قبل عام، دمرت عواصف مطرية شديدة بصورة غير عادية نصف المخيمات في الجزائر حيث يقيم قرابة 90 ألف لاجئ من منطقة من الصحراء الغربية المتنازع عليها في ظروف تعيسة منذ أكثر من 30 عاماً.
لقد انخرطت في قضايا شمال إفريقيا منذ أربعين عاماً، وخلال الجانب الأعظم من تلك الفترة، عملت مشكلة الصحراء الغربية على تسميم العلاقات بين جيرانها وحولت حياة شعب الصحراء إلى جحيم لا يطاق.
من حسن الحظ أن ملك المغرب الشاب محمد السادس تقدم باقتراح يقضي بمنح الحكم الذاتي لهذه المنطقة، ويتوجب على جميع أعضاء مجلس الأمن الدولي دعم ذلك الاقتراح.
ها هي حالة نادرة، في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حيث يمكن لقدر قليل من التشجيع أن يؤتي نتائج كبيرة، فهو لن يتبنى فقط حلاً نهائياً للاجئي المنطقة وإنما سيوجد سلاماً دائماً أيضاً في شمال إفريقيا للمرة الأولى منذ عقود، وهو سلام سيكون حصناً في وجه التشدد الإسلامي.
إن الصحراء الغربية، وهي أرض صحراوية تقع على المحيط الأطلسي، ويحدها الجزائر وموريتانيا والمغرب، لها جذور عميقة في تاريخ المغرب. فمن هنا جاء مغاربة القرن الحادي عشر الذين أسسوا الإمبراطورية الأندلسية، التي امتدت من موريتانيا إلى عمق اسبانيا. وقد استعمرت اسبانيا المنطقة في 1884، ومن ثم تخلت عنها عام 1976. وفي ذلك الوقت، تدفق الآلاف من المغاربة غير المسلحين على الصحراء الغربية وادعوا أنها وطنهم.
ولكن الجزائر المجاورة ساعدت على تشكيل ومن ثم تقديم الدعم المسلح لتنظيم حرب عصابات، هو جبهة البوليساريو، التي قاومت الحكم المغربي. إن هدف الجماعة المزعوم هو استقلال الصحراء الغربية، ولكن تجدر الإشارة إلى أن الجزائر ستكسب كثيراً من خلال السيطرة على منطقة تمتلك احتياطات من الفوسفات والمنفذ على الساحل الأطلسي.
طوال سنوات عديدة، دار قتال ضار، فر بسببه عشرات الألوف من العائلات وأصبحت في نهاية الأمر تحت رعاية المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
على الرغم من أن العنف قد توقف تماماً مع وقف لإطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة الأمم المتحدة عام 1991، إلا أن سكان الصحراء الغربية ظلوا عالقين في الصراع الذي لم تتم تسويته. إن قرابة ربع الـ 400 ألف صحراوي يعيشون في ظروف تبعث على الحزن في الجزائر، فهم غير قادرين على ترك مخيمات اللاجئين، أو التواصل مع العالم الخارجي أو الحفاظ على نمط حياتهم البدوي التقليدي.
وبينما تمارس المغرب سيطرتها على الجزء الأكبر من الصحراء الغربية وتنتهج سياسة (الباب المفتوح) تجاه اللاجئين، فإن بوليساريو قد جعلت العودة مستحيلة عملياً على أولئك الصحراويين الذين يعيشون في المخيمات جنوبي الجزائر.
إن إبقاءهم في وضعية اللاجئين هو استراتيجيتهم (لحكم) هؤلاء الأشخاص، الذين يعتمدون في عيشهم على المساعدات الدولية فقط. وصغار السن منهم لم يعرفوا مطلقاً الحياة خارج هذه المخيمات الكئيبة.
هنا يدخل محمد السادس الصورة. فمنذ أن تولى مقاليد الحكم قبل سبعة أعوام، حقق الملك المغربي للبلاد إصلاحات داخلية مهمة، بما في ذلك رفع مكانة المرأة وحمايتها، إضافة إلى تأسيس لجنة مستقلة لتجميل سجل المغرب في مجال حقوق الإنسان.
وفي إطار سعيه لإحراز تقدم في قضية الصحراء الغربية، قام الملك بدراسة نماذج معاصرة من حلول الصراعات الإقليمية لرؤية أي الحلول التي أثبتت قابليتها للتحقق وديمومتها في أوضاع مماثلة حول العالم. وأنشأ مجلساً استشارياً لجمع آراء الشعب، من كل من المغاربة الحاليين، والصحراويين.
وماذا كانت النتيجة؟ بعد نقاش وطني دام عاماً كاملاً، جاء اقتراح أن تقوم المغرب بتقديم خطة، في الأمم المتحدة، لإقامة الصحراء الغربية كمنطقة تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ومن شأن هذا الاقتراح أن يمنح حق تقرير المصير للصحراويين، الأمر الذي يتيح لهم صنع القرار محلياً والسيطرة على القضايا الاقتصادية، والاجتماعية، واللغوية، والثقافية.
مناطق الحكم الذاتي الناجحة كهذه توجد في أماكن أخرى. وتعتبر منطقة ترينتينو-ألتو أديج في إيطاليا ومنطقة ماديريا المتمتعة بالحكم الذاتي في البرتغال خير مثال على ذلك، تماماً مثل إقليمي كتالونيا والباسك في اسبانيا. وإقامة أشباه الدول هذه عمل مراراً على حلً النزاعات طويلة المدى.
يسعى محمد السادس إلى إيجاد حل لنزاع الصحراء الغربية بناء على الأرضية المشتركة بدلاً من الصراع. إن عمله القيادي هذا يهم الجميع. وليس خافياً على أحد بأن الشباب الذين يقيمون في هذه المخيمات يتم استهدافهم للتجنيد من قبل القاعدة والجماعات الإرهابية المحلية الأخرى. بالفعل، أعادت أخطر الجماعات الإرهابية في الجزائر مؤخراً تسمية نفسها بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
ولهذا فمن المهم أن يقبل مجلس الأمن اقتراح المغرب بتشكيل منطقة حكم ذاتي وألا يدفع إلى نقاش من أجل منح الصحراء الغربية الاستقلال التام، الذي لا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال في المستقبل المنظور. وستتحول دولة مستقلة ضعيفة على وجه السرعة إلى دولة يسيطر عليها الإرهاب.
ولهذا السبب ينبغي على الولايات المتحدة أن لا تتردد في تقديم دعمها للاقتراح المغربي. لأنها ستساعد بذلك دولة إسلامية حديثة ومعتدلة، وحليفاً استراتيجياً. والأمر الأكثر إلحاحاً هو أنها ستساعد شعب الصحراء الغربية على استعادة حريته المفقودة وحقه في الوجود السلمي.
ترجمة: كوثر علي
عن »انترناشيونال هيرالد تربيون«
بقلم: فريدريك فريلاند