يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن جذور النزعة المعادية لأميركا، فيشير إلى أن العرب والمسلمين لم تكن لديهم مشاعر عداء نحو الولايات المتحدة بل على العكس كانوا يعتبرونها صديقة لهم على اعتبار أنها لم تتبع النهج الاستعماري الذي انتهجته البلدان الأوروبية وكانت تعلن مناصرتها لحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

ولكن المؤلف يؤكد على أن تلك المشاعر الودية تحولت مع بداية عقد التسعينات من القرن الماضي إلى خليط من مشاعر السخط والغضب إزاء مواقف الولايات المتحدة من القضايا العربية والإسلامية الأساسية وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث الدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.في أواخر الفصل الثاني من الكتاب يدعو المؤلف، البروفيسور محبوباني أصدقاءه من الأكاديميين الأميركيين إلى دراسة متعمقة لما يصفه بأنه «جذور النزعة المعادية لأميركا في العالم».يقول، إن هذه الجذور ترجع أساسا إلى السلوك السياسي للولايات المتحدة ابتداءً من عقد التسعينات المنصرم. إن هذا السلوك ما لبث أن تكاثف وتعمق وخاصة خلال الولاية الثانية للرئيس بوش ومع هذه الولاية ازدادت ظاهرة العداء لسياسة أميركا حّدة وتفاقما.

يستدرك المفكر الآسيوي ـ السنغافوري ـ منبها إلى أن مثل هذه النزعات، أو هذه الهواجس أو المواقف السيكولوجية لدى الأفراد والشعوب لا تتشكل بين يوم وليلة. إنها تبدأ وتتحول وتكتمل على مدار فترة مطولة من الزمن.

مع ذلك فقد جاءت حادثة 11 سبتمبر 2001 لتشهد نوعا من توقف هذا التبرم - إن لم يكن السخط إزاء سياسات واشنطن، بل جاءت تلك الحادثة لتشهد، كما يلاحظ المؤلف، تدفقا في المشاعر المتعاطفة مع أميركا - الشعب، والمواسية لأميركا - الناس. ولعل أبلغ تعبير عن هذه المشاعر من المشاركة المتعاطفة هو ما جسّدته جريدة لوموند الفرنسية حين نشرت عنوانها الشهير في صفحتها الأولى في جملة واحدة معناها بالفرنسية «نحن جميعا أميركيون».

فتش عن المستور

ولكن تحت هذه التيارات المتعاطفة إنسانيا كان المؤلف يستشف ـ كما يقول ـ مشاعر مستترة وسلبية أيضاً مؤداها أن ما تم ربما يشكل نوعا من كأس المرارة أو المعاناة التي كان على أميركا أن تذوقها أو تتجرع غصّتها بعد أن مضت عليها سنوات طوال وهي غير مبالية بما عانته شعوب شتى وما كابدته أقوام وأقطار في طول العالم وعرضه من آلام.

في هذا السياق يضرب المؤلف المثل لا من العالم الإسلامي ولا من المنطقة العربية بل من المكسيك أقرب جارات الولايات المتحدة. فقد كان يتابع مباراة في كرة القدم دارت في 11 فبراير عام 2004 بين فريقي المكسيك وأميركا. ساحة المباراة كانت في مدينة غوادالاخارا المكسيكية ويومها لم تجد الجماهير المكسيكية للتعبير عن رأيها في المباراة، وربما مواقفها الساخطة إزاء أميركا سوى أن تردد هتافا من كلمة واحدة هي «أسامة» وكانت تقصد بالطبع بن لادن الذي أصبح رمزا مكروها في أميركا بأسرها، هذا رغم أن هناك قلة قليلة كما يؤكد المؤلف «بين أصدقائي المسلمين» هي التي تؤيد الأعمال الإرهابية التي ارتكبها.

هذا الحديث ينقلنا إلى الفصل الثالث من الكتاب وعنوانه لا تخفى دلالته وهو من كلمتين:أميركا.. والإسلام.في أول سطور الفصل يصدر الأستاذ محبوباني الحكم التالي بحسم ووضوح فيقول: الإسلام هو أنجح الأديان قاطبة في العالم المعاصر (بمعنى أكثرها توفيقا وسدادا). لكن تصورات أميركا للإسلام ـ في رأي المؤلف ـ تتم من خلال طبقات أو مستويات شتى من المعرفة والإلمام. أولها المستوى الموروث عن الحضارة اليهودية - المسيحية.

وهي حضارة أوروبا الغربية التي يرى الأميركيون أن بلادهم تجسد ذروتها أو تمثل أفضل وارث لأمجادها ومنجزاتها ـ وهذا صحيح بغير مراء على نحو ما يعترف به الكتاب ـ لكن الصحيح أيضاً أن تلك التصورات التي تراكمت عبر السنين، بل عبر القرون، إنما تشكلت من خلال تفاعلات واحتكاكات شهدتها أحقاب ومراحل زمنية طويلة بين الإسلام وبين هذا الميراث اليهودي ـ المسيحي، بين عالم العروبة والإسلام من ناحية، وعالم أوروبا الغربية من ناحية أخرى. ولم تكن كل هذه التفاعلات بين هذين الطرفين ـ هذين القطبين ـ سعيدة على طول الخط بل كانت تعيسة وسلبية وعدائية في بعض الأحيان.

هنالك يضرب المؤلف مثلا من واقع الغزوات الأوروبية للمشرق العربي ـ الإسلامي التي حملت تاريخيا اسم «الكروسيدز» أو الحروب الصليبية. وهنا أيضاً يلاحظ المؤلف كيف أن كلمة «الكروسيد» في معناها المفرد تحولت في لغات أوروبا لتدل على أي إنجاز احتشدت له الهمم وأي أعمال تحققت بفضل شحنات من الإيمان والعزم والرغبة في إصلاح الأمور.

في نفس السياق يشير المؤلف إلى احتكاك أوروبا مع الإسلام (المسلمين) وخاصة بعد الفتح العربي ـ الإسلامي لأسبانيا الأندلسية في عام 711 للميلاد، ومن بعده الحصار التركي ـ الإسلامي أيضاً للعاصمة النمساوية فيينا في عام 1683 حيث يتصور معظم الأوروبيين أن ثقافتهم كادت تتصدع وأن أسلوب حياتهم .

وربما عقائدهم كانت موشكة على الانهيار وربما الضياع لو قُيض لجيوش السلطان العثماني سليم القانوني (سليمان العظيم أو الممجّد في الحوليات التاريخية الأوروبية) أن تخترق الحصار وتستولي على النمسا ومن ثم تبسُط سيطرة القسطنطينية وهي أيضاً إسلامبول (حاضرة الإسلام فوق ضفاف البوسفور) على أوروبا ومن ثم عالم الغرب بشكل عام.

فما بالك ـ يضيف مؤلفنا (ص60) «إن الإسلام مازال أسرع الأديان انتشارا في عالم اليوم». والمهم أن أولى مستويات التفكير في العقلية الغربية (وبالتالي الأميركية) مستمدة من التخوف والتشكك ومن الهواجس والوساوس التاريخية التي تشكلت من خلال تلك الاحتكاكات والصراعات الضاربة بعمق ـ كما رأينا ـ في تربة التاريخ العالمي الوسيط والحديث.

فضل الإسلام

على الجانب الآخر من نفس القضية، يحرص مؤلفنا، وهو أستاذ أكاديمي في المقام الأول، على أن يعرض لآراء عدد من كبار مفكري الغرب أنفسهم ممن يعرفون لعالم الإسلام فضله، ومن يسلّمون موضوعيا وعلميا بما قدمه المسلمون من مآثر وأياد بيضاء على الفكر البشري والحضارة الإنسانية.

إنه ينقل عن البروفيسور كريس باتين قوله: إذا كانت النهضة الأوروبية الحديثة مَدينة لأفكار وطروحات توماس الأكويني، فقد اطلع هذا الفيلسوف الأوروبي على تراث فلاسفة الإغريق واللاتين بفضل الترجمات التي قدمها علماء المسلمين في مدرسة طليطلة، الذين لا نزال مدينين لهم بما قدموه إلى العالم القديم من مؤلفات في مجالات العلم والدين والفلسفة وغيرها.

يحيل المؤلف كذلك (ص61) إلى دانييل روز رجل البر الشهير في نيويورك الذي أكد (أن إعادة اكتشاف التاريخ المجيد للإسلام ينطوي على خير عميم للغرب والإسلام على السواء. وأضاف دانييل روز مؤكدا على ضرورة إعادة الربط بين العالم العربي (المعاصر) وبين العصر الذهبي للخلافة العباسية عندما تألق العلماء والفلاسفة وأبدع الفنانون والمعلمون المسلمون فكان أن أضاءوا مجالات الثقافة المستنيرة في كل اتجاه.

وفي خطاب عام ألقي في احتفال خيري يوم 21/11/2003 أضاف دانييل روز قائلا:

لقد ظل المسلمون يذكرون وصية النبي محمد (ص) التي قال فيها: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، وبهذا ظل علماؤهم حريصين باعتزاز شديد على التواصل مع أفضل ما أبدعه العالم من ثقافات، ومن ثم ساد الإيمان بأن العلم والمعرفة تراث تملكه الإنسانية جمعاء وأن ما يعيشه المثقفون وما يأخذونه وما يعطونه مفيد لكل فرد، وما كان يملكه المسلمون في سالف الأيام يمكن أن يعودوا إلى امتلاكه في الزمن الراهن.

توجس أوروبي

تلك إذن شهادات واعية وموضوعية ومنصفة بحق المسلمين. لكن المشكلة كما يراها مؤلف هذا الكتاب هي أن الإنسان العادي في الغرب ليس على الوعي المطلوب بهذا التاريخ الحافل بالثراء. والمشكلة أيضاً أن هذا اللاوعي تحوّل إلى نوع من التوجس شرا إزاء عالم الإسلام والمسلمين. والمشكلة كذلك هي أن هذه المواقف السلبية انتقلت من أوروبا إلى أميركا وذلك أمر يستهجنه بقدر ما يستغربه مؤلف الكتاب.. لماذا؟

لأن أميركا ليس لها تجارب تاريخية ولا مشاكل سابقة مع عالم المسلمين، فهي لم تشهد غزوا ـ أو فتحا أندلسيا ولا حصارا تركيّا، بل إن معظم حالات التواصل بينها وبين العالمين العربي والإسلامي كانت حميدة وإيجابية وحققت تفاهمات ومصالح مشتركة في أغلب الأحوال ولدرجة أن نمت على مهادها.

ـ كما يؤكد المؤلف أيضاً ـ مشاعر من الصداقة أو المودة وجاءت كلها مستندة إلى أسس واقعية وأصيلة. ويكفي أن أول هذه الأسس كان اعتراف الشعوب الإسلامية بأن أميركا لم تكن مشاركة في خطيئة الاستعمار البغيضة التي ارتكبتها أوروبا الغربية استغلالا لمقدرات تلك الشعوب وقهرا وإذلالا لأبنائها وتشويها لأنساقها الثقافية وإعاقة لمسيرة تقدمها.

والمعنى أن الشعوب الإسلامية، والعربية بالطبع، امتلكت قدرة، أو بصيرة، التمييز بين استعمارية فرنسا وانجلترا مثلا، وبين الموقف المختلف من جانب أميركا.والنموذج الذي يسوقه المؤلف هذه المرة هو حرب السويس في مصر في عام 1956.

يقول الأستاذ محبوباني (ص62): خلال أزمة السويس أقدمت كل من انجلترا وفرنسا، ومعهما إسرائيل على آخر محاولة كبرى لاسترداد منطقة النفوذ التي كانت تلك القوى قد حفرتها لصالحها على مدار قرن أو أطول من الزمان. ولدهشة سكان المنطقة (الشرق الأوسط) فقد أعلنت أميركا اعتراضها على هذه الخطوة، وأدرك العرب يومها أن الأميركيين كانوا مختلفين عن الاستعماريين الأوروبيين. وهذه المواقف الإيجابية التي اتخذها العرب إزاء أميركا كان لها بدورها تأثيرها على سائر المجتمعات الإسلامية التي ما برحت تنظر إلى بلاد العرب على أنها مركز العالم الإسلامي.

منطقة عازلة

أكثر من هذا.. كان هناك بين ساسة أميركا من نَظَر إلى العالم الإسلامي بوصفه منطقة عازلة أو حاجزا لصّد مخططات توسع الخصم السوفييتي خلال اشتعال الحرب الباردة خاصة وقد أدركوا أن لا سبيل إلى التعايش بين إلحادية الشيوعية وبين إيمان المسلمين. صحيح أن كان هناك تحالفات أملتها الواقعية والضرورات المصلحية السياسية (ريال بوليتيك) بين روسيا وبين أقطار مسلمة كثيفة السكان (مصر ـ عبدالناصر أو إندونيسيا ـ أحمد سوكارنو مثلا) إلا أن الإسلام ظل هو الحاجز الحقيقي الذي يسجّل له أن حال دون انتشار أو استشراء المد الشيوعي، وبكفاءة لم تقدر عليها لا المسيحية ولا البوذية بحال من الأحوال.

والمهم أن كانت المحصلة النهائية هي علاقات إيجابية في مجملها بين أميركا وشعوب الإسلام، وهي علاقات تطورت بدورها بعد انتصاف القرن الماضي وبلغت ذروتها - على نحو ما يرصد مؤلف الكتاب - في التعاون والتضافر الذي قام بين أميركا والعالم الإسلامي إزاء الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، ولدرجة أن هذا الغزو أدخل كلا من أميركا والعالم الإسلامي في وشيجة تحالف عائلي إلى حد ليس بالقليل. كيف لا وقد تداخلت المصالح المشتركة لكلا الطرفين.

جدل الظاهرة

هذه النقطة يرصدها المؤلف في عفوية تظهر من سياق العرض السردي الذي يقدمه للقارئ، لكننا قد نطلق عليها من جانبنا وصفا يعرفه التحليل السياسي في العبارة التالية: جدل الظاهرة السياسية.بمعنى أن الظاهرة الإيجابية تحمل في طياتها ـ أو في رحمها كما يقول المصطلح الأيديولوجي ـ بذور سلبياتها.

تجلى هذا الجَدَل ميدانيا عندما تعاونت أميركا (لخدمة مصالحها المضادة للسوفييت) مع قوى إسلامية عديدة (لخدمة مصالحها في صد الاحتلال الروسي في أفغانستان). وبعد شهر العسل بين الطرفين وقد أفضى إلى إنهاء الاحتلال الروسي بل وكان من الأسافين التي أدت بدورها إلى نهاية الكيان السوفييتي من أساسه، بعد هذا (الإنجاز) نجمت الظاهرة المستجدة في أن القوى الإسلامية التي سبق وتعاونت مع الأميركيين ما لبثت أن شعرت بمدى قوتها .

وقد شدّ من عزيمتها ما أنجزته على مسرح العمليات في أفغانستان، وهنا يلخص المؤلف أبعاد الموقف في تكثيف بارع حين يقول بالحرف: عندما دمرت أميركا الإمبراطورية السوفييتية، فقد عملت في الوقت نفسه على إيقاظ مارد كان نائما وهو المشاعر الإسلامية، لقد هيأت أفغانستان أول إحساس بتذوق حلاوة النصر لجماعة طالما تجرعت الهزائم على مدار قرون.

وربما جاء انتصار «المجاهدين» في أفغانستان لكي يزوّد الروح المعنوية الإسلامية بنفس الزخم الذي استشعره الآسيويون بعامة غداة انتصار اليابان على روسيا في حرب عام 1905 ونحن نعلم ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ أن أسامة بن لادن استوحى الهزيمة السوفييتية في أفغانستان لكي يتصور أن الإسلام يمكن أن يسود ويهيمن بوصفه قوة عظمى.

يضيف المؤلف قائلا: وعندما تداعت أركان الإمبراطورية السوفييتية ووضعت الحرب الباردة أوزارها، أقامت أميركا وأوروبا الأفراح والليالي الملاح، وتدفقت سيول المقالات التي تشيد بالروح التي لا تقهر والقوة التي لا تُغلب للحضارة الأوروبية، وكان من بينها كتاب «نهاية التاريخ» (العمل الشهير الذي أصدره المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما) وكان الكتاب إشارة إلى أن نهاية الإمبراطورية الروسية كانت تعني نهاية تاريخ .

وبالتالي ذروة الحضارة الغربية، وأنه لم يعد من مفر أمام كل مجتمعات المعمورة سوى أن تسير على خطى الغرب وتحاكيه وتنسج على منواله بل وتجعل حياتها نسخة من حياته. ويومها بدرت زلة لسان عن جيمس بيكر وهو وزير خارجية أميركا الواعي الحصيف حين تكلم عن خلق مجتمع (عالمي) جديد من فانكوفر (كندا ـ شمال أميركا) إلى فلاديفوستيك أقصى تخوم سيبيريا على بحر اليابان. يومها أدرك الناس حقيقة الروح التي انطلقت منها عبارات بيكر وكان مؤداها باختصار شديد ما يلي: الغرب هو الأفضل (وفي عبارة الجِناس الانجليزية: «وسْت إذ بِسْت»).

عمى البصيرة

لكن ها نحن نعود إلى ما طرحناه سلفا من حديث عن جدل الظاهرة، أي ظاهرة في السلوك والكسب الإنساني، حيث يضيف الأستاذ محبوباني قائلا: إن لحظات الزهو الشديد بنشوة النصر تفضي إلى أحوال من العمى الذي يغشى الأبصار. وبينما كانت عواصم الغرب مشغولة بالاحتفال بانتصار الغرب كانت غافلة عن أن تلاحظ أن ثمة احتفالات أخرى كانت مقامة في مواقع مغايرة من خارطة العالم:

كان (المجاهدون) يؤكدون لأنفسهم أنهم هم الذين هزموا السوفييت في أفغانستان، لأنهم لم يلمحوا فردا لا أميركيا ولا أوروبيا يقاتل إلى جوارهم. صحيح أنهم تلقوا الأسلحة من الغرب ولكنهم أيضاً رصدوا مدى «جُبن» الغرب عن خوض غمار المعركة مباشرة. ومن واقع هذه التجربة تولدت الأسطورة التي تفيد بأن المقاتل المسلم قادر في نهاية المطاف على التغلب على المقاتل الغربي، ذلك لأن المسلم لا يخشى الموت في كل حال.

وحين يواصل المؤلف هذا المسار من التحليل فهو يندد بحقيقة أن هذا النصر الأفغاني هو الذي أفضى إلى آراء واتجاهات يصفها بالانحراف بين مجموعة راديكالية صغيرة من الإسلاميين (قد نطلق عليهم وصف الإسلامويين تمييزا لهم عن الغالبية العظمى من المؤمنين بصحيح الإسلام الحنيف وعقيدته السمحاء).

والحاصل أن سادت تيارات العنف والتدمير في هذا الموقع أو ذاك ـ وما كان ذلك أمرا محتوما بحال من الأحوال ـ فالإسلام، كما يؤكد الدكتور محبوباني، ديانة لا تنطوي جوهريا على العنف بل هو عقيدة تتخذ اسمها ونعتها من معنى السلام.

شهادة مستشرق

في هذا السياق بالذات تسترعي انتباهنا أن المؤلف يحيل إلى البروفيسور برنارد لويس وهو مؤرخ كبير ومخضرم وليس متهما بالانحياز لا للإسلام ولا للمسلمين (إن لم يكن العكس).مع ذلك فها هو برنارد لويس يؤكد آراءه في الموضوع في دراسة نشرتها مجلة (نيويوركر) بتاريخ 21/4/2004 فيقول: الإسلام واحد من الأديان الكبرى في العالم.

وأقول بوصفي مؤرخا للإسلام دون أن أكون مسلما، أن هذا الدين هيأ سبل الرغد والسكينة والسلام لملايين لا تحصى من الرجال والنساء، فضلا عما كفله من معاني الكرامة والعزة لمن كانوا في قاع المجتمع. ولقد علّم الإسلام أقواما وأعراقا شتى كيف يتعايشون في ظل الأخّوة وفي إطار من التسامح المعقول، وكان مصدر إلهام لحضارة باذخة قامت وشاركت فيها، إلى جانب المسلمين، عناصر أخرى في الإبداع وفي منفعة الناس وأفضت هذه المنجزات إلى إثراء العالم بأسره.

وإذ ينتهي المؤلف من الرجوع إلى أقوال أو بالأدق إلى شهادة برنارد لويس (ويلاحظ أنها نشرت بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر بأكثر من 3 سنوات) يعمد مؤلفنا أيضاً إلى تحميل الغرب ـ وساسته بالذات ـ جانبا لا يستهان به من مسؤولية الغضب والكراهية التي سادت عالم المسلمين إزاء تصرفات الغرب بشكل عام وقد تجسدت في أنماط سلوكية جمعت بين الاستغلال الاستعماري والهيمنة الامبريالية ومخططات «فرقّ تسد».

وعند هذا المنعطف من مقولات الكتاب. يعمد الأستاذ كيشور محبوباني إلى أن يدعم طروحاته بسرد شبه تفصيلي مستقى من الواقع: انه بالتحديد واقع حياته العائلية بشكل خاص ثم انه بشكل عام واقع التطورات التي شهدتها منطقة الملايو، وسنغافورة جزء منها فيما يتعلق بحياة الجماعات المسلمة في تلك المنطقة من جنوب شرقي آسيا.

عرض ومناقشة: محمد الخولي