أجرت صحيفة «الباييس» الاسبانية، مؤخرا، حوارا مطولا مع رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو تطرق فيه إلى العديد من الملفات الساخنة على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية لكنه ركز على العلاقات الاسبانية- الأميركية، التي اعتراها خلل كبير إثر قرار رئيس الحكومة الاسبانية سحب قوات بلاده من العراق عشية وصوله إلى سدة الحكم،
الأمر الذي ألقى بظلال قاتمة على علاقة الرئيس بوش بثاباتيرو لا تزال قائمة حتى الآن، كما ركز على طبيعة علاقات بلاده بدول الجوار واعتبرها أولوية مطلقة في السياسة الخارجية الاسبانية وعرج بالطبع على هموم الاتحاد الأوروبي، وخصوصا فيما يتعلق بالعقبات التي تواجهها عملية إقرار الدستور الأوروبي من قبل مواطني بلدان الأعضاء المنضوين تحت لوائه.
وفيما يلي جانب من الحوار:
* على ضوء العلاقات المتعثرة بينكم وبين الرئيس الأميركي جورج بوش والتي أثارت وتثير حالة واسعة من الجدل في هذا الوقت بالذات، يبدو من غير المجدي سؤالك حول إمكانية اللقاء مع الرئيس بوش، مع أنكم تقولون دائما إن العلاقات الثنائية تمضي قدما رغم كل ذلك. لكن للإشارات والرموز أهميتها أيضا في السياسة الخارجية؟
ـ كنت منذ وقت قصير مع الرئيس بوش أثناء قمة «ريغا» وعلي الاعتراف بأنه في نهاية المطاف كان لطيفا وودودا إلى حد كبير معي وأنا أقول ذلك بأقوى نبرة إيجابية ممكنة. لكن ذلك لا يلغي بالطبع أنني اتخذت قرارا، تمثل في تلبية رغبة غالبية الشعب الاسباني أخيرا : سحب القوات من العراق. إذا كان ذلك القرار ـ الذي هو أصل عدم إقامة علاقة ولا عقد لقاء مع الرئيس بوش ـ هو السبب،
فإنه سبب ديمقراطي وعادل بكل ما للكلمة من معنى وبالتالي فإنه لا يمثل أي مشكلة. لقد قرر الرئيس بوش الإبقاء على ذلك الموقف جراء القرار الذي اتخذته. حسنا، أنا أحترمه. لكن العلاقات بين البلدين لم تتأثر بذلك. ربما كان هناك صعوبة في ذلك اللقاء. لكن إذا عقد مؤتمر صحافي وسألونا عن العراق، فإن ذلك لن يكون بالوضع السهل لا بالنسبة لي ولا بالنسبة له. أو بالأحرى ربما يكون من المناسب أكثر ألا نعقد مثل ذلك اللقاء.
* أوروبا ، أميركا اللاتينية والمغرب هي تقليديا محاور السياسة الخارجية الاسبانية. لكن ماعدا المغرب، حيث تحسنت العلاقات، فإن الحضور الاسباني يبدو غير ملحوظ في بقية المناطق المشار إليها...
ـ ما هي وسائل تقويم أي عمل خارجي؟
من وجهة نظري هي على الشكل التالي: أولا، العلاقة الجيدة مع بلدان الجوار، الأمر الذي يعد أولوية مطلقة. وهنا يمكن القول إنه لا توجد علاقة أفضل من تلك العلاقة التي تجمعنا اليوم مع فرنسا والبرتغال والمغرب.
والمغرب بلد على قدر كبير من الأهمية من وجهة نظر سياستنا الخارجية وذلك لأسباب يعلمها العالم كله، وبالتالي فإن الشرط الأول لسياسة خارجية ناجحة يكون قد تحقق وهو حسن الجوار. في المقام الثاني، قمنا بتحسين موقع اسبانيا بشكل ملحوظ في الإيبرو ـ أميركا ووجهة النظر حول اسبانيا التي تمثل هذا المشروع السياسي تقوم على فكرة اسبانيا منفتحة ومتضامنة بصورة واضحة.
وسيكون من السهل إجراء استطلاع للرأي بين الحكومات والمجتمعات المدنية.. سهل بصورة مطلقة. ذلك أن لإسبانيا قدرة كبيرة اليوم على مد الجسور مع البلدان الإيبرو-أميركية في الميدان السياسي. ثالثا، تحاول السياسة الخارجية فتح ميادين جديدة للتأثير والعلاقة والحضور في الميدانين السياسي والاقتصادي. ولماذا تتمتع اسبانيا بتلك الإمكانية؟ لأننا نقوم على الصعيد الاقتصادي بشق طريقنا في آسيا ، حيث لم نكن موجودين عمليا وذلك بمبادرة متينة في كل من الصين والهند واليابان.
* على ضوء الوضع الذي أعقب الاعتداء الذي نفذته منظمة «إيتا» في «باريخاس»، ألا يبدو لك أنه كان من الخطأ عدم استغلال فرصة التوصل إلى اتفاق كبير مع حزب التقارب ( سي آي سي)، على أساس الانتخابات الكتالونية الأخيرة، في كل من مدريد وبرشلونة من أجل تأمين استقرار الحكومة لمدة سنتين أو حتى لمدة ست سنوات؟
ـ لقد حقق الحزب الاشتراكي استقراراً برلمانياً سهلاً وهناك إمكانية قوية جدا للحوار والاتفاق مع مجموعات برلمانية كثيرة. وجميعها يستحق من وجهة نظري أسمى آيات التقدير والاحترام وخصوصا حزب التقارب. لكن يجب ألا يستبق أحد المستقبل، لأنه أمامنا دعوة لانتخابات عامة في عام 2008 المقبل.
* ربما كانت تلك مهمة تاريخية أيضا ضمن رؤية اسبانيا القائمة على التعددية وضم القوميين المعتدلين إلى الحكومة.
ـ نعم. فما تمثله الحكومة الإقليمية في اسبانيا يجب أن يصوب النظر دائما إلى القوى القومية الديمقراطية، التي تتمتع بحضور واسع وخصوصا في إقليمي كتالونيا والباسك. وأنا كنت لأقول أمرا أكثر من النظرة، أليس كذلك؟ نظرة وعلاقة وثقة قادرة في لحظة ما على التعبير عن نفسها حتى من خلال الحضور داخل الحكومة الاسبانية، صحيح أن ذلك لم يحدث قط، لكني لا أستبعده في المستقبل.
* هل تشعر بأنك قادر على إحداث اختراق في ذلك الوضع؟
ـ ليس لدي اعتراض على ذلك الوضع، رغم أنه يتعين علي القول إن الحزب الاشتراكي يتطلع إلى الحصول على أغلبية واسعة في الانتخابات المقبلة. وذلك لا يشكل جزءا من البرنامج ولا من التزامنا، لكننا لا ننكر على أنفسنا احتمال حدوثه.
* مرات كثيرة ساد انطباع بأن وقف إطلاق النار من جانب «إيتا» قد امتص الكثير من اهتمام الحكومة ورئيسها بالتحديد وبأنه على أساس ذلك ربما أهملتم ميادين أخرى فيما راحت تتقدم قدما عجلة ارتكاب الأخطاء. وباعتقادنا أن هناك مثلا بارزا على هذا الصعيد ويتمثل في ترشيح الحزب الاشتراكي لبلدية مدريد.
ـ أكبر وقت كرسته للعمل الحكومي كرئيس كان للجوانب الاقتصادية والاجتماعية، لأنها أهم جزء في برنامجنا الحكومي ، أما مسألة الترشح لبلدية مدريد فلقد كانت عملية شاقة.
ـ لا يبدو أن موافقتنا المبكرة على الدستور الأوروبي قد أعطتنا نفوذا في الاتحاد الأوروبي في ظل لحظات التشابك الدستوري هذه...
ـ السياسة الاسبانية حيال أوروبا هي سياسة خارجية ناضجة، قائمة بصورة عملية والخطوات التي يخطوها الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز وحدته السياسية سوف تتوقف على الجميع، وليس على بلد بعينه وليس على قيادة بعينها.
لكن بلدا مثل اسبانيا يمد الاتحاد الأوروبي بالاستقرار، لأنه كان قادرا على إجراء استفتائه. إلى جانب ذلك فإنه إذا كان هناك من أمر وسم السياسة الخارجية، فإنه من المؤكد أنه بالنسبة لبعض النقاد ليس عنصر التقويم لكنه بالنسبة لأحد يمثل مشروعا اشتراكيا فهو الدفاع النشط عن السلام وزيادة المساعدات التنموية.
وفي هذا السياق فإن الأمم المتحدة تأخذ اسبانيا كمثال يمكن أن تحذو حذوه بلدان كثير، لأننا ضاعفنا التزامنا في موضوع المساعدات التنموية وقمنا خلال الأشهر الأخيرة بالمساهمة بمبلغ 250 مليون يورو دفعة واحدة في خطة التطوير التي تتبناها المنظمة الدولية.
بالنسبة لي، فإن ذلك يشكل جزءا من أولويتنا في السياسة الخارجية. لكني أشدد على أن ذلك ربما لا يحظى بأي قيمة لدى بعض النقاد. كما أني أرى أن لمسألة تمكن اسبانيا من أن تكون خلال وقت قصير البلد الذي يتقدم بخطوات ثابتة وبأسرع وقت لأن يصبح أكبر مانح للمساعدات التنموية هو قيمة أخلاقية سامية جدا.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الباييس» ـ اسبانيا