يحمل المؤلف في هذه الحلقة الغرب جانباً كبيراً من المسؤولية عن نزعة التشدد التي تسود معظم أقطار العالم الإسلامي، وذلك من خلال سلسلة من القرارات المعيبة التي اتخذها صانع القرار في العواصم الغربية على امتداد قرن كامل، ولكنه مع ذلك لا يعفي المسلمين من المسؤولية فيما يتعلق بغلق باب الاجتهاد في كثير من المشاكل التي تصادفهم في ظل عالم العولمة الذي نعيش فيه. ويؤكد محبوباني على أن الغرب ارتكب حماقات عديدة في تعامله مع المسلمين وأن هناك معادلة مختلة تحكم فهم الغربيين للإسلام ورسالته.
في أواسط الفصل الثالث من هذا الكتاب، وهو الفصل الأهم من حيث إنه يعرض للموقف بين أميركا والإسلام ـ يقول الأستاذ محبوباني: إن نزعة التشدد التي نراها تنمو في كل ركن من أركان العالم الإسلامي ليست بالأمر الطبيعي ولكنها عنصر مستجد، إنها نتيجة لعوامل متعددة ليس أقلها تلك السلسلة من القرارات المعيبة (أو الخائبة) التي اتخذها الكثير من صانعي السياسة في الغرب في المراحل الحديثة من الزمن، ذلك لأن الأمر يستغرق وقتا طويلا لكي تتراكم هذه الحصيلة أو تلك المخزونات من الغضب والكراهية. والمشكلة أن الغرب قد لا يكون واعيا بما يعتمل في نفوس أهل العالم الإسلامي. لكن الانفجار الراهن لذلك الغضب الذي تمور به النفوس ما هو ـ في رأيي ـ إلا ذروة قرن كامل أو أكثر مما فعله الغرب (أو مما قصّر عن أن يفعله).
ويواصل مؤلف الكتاب حديثه في هذه النقطة فيقول: طبعا أنا أتوقع هجوما كاسحا وانتقادات واسعة عندما أشير إلى أن الغرب قد يتحمل جانبا من المسؤولية عن كثير من المشاكل التي بتنا نطالعها في أرجاء العالم الإسلامي.. من هنا فقد يفيد القارئ أن يتفهم الحيثيات التي أسوقها لدى معالجتي هذا الموضوع على وجه الخصوص. - حكايات شخصية: وهكذا بدأ كاتبنا يتسلم مقاليد الحديث. أما الحيثيات التي وعد بأن يسوقها لنا كقارئين أو محللين، فهو يستقيها من واقع حياته الشخصية كي لا يزايد أحد على ما يقول أو لكي يرسم لنا صورة صادقة وحميمة من سيرة إنسان عاش التجربة حين نشأ في أسرة تنتمي إلى ديانة السيخ الهندوس في منطقة السند التي كانت تابعة في السابق للهند، وبعد التقسيم أصبحت، كما هو معروف جزء من باكستان.
يقول المؤلف: ما كانت أمي تتصور يوما أن يهّب ولدها مدافعا عن عالم الإسلام والمسلمين. فالأصل أن كانت والدتي معرّضة لأن تلقى حتفها على يد جموع من الدهماء المسلمين في الهند! لقد كنا ننتمي إلى الهندوس في السند وكانت أقلية صغيرة تعيش بين ظهراني المجتمعات المسلمة الأكبر في كراتشي وحيدر أباد.. ومنذ أن نشأت التوترات بين الطرفين كجزء من معارك الاستقلال، ظل الهندوس يعيشون في خوف مقيم.. بل إن واحدا من أخوالي لقي حتفه في غمرة حركات التمرد والشَغَب والصدام بين المسلمين والهندوس في كراتشي ذاتها. وعندما تم التقسيم بين الهند وباكستان.. هرب أقرباء المؤلف الهندوس خوفا على حياتهم في باكستان المسلمة تاركين وراءهم ـ كما يضيف المؤلف ـ أراضيهم ومتاجرهم.. كان ذلك في عام 1947 وكان هروبهم إلى كل أرجاء المعمورة حاملين معهم ـ كما يوضح محبوباني ـ مواقفهم المتحيزة إزاء الإسلام والمسلمين بحكم تجربتهم المريرة. وكان من نصيب عائلة محبوباني أن جاء مولد ابنهم ـ مؤلف كتابنا في سنغافورة عام 1948.
وفيها استجدت المتغيرات على أسرته وعلى تكوينه شخصيا. صحيح أن والدته ظلت تغذيه كراهية المسلمين بحكم تجارب الهند لكن جيرانه كانوا مسلمين رآهم مؤلفنا على قدر من الورع والتقوى وطيب الخلق وحسن المعاملة، ويصفهم (ص67) قائلا: هؤلاء كانوا مسلمي الملايو.. لا كانوا عربا ولا هنودا ولا باكستانيين.. كانوا من أتباع الديانة الإسلامية التي وصلت إلى الملايو على جناح من الرقة والدعة والسكينة ونموذج الخلق الرفيع. لم يدخل الإسلام هناك من خلال الغزو أو الحرب بل دخل جنوب الشرق الآسيوي بفضل التجارة. جاء التجار المسلمون من شبه الجزيرة الهندية، ومع مَقْدمهم بدأ تحّول الأهالي إلى عقيدة الإسلام على نحو من التدرج والبساطة والوداعة. ثم يضيف الأستاذ محبوباني أيضا: هَكذا انتشر الإسلام بين سكان الملايو في ماليزيا واندونيسيا وبروناي. وكان إسلاما سائغا وميسورا، ومع ذلك فقط حرص مسلمو الملايو على أن يلتزموا بكل تعاليم عقيدتهم السمحة الحنيفة. كانوا يصومون رمضان، وكانوا يؤدون الصلوات في المساجد، وكانوا يحرصون على شرعية رابطة الزواج. باختصار شديد.. كانوا مسلمين مؤمنين وأتقياء، وفي الوقت نفسه شاركونا مع سكان الملايو استخدام الإنجليزية في التعليم وارتداء الملابس الغربية، والاحتفال بأحدث صيحات الموضة في أزياء الفتيات.
وهكذا شهد عقد الستينات من القرن الماضي فتيانا وفتيات من مسلمي الملايو يرتادون الملاهي ويترنمون بأغاني ألفيس بريسلي الأميركاني وألحان فرقة الخنافس البريطانية من باب الإعجاب والشغف العميق. يومها لم يكن ثمة هوة فاصلة بين الإسلام والغرب في صفوف مسلمي الملايو في زمن الستينات.
بعد 30 سنة
لكن هذا كله تغير بعد 30 سنة، هي الثلث الأخير المنقضي من القرن العشرين.
يضيف المؤلف قائلا: الفتيات المسلمات اللواتي شببت معهن كففن عن ارتداء الثياب الغربيّة، وشرعن في ارتداء أزياء محافظة وكأنما اعترى الإسلام تحولات مشهودة في جنوب الشرق الآسيوي في غضون السنوات الثلاثين. وقد حدث هذا دون أن يبدو على الغرب أنه لاحظ الظاهرة أو حَسب لها حسابا.
عند هذا المنعطف من الكتاب يتوقف المؤلف في محاولة جادة لتحليل وتبرير هذه التحولات يقول البروفيسور محبوباني: خلال عقدي الثمانينيات والتسعينات بدأت ظاهرة العولمة في الانطلاق. يومها كان الغرب في حال من نشوة الزهو والثقة المفرطة في النفس (بعد الانتصار في الحرب الباردة على الشرق الأوروبي) وفي هذا الإطار طرح الغرب تصوراته بأنه سيقود العالم كله، المعمورة بأسرها إلى حيث التحديث كي تصل بركاته إلى كل أنحاء الكرة الأرضية. وكانت هناك مشكلة لم يقف الغرب مليا لكي يفكر فيها أو يضعها في نظر الاعتبار. وهذه المشكلة يلخصها مؤلفنا على النحو التالي:
لم يضع الغرب (المنتصر المزهو) في اعتباره حقيقة أن هذه الكرة الأرضية تضم أيضا أجزاء متباينة وشعوبا مختلفة لها بدورها مخزونات مختلفة من الحضارة والعقائد والثقافة والتاريخ. صحيح أن العولمة أدت إلى تقارب الاتصالات بين أرجاء العالم، وصحيح أنها أفضت إلى تقليص، وربما اختصار، المسافات ولكن الصحيح أيضا أنها يسّرت تدفق نمط محافظ - وربما شديد المحافظة من الإسلام في مشرق العالم وفي مغربه على السواء.
لقد أدت ثورة الاتصالات، وثورة الحواسيب وثورة المعلومات خلال شبكة الانترنت العالمية إلى مداومة إطلاع المسلمين في كل بقاع الأرض على مدى المعاناة إلى حد القهر والظلم الذي يكابده إخوانهم وأخواتهم المسلمون في هذا الركن أو تلك البقعة من كرة الأرض ذاتها.
زيارة خاصة
ومن واقع تجربته الشخصية يحكي المؤلف عن زيارة قام بها إلى منزل السيدة المسلمة المثقفة التي كانت تقوم بتدريس ابنه البالغ وقتها سبع سنوات من العمر. كان المنزل أنيقا وفي حي راق من أحياء سنغافورة وكانت ربة البيت، المعلّمة سيدة على أعلى قدر من الوعي والاستنارة فيما كان زوجها مديرا في إحدى شركات النقل البحري.
لاحظ الضيف سيادة الطابع الأوروبي والذوق الحديث الرفيع في أركان ذلك البيت المسلم ذي الحجرات الخمس، وخالطته تصورات تفيد بأنه يشهد زوجين ناجحين ويشعران بالارتياح والرضا الكامل إزاء ما يجري في أنحاء العالم من أحداث وتطورات. لكن الأمر كان على العكس تماما كما يؤكد مؤلف كتابنا! كان الزوجان نموذجا لجمهرة من مسلمي سنغافورة وربما جنوب شرقي آسيا في حال من الغضب والحنق والسخط على ما يجري في العالم.
رغم النجاح والثقافة والرفاهية، كان فؤادهما مشغولا بمشاكل أخرى يوضحها المؤلف على النحو التالي: أمضيت ساعة كاملة أحاور الزوج المثقف. كانت هناك قضيتان لا غير تشغلان فكره وتضيفان إلى همومه: قضية فلسطين ومشكلة البوسنة (ص68 ـ 69).
كان يتابع (بفضل اتصالات العولمة والفضائيات) قناتي سي. إن. إن والبي. بي. سي ويطالع من ثم مشاهد القتل والعسف والظلم التي يعانيها المسلمون في كل من البوسنة وفلسطين. ولأنه كان مسلما مثقفا، فقد ظل يسرد على مسامع ضيفه الدبلوماسي والأكاديمي أيضا، وعلى قدر من إسهاب التفصيل، وقائع المظالم التاريخية التي تعرضت لها الشعوب المسلمة في فلسطين والبلقان.
وهنا يعلق المؤلف قائلا: ربما تكون مناقشة ما يحدث في فلسطين أو البلقان أمرا طبيعيا بين صفوف كبار الساسة أو المثقفين أو المتعلمين في أميركا وأوروبا. لكن ما الذي يجعل هذا الموضوع بندا مهما في مناقشة تتم في غرفة استقبال مريحة وعصرية وأنيقة في بيت يملكه واحد من مسلمي الملايو بسنغافورة؟
ويحرص المؤلف على التذكير بأن تاريخ هذه الزيارة والمناقشة كان في عام 1993 ، مضيفا بأنه تاريخ يسبق بداهة إرسال قناة الجزيرة وانتشار شبكة الانترنت ومن ثم النقل الحيّ لمشاهد القتل شبه اليومي من ساحات أفغانستان أو العراق وكلا البلدين خاضع كما هو معروف لقوى الاحتلال الأجنبي،
وكلها أخبار ما برحت تتدفق لتصل إلى غرف المعيشة في بيوت مسلمي الملايو، وهو ما يخلق في رأي مؤلفنا نوعا من التضامن، أو فلنقل التعاطف أو المشاركة الوجدانية، بين جموع مسلمي عالمنا البالغ عددهم أكثر من 2 ,1 مليار إنسان، فما بالك وإرسال محطة الجزيرة يبث في تلك الأنحاء الشرق آسيوية مع ترجمة لحظية بلغات أهل الملايو وما يجاورها.
مسؤولية المسلمين
مع هذا كله، فالمؤلف لا يكتفي بمجرد عرض الظاهرة أو إلقاء اللوم كله على العولمة ولا حتى على عاتق الغرب وحده والمؤلف يحرص أيضا على تحميل المسلمين جانبا من المسئولية وهو ما قد نوافقه عليه.
يقول الأستاذ محبوباني (ص70): إن المسلمين يتحملون المسئولية أو يجب أن يتحملوها إزاء كثير من المشاكل التي تواجه مجتمعاتهم. وفي كتابي الأول الذي أصدرته اخترت عنوانا يقول: «هل يستطيع الآسيويون أن يفكروا؟« وكان مقصدي أن أواجه سكان قارة آسيا بتاريخهم الطويل الذي أهدروه رغم أنه ممتد آلافا من السنين وقطعوا من خلاله أشواطا من التطور الفكري والنمو الاقتصادي، ولو كنت مسلما - يضيف المؤلف ـ لأصدرت كتابا بعنوان: «هل يستطيع المسلمون أن يفكروا؟» وأنا أعرف أن لديهم منهجا يفتح أمام المرء «أبواب الاجتهاد» بمعنى التفكير العقلاني المستقل في الثقافة الإسلامية.
لكنني لست مسلما للأسف وإن كنت أعرف أن هناك مسلمين كثيرين يريدون لمجتمعاتهم أن تكون منفتحة (بمعنى مستنيرة) وناجحة أسوة بمجتمعات أهل الغرب. وربما يوجد مسلمون كثيرون أيضا ممن لا يزالون يخالطهم الإعجاب بأميركا ولا يزالون يرغبون في محاكاة أفضل الملامح والقسمات التي يتسم بها المجتمع الأميركي. وأرى أن من صالح العالم بأسره بما في ذلك أميركا، وربما من مصلحة أميركا بالذات، أن يوضع هؤلاء المسلمون المعتدلون على طريق يفضي إلى النجاح.
وفي هذا السياق أيضا يورد المؤلف نموذجا عن أحد أصدقائه من مثقفي المسلمين ممن يؤكدون أن المشكلة كامنة أساسا في أوضاع الفقر والظلم وسوء توزيع الثروة وتردي نظم التعليم وانتشار الفساد في كثير من المجتمعات الإسلامية، وهنا يضيف المؤلف قائلا: هؤلاء المثقفون المسلمون لا يراودهم شك ولا يساورهم وهْم إزاء المشاكل التي تصادف عمليات وجهود التحديث في العالم الإسلامي.
وكان الافتراض الطبيعي هو أن يبادر الغرب ـ بما في ذلك أميركا ـ إلى النهوض بواجب المساعدة إزاء هذا النَفَر المعتدل والواعي من المسلمين. فما الذي حدث؟
وهنا أيضا يجيب المؤلف تحديدا: الذي حدث هو مأساة بكل المعاني: لقد حدث العكس تماما، بعد أن تغلبت المصالح الضيقة والأفق المحدود وتطبيق الغرب سياسات متضاربة وبالغة الضرر ترمي إلى زعزعة الاستقرار في أرجاء العالم الإسلامي ولدرجة أن سيتعين علينا أن نقضي معظم سنوات هذا القرن الواحد والعشرين ونحن نحاول التعامل مع كثير من المشاكل التي تولدت عن تلك السياسات التي سادها الخلط والحماقة والاضطراب.
سياسات حمقاء
أول تلك السياسات الحمقاء هي افتراض الغرب أن مصَالِحه تتحقق في الأجل الطويل إذا ما ظل العالم الإسلامي نهبا للفقر وفريسة للتخلف. وقد أدى ذلك إلى ثانية السياسات أو فلنقل الحماقات وكانت تقضي بحرمان العالم الإسلامي من المشاركة في ثمار التحديث.
كيف؟ هكذا نسأل المؤلف الذي يجيب على الفور: تأمل مثلا مشروع مارشال الذي اصطنعته أميركا وطبقته بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وكان يهدف ـ كما هو معروف ـ إلى إعادة إعمار ومن ثم تنمية أوروبا بل واليابان أيضا، هنالك نطرح معا السؤال الواضح بجلاء: لماذا لم يطبقوا مثل هذا المشروع العظيم لصالح العالم الإسلامي أو حتى لصالح قلة من مجتمعات هذا العالم الإسلامي؟
هل جاء هذا الإهمال نتيجة للجهل أو جاء نتيجة لنوع من التعمد المقصود؟ أيا كانت إجابات المؤرخين فالذي لا يشك فيه مؤلف كتابنا أنّ كلا من الطرفين ـ الغرب والإسلام سوف يتوصل من جانبه إلى إجابة تأتي على النقيض المباشر من الإجابة الأخرى.
أما الحماقة الثالثة التي أقدم عليها الغرب فيراها البروفيسور محبوباني وقد تجسدت في إهمال الغرب تشجيع العناصر المعتدلة، المحترمة والمثقفة من نخبة المسلمين وهي عناصر ليست بالقليلة في كل حال، وهي تلك النخبة التي يؤرقها ويشقيها ما تراه من تخلف مجتمعاتها ومن فقر الناس في تلك المجتمعات، وهي أيضا العناصر التي لا توافق على الأجندة الراديكالية (بمعنى المتشددة) التي يعتمدها أسامة بن لادن. بل أن هذه النخبة تود لو ترى مجتمعاتها وقد تسابقت مع الغرب في مضمار التقدم والحداثة مع الحفاظ في الوقت نفسه على التراث والأعراف والتعاليم الإسلامية على مستوى السلوك الاجتماعي والحياة الروحية (العقيدية) في آن معا.
البحث عن النهضة
باختصار - يضيف المؤلف (ص73) فإن هذه العناصر من مثقفي الإسلام والمسلمين تريد أن تطلق شرارة ما يمكن أن يتساوى مع حركة النهضة والانبعاث الأوروبية (الرينسانس) بحيث تضيء جنبات المجتمعات الإسلامية بالاستنارة وتستهدي بنور العقل، ومن ثم تصبح من الشركاء الأكفاء مع الغرب سواء بسواء. ومع هذا كله، فالغرب لم يساعد هؤلاء المسلمين المستنيرين. وبدلا من ذلك عمل الغرب خلال العقود الأخيرة على مساعدة الذين قهروهم وفرضوا عليهم كلمتهم وسطوتهم.
وها هو المؤلف يلاحظ أيضا أن أميركا عندما دخلت بالحرب إلى ساحتي أفغانستان والعراق فقد خلقت ـ ربما من حيث لا تدري أو من حيث لا تقصد ـ شعورا بالتضامن الذي بات يسري بين صفوف المسلمين. وخاصة في ضوء الحقيقة التي لا يلبث يؤكدها الأستاذ محبوباني من أن الإسلام هو أسرع أديان العالم الحديث انتشارا وأكثرها نجاحا (ص87).
هذه النقطة بالذات تلقى إسهابا من جانب مؤلفنا حين يقول: إن دراسة مركز استطلاع الرأي (بيو) وجدت أن أميركا (على عكس الشائع أو المتواتر) تنفرد بين أقطار العالم الغنية بأنها تُولي الدين اهتماما عميقا، وأن 59 في المئة من الأميركيين (وهي نسبة يُعتد بها إحصائيا) ذكروا خلال الدراسة «أنهم يرون أن للدين دورا غاية في الأهمية في حياتهم» وذلك مقارنة بنسب أقل بكثير عند أمم وشعوب أخرى حيث كانت النسبة أقل من 15 في المائة عند اليابانيين والفرنسيين والروس وكانت أقل من35 عند الإنجليز والإيطاليين والألمان والكوريين.
أما عند الشعوب المسلمة فقد حلقت النسبة إلى ذرى التسعين في المائة وأكثر في باكستان واندونيسيا ولم تقل عن نسبة 80 في المئة بأي حال في أي من أقطار أفريقيا التي خضعت لهذا الاستطلاع المهم.
حصاد الأرقام
من واقع هذه الأرقام يستقي المؤلف عددا من الدلالات، الهامة بدورها، ونلخصها على الوجه التالي: إن الإسلام لا يسمح بتلك النوعية من معتنقيه الذين لا يداومون على العبادات ولا يواصلون العمل بالأوامر والنواهي التي تقضي بها الشريعة، أو على حد قول المؤلف هؤلاء الذين لا يرتادون دور العبادة (الكنسية مثلا) إلا مرة أو مرتين في السنة أي في أيام الأعياد.
الإسلام يطلب الكثير من أتباعه ـ الصلوات الخمس، والصلوات الجامعة وصوم رمضان الذي يزود المسلم مع انتهاء رمضان (ص88) بشحنة مجددة تعزز إيمانه وتعمّق في نفسه أسس اليقين. في كثير من الأقطار الغربية، يلعب الدين دوراً متناقضاً في الحياة السياسية، هذا في حين أن الإسلام يضطلع بدور متزايد الأهمية بأكثر مما يفعل أي دين أو أي عقيدة أخرى ما بين المسيحية إلى الهندوسية أو البوذية رغم أن كلا من تلك الديانات يعتنقها أعداد غفيرة من البشر. ومع هذا كله فإن عقيدة الإسلام بكل هذه الأهمية ومع ضخامة هذا العدد من المؤمنين يقابلها عند أهل الغرب قدر خطير من الجهل بتعاليمها.
إن رسالة الإسلام تتجسد في التعاليم والشعائر التي يعرفها ويمارسها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. ومع ذلك فهي لا تلقى سوى القدر اليسير من الدرس أو التفهم على مستوى معظم المجتمعات الغربية. تلك هي المعادلة المختلة التي يلاحظها ويحذر المؤلف من عواقبها.
وعلى الضفة الأخرى من هذه المعادلة، يعترف المؤلف أن هناك بدايات لإصلاح هذه الحالة من الجهل إزاء «الآخر». وهو يرصد هذه البدايات الواعدة من خلال بعض ما نشرته وتنشره كبريات الصحف الأميركية (نيويورك تايمز مثلا) من مقالات أقرب إلى محاولات التعريف الموضوعي بعدد من المفاهيم والمصطلحات والمقولات الإسلامية.
وقد تبدّى ذلك المنحى عندما حرصت الجريدة الأميركية على توضيح مفهوم الاستشهاد في الإسلام. وعندما بذلت التايمز هذه المحاولة كانت كمن يعكس حقيقة الهوة الشاسعة التي تفصل بين ثقافتهم وثقافة المسلمين، ومن ثم جاءت مطالبتها ببذل «المزيد من الجهود لكي يفهم كل منا الآخر» وهو ما يدلل بدوره على أن أميركا بحاجة إلى «نوبة صحيان» كما يقول المصطلح العسكري خاصة وأن مقتضيات المرحلة الراهنة تفرض على واشنطن أن تتعامل عن كثب وبصورة مباشرة أحيانا مع عدد من المجتمعات الإسلامية بكل ما تستند إليه من تراث طويل وعريق ومن ثقافة ضاربة بجذورها في تربة الزمن.
مع هذا كله، يظل الجهد مبددا ـ إذا لم تبذل الجهود من جانب أميركا والغرب بشكل عام على أساس أرضية وطيدة من الرغبة في إشاعة العدل الاجتماعي وفي التعامل مع الشعوب الإسلامية على أساس من ندّية التكافؤ وعلى أساس من الاعتراف بمقتضيات الكرامة الوطنية.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



