين يتألف من عشرات الأعضاء من حزبه. ذلك أن الديمقراطيين يتذكرون عواقب القيام بالتصويت لوقف تمويل حرب فيتنام،

والتي قام كل من جون فيتزجيرالد كيندي وليندون بانيس جونسون بإغراق الولايات المتحدة فيها. أياً كان ما يعتقده الأميركيون إزاء حرب ما، فإنهم ليسوا متسامحين عندما يتعلق الأمر بمن يُنظر إليهم على أنهم تخلوا عن الجنود أو ضمنوا الهزيمة.

هذا هو ما يتلاعب به الديمقراطيون اليوم. لذلك بدأ الحزب الجمهوري بالضغط على نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، بعد جولتها الخاطفة في الشرق الأوسط، لإعادة زملائها الذين ذهبوا لقضاء العطلة في واشنطن وتمرير اعتماد مبلغ 100 مليار دولار للجنود والحرب.

لا تهمنا درجة جموح هاري ونانسي، فالكونغرس الذي يقودانه سيمنح بوش ما يريده بالضبط. والاقتراع النهائي لتمويل الحرب، من دون أي شروط، سيُنتزع من الحزب الديمقراطي الذي تؤيد قاعدته الجماهيرية انسحاباً سريعاً إن لم يكن فورياً.

وهكذا فإن الكونغرس الديمقراطي يواجه الآن تراجعاً مذلاً، وكل ذلك بسبب اقتراع مجلس الشيوخ الذي كان يسوده الديمقراطيون في أكتوبر 2002، بما في ذلك موافقة توم داشل، وريد، وهيلاري كلينتون، وجون كيري، وجون إدواردز، وجو بايدن، كريس دود، لمنح جورج بوش الضوء الأخضر لخوض الحرب.

لو كنت أعرف في حينه ما أعرفه الآن، ما كنت اقترعت للحرب قط، هكذا يؤكد لنا جون إدواردز في معرض الحديث عن أهم اقتراع شارك فيه هو وهيلاري وبايدن ودود على الإطلاق، وهي الأصوات التي ضمنت أن أميركا سترتكب الخطأ الاستراتيجي الأعظم طوال حياتهم.

هذا لا يعني إعفاء بوش من ذنب ما سيطلق عليه المؤرخون بالتأكيد «حرب بوش»، أو المحافظين الجدد الذين رفعوا أصواتهم عالياً منادين بالحرب على العراق منذ اللحظة التي هاجمت فيها الطائرات البرجين، والذين حاكوا المؤامرات وقاموا بدعايات للحرب على العراق قبل أعوام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

غير أن الشجاعة الديمقراطية في أكتوبر 2002 ربما كان يمكن أن توقف هذا التدافع، ذلك أن الديمقراطيين كانوا الأمل الأخير والأفضل لخصوم الحرب. ولكنهم خذلوا الأمة. وما تلقته لم يكن سوى اقتراع من أجل «نسيان القضية» لذلك فإن الديمقراطيين بمقدورهم التركيز على الاحتفاظ بمجلس شيوخ، كانوا قد فقدوه على أي حال.

والآن وبما أننا اجتزنا العام الرابع في حرب دامت أطول من الحرب بين الولايات أو الحرب العالمية الثانية، كيف يبدو بيان حساب الربح والخسارة؟ على الجانب الرابح، تم تحرير العراق من صدام حسين وحزب البعث اللذين اضطهدا العراقيين ونشرا الإرهاب فيهم على امتداد عقود. مات صدام،

ونال معاونوه جزاءهم ، ولن يتولى أحد منهم السلطة مجدداً. أصبح الأكراد أحراراً. وحُرر الشيعة من اضطهاد صدام لهم. غير أن ثمن التحرير يتمثل في عشرات الألوف من القتلى العراقيين، عُذب كثير منهم وقتلوا من قبل أقربائهم، وأمة مدمّرة، وحرب أهلية طائفية، وجود القاعدة في الأنبار، لجوء مليوني عراقي إلى المنافي، فرار العراقيين المسيحيين، الانقسام المحتمل للأمة، وعودة العراق إلى وضع الدولة الفاشلة.

وبالنسبة إلى أميركا فإن النتائج كانت هائلة، عندما يأخذ المرء في الاعتبار أن هذه الحرب، في ضوء قياسها بالضحايا الأميركيين، لم تكن حرباً كبيرة. لقد فقدنا 3300 قتيل و25 ألف جريح، ولا تبدد للنزيف في نهاية الأفق. والتعاطف العالمي الذي حظيت به أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبح شيئاً ينتمي إلى الماضي. إن أميركا يستبعدها حلفاء قدامى ويتم ازدراؤها حول العالم. وسمعتنا ملطخة بأحداث أبو غريب وغوانتانامو والحديثة.

كما أن تكاليف الحرب المادية تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، ومليارات الدولارات الأخرى قبل أن تنتهي. إن الجيش الأميركي «في سبيله إلى الدمار» أو أنه «مدمر تقريباً»، وذلك اعتماداً على ما إذا كان الفرد يتفق مع رئيس هيئة أركان الجيش السابق أو كولن باول.

إن وضع أميركا في الشرق الأوسط معرض للخطر كأقصى ما كان معرضاً له في الحرب الباردة، مع اتهام العاهل السعودي لنا بأننا أقدمنا على «احتلال أجنبي غير شرعي» للعراق، والشعوب العربية تعلن مقتها المنتشر كالوباء لأميركا. معظم الأميركيين يتجرعون مرارة نظرة العالم لنا اليوم، في ضوء التضحيات التي قدمناها على امتداد 60 عاماً لضمان أن الحرية لم تمت وأن العالم سيصبح مكاناً أفضل.

ولكن الامتنان لم يكن مطلقاً، وهذا ما يتفوق به الجنس البشري. غير أنه إذا لم نحظ بحب العالم، وزالت الإمبراطورية الأميركية، فهل يمكننا القول إننا نوفّق في التخلص منه؟ ربما أصبح لزاماً ان يوجه الشكر لبوش لقيامه بإظهار أن الأمر لم يكن يستحق عناء القيام به ولقيامه بعزلنا عن العالم.

ترجمة: كوثر علي عن«أنتي وور»