منذ ألفي عام، استطاع الجنود الرومانيون ضم أراض شاسعة تمتد من بريطانيا إلى أثينا ومن نهر الراين إلى شبه الجزيرة الأيبيرية. وقد استطاعت أوروبا أن تنجو من حروب مدمرة كثيرة ولم تقف الأمور عند ما تعرضت إليه الإمبراطوريات من فناء ودمار، حيث تغلبت القارة على ديكتاتورية الطغاة وعلى فظائع النازية وفي الوقت ذاته استطاعت أن تعيش عصر النهضة وتغرس بذور الديمقراطية. لقد كانت أوروبا مهد الأفكار النبيلة الخاصة بعصر التنوير والعلوم الإنسانية، وهي العلوم التي شكلت أساس الحضارة الأوروبية.

لقد كان مؤسسو حركة أوروبا المتحدة يحلمون ب«رخاء واستقلال وسلام قارتهم». وكانوا محقين في تخيلهم واستقرائهم للمستقبل، حيث كانوا يدركون أن الأمن والرخاء أمران لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. غير أن انتهاء الحرب الباردة كان الخطوة التي أوجدت الظروف الحقيقية لإنجاز فكرة توحيد القارة داخل اتحاد واحد. لقد كانت تلك الفكرة هي ثمرة السلام التي تمخض عنها انهيار سور برلين. إن خيار الشعب الروسي في أوائل فترة التسعينات لم يوسع دائرة الحرية في القارة فحسب، وإنما حدد الطريق إلى مزيد من الاندماج الأوروبي.

في نواح كثيرة يتبين أن هذا الخيار قررته المسيرة التاريخية لروسيا. فمن منطلق الروح والتاريخ تعد روسيا جزءا لا يتجزأ من الحضارة الأوروبية. فشعبنا قدم مساهمات لا يمكن حصرها في تطور القارة الأوروبية.

إن التاريخ والعلاقة التي تربط بين روسيا وأوروبا يقومان على التأثير والفائدة المتبادلة. فمدينة سانت بطرسبرج، مسقط رأسي، أضحت عاصمة شمالية رائعة بفضل مهندسين وفنانين جاءوا إليها من أوروبا الغربية. لقد قاوم شعب هذه المدينة الحصار الذي فرضته عليه قوى فاشية أثناء الحرب العالمية الثانية لمدة 900 يوم، حيث نجحت في مقاومة أيديولوجيا بربرية معادية لكل ما هو أوروبي. وشاركت روسيا في كل انتصارات ومرارات أوروبا. وقد لعبنا مرتين دورا حاسما في إفشال محاولات توحيد أوروبا بالقوة، كان آخرها أثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يكن المشروع الأوروبي اليوم ليستمر لولا ما قمنا به.

واليوم وفي إطار سعينا لبناء دولة ديمقراطية ذات سيادة، فإننا نتقاسم مع أغلبية الأوروبيين قيمهم ومبادئهم. إن احترام القانون الدولي ورفض مبدأ القوة في تسوية المشكلات الدولية واحترام تعزيز المبادرات الأوروبية المشتركة على مستوى السياسات الأوروبية والعالمية هي كلها عوامل توحدنا جميعا. وخلال عملنا في الأمم المتحدة وأثناء قمة مجموعة الثماني وفي المنتديات والمحافل الأخرى، فإننا نشعر دائما بأننا نتقاسم رؤية مشتركة نحو العالم.

إن وجود أوروبا متحدة ومستقرة ومزدهرة هو أمر يصب في مصلحتنا. فالاندماج الأوروبي هو جزء لا يتجزأ من النظام العالمي الناشئ المتعدد الأقطاب.

إن تطوير صلات متعددة الأشكال مع الاتحاد الأوروبي هو خيار روسيا المبدئي. وفي المستقبل المنظور ولأسباب واضحة يعلمها الجميع، ليست لدينا نية للانضمام للاتحاد الأوروبي أو لتأسيس أي شكل من أشكال الاتحادات المؤسساتية معه. فروسيا تنوي بناء علاقات مع الاتحاد الأوروبي على أساس براغماتي ومن خلال معاهدة وشراكة استراتيجية. وفي هذا السياق فإنني أتفق مع رئيس الوزراء الإيطالي رومان برودي في نظرته نحو العلاقات الروسية ـ الأوروبية التي يقول فيها «أي شيء غير وجود مؤسسات».

نحن مستعدون لتطوير هذه الشراكة إلى أقصى حد ممكن، ونتوقع بالطبع من شركائنا أن يشاركونا الاستعداد نفسه.

ترجمة: حاتم حسين ــ عن «صنداي تايمز»