أجرت وكالة الأنباء البيروفية حواراً مع المفكر الأميركي نعوم تشومسكي أثناء زيارة قام بها إلى العاصمة ليما، مؤخراً، ولقد تناول هذا الحوار عدة محاور رئيسية تخص حاضر ومستقبل بلدان أميركا اللاتينية وبعض نقاط التوتر في العالم, وأكد الكاتب الشهير أنه على الرغم من أن أميركا اللاتينية تمتلك موارد هائلة، إلا أن تلك الموارد لم تؤثر في تطوره. وفيما يلي نص الحوار:
* ما هو تقييمك للوضع في أميركا اللاتينية بعد جولتك القصيرة فيها؟
ــ سنحت لي الفرصة لملاحظة وجود عمليات تطور مهمة تجري على قدم وساق في أميركا اللاتينية. فهذه هي المرة الأولى منذ الغزو الإسباني، قبل 400 عام، التي تتحرك فيها شبه قارة أميركا الجنوبية باتجاه أشكال جدية من الاندماج والتكامل. لكن حلم بوليفار لم يتحقق بعد. خاصة وأن بلدان المنطقة عاشت، بعد الاستقلال السياسي, منقسمة على نفسها بطريقتين. من الجانب الأول، عاش كل بلد مفصولاً عن بقية البلدان، ومن الجانب الآخر، كانت تلك البلدان منقسمة على نفسها من الداخل أيضاً, وذلك بين طبقة اجتماعية غنية وصغيرة الحجم ــــ منحدرة على العموم من مهاجرين بيض ــــ وجمهور كبير قوامه الهنود الحمر والسود.
والافتقار إلى أشكال التكامل والاندماج جعل من الصعب على أميركا اللاتينية أن تتمكن من أن تكون مستقلة عن سلطة الإمبراطوريات الغربية ـــ الولايات المتحدة هي الأهم من بينها جميعاً, لكنها ليست الوحيدة. لكن هذا الوضع بدأ بالتغير، بحيث باتت بلدان أميركا اللاتينية تواجه مشكلاتها الداخلية، ذلك أن لديها أسوأ معايير لجودة الحياة في العالم. كما تحاول أن تتكامل فيما بينها، لكن هذه الحركة بطيئة وصعبة.
* إذن حسب تقديرك، فإن الطريق الذي بقي لأميركا اللاتينية هو طريق الوحدة بين بلدانها.
ــ الاندماج يتم عادة بين البلدان، لكن تلك العملية يجب أن تسير بصورة موازية مع حل مشكلة الفصل الحاد بين طبقات المجتمع الواحد، حيث يعد ذلك جزءاً من المسألة ذاتها. فالأميركيون اللاتينيون هم ضحايا الكولونيالية الجديدة، فضلاً عن المشكلات الداخلية الهائلة التي يواجهونها.
ذلك الأمر يشاهد بشكل واضح للغاية إذا ما قارنا المنطقة مع التغييرات الجارية في شرق آسيا خلال السنوات الخمسين الأخيرة. وسنرى أن أميركا اللاتينية أغنى في الموارد، بيد أن ذلك الغنى لم يؤثر في تطورها. وفي مقابل ذلك، فإن منطقة شرق آسيا شهدت نمواً صناعياً سريعاً. وبات مجتمعها الآن مجتمعاً صناعياً. الفارق جلي جداً والمرء يتساءل عن السبب.
* أي فوارق أخرى تراها بين آسيا وأميركا اللاتينية؟
ــ أميركا اللاتينية لديها أسوأ نوعيات الحياة الإنسانية، فيما الوضع في الشرق الأقصى مختلف تماماً. ففي هذا الجزء من أميركا لا تتحمل البلدان عملياً المسؤولية عن حياة وصحة السكان، بينما يفعلون ذلك في آسيا. إذ أن تصدير المواد الخام لم يعن بالنسبة إلى أميركا اللاتينية تحسناً على صعيد الوضع الصحي، على سبيل المثال. لكن بلدان شرق آسيا قامت في الفترة ذاتها بتحويل مداخيلها إلى برامج تنموية على غرار تحسين التكنولوجيا وتشجيع وحماية صناعاتها.
بلدان شرق آسيا سلكت طريق الأمم المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، مع أنها ربما لم تسترشد بالمبادئ الليبرالية بل بمبادئ الحماية وتحسين التكنولوجيا. وإن بلداناً مثل الهند والصين قد أحرزت على هذا النحو تقدماً عظيماً مقارنة مع ما كانت عليه في القرن التاسع عشر.
* كيف يمكن أن تصف التوجه الليبرالي في أميركا اللاتينية؟
ــ لقد كانت أميركا اللاتينية واقعة في فخ أنماط كولونيالية. أما قوة الليبرالية فإنها تكمن في العودة إلى القرن التاسع عشر، إلى أن تبقى المنطقة في إطار العالم الثالث. لكن بلدان شرق آسيا لم تواصل الطريق الليبرالي، وإنما سلكت طريق الأمم الغنية وطورت نفسها بنفسها من خلال السيطرة على الاستثمارات وحماية اقتصادها.
أميركا اللاتينية لديها أسوأ المستويات التعليمية والصحية في العالم، بيد أنها شرعت، مع ذلك، بمواجهة هذه الصعوبات بناءً على الحركات الاجتماعية والحكام يقومون بتحريك بلدانهم نحو التكامل والاندماج، وهي عملية موازية والمنطقة عموماً تشهد الكثير من حالات التحسن، التي لا تزال بطيئة، في أماكن مثل فنزويلا.
* ما رأيك بنظريات صامويل هنتنغتون التي تصف الوضع الحالي الذي يمر به العالم بأنه صدام حضارات؟
ــ تناول هنتنغتون في كتابه »صدام الحضارات« الانقسام بين الغرب والإسلام أكثر من أي أمر آخر. وهذا مثير للسخرية، ذلك أن الولايات المتحدة تخوض حرباً مع أميركا اللاتينية منذ زمن أطول بكثير من عمر الحرب التي تخوضها مع الإسلام، وفي الوقت الذي قام فيه بكتابة ذلك الكتاب، كان البلد الإسلامي الأكثر تشدداً الحليف الأقرب للولايات المتحدة.
كان من الملائم، بالنسبة للبعض، إيجاد صراع بين الغرب وديانة ما. فهم الذين جعلوا الصراع مع الإسلام يرى النور، حيث من الممكن تحديد طبيعة الموارد التي يسعون إليها عند إيجاد هذا الخلاف بين الغرب والمسلمين. وإن أبرز الأشخاص الذين يدفعون بهذا الاتجاه هما أسامة بن لادن وجورج دبليو بوش، بالإضافة إلى حلفاء كل منهما بالطبع. فهؤلاء هم الذين عززوا بسياساتهم هذا النزاع.
* في إطار هذا المشهد، ما هي علاقة الولايات المتحدة مع أميركا اللاتينية؟
ــ العلاقة مع أميركا اللاتينية أمر مختلف. فحكومة الولايات المتحدة ــ وليس شعبها ــ متعارضة تماماً مع تطور أميركا اللاتينية وانعطافتها نحو اليسار. والولايات المتحدة لديها الكثير من الأدوات للسيطرة على شبه القارة.
فلقد استخدمت العنف والخنق الاقتصادي بشكل تقليدي، لكن كلا الأداتين باتتا ضعيفتين. والمرة الأخيرة التي دبرت الولايات المتحدة فيها انقلاباً كانت في عام 2002 في فنزويلا ولم تنجح. أما من الناحية الاقتصادية، فإن بلدان أميركا اللاتينية تعتمد بدرجة أقل على الولايات المتحدة، ذلك أنها تعقد المزيد والمزيد من الصفقات التجارية مع الصين، على سبيل المثال.
* هل تعتبر أن عملاً مثل إعدام صدام حسين من جانب الحكومة العراقية كان بمثابة تقهقر إلى العصور الوسطى؟
ــ الحكومة العراقية هي حكومة الاحتلال العسكري. وحكومة جورج دبليو بوش رعناء طائشة وهي غير مؤهلة وتنحرف عن مصالحها الخاصة. والقيمون عليها هم الذين أوجدوا كارثة العراق. ولقد حولوا عن طريق هذا الإعدام مسخاً إلى أنموذج، حيث أساؤوا للعالم أجمع وللمسلمين على وجه الخصوص، علماً بأنه أدين بجرائم ارتكبها في وقت كان مدعوماً فيه من قبل الولايات المتحدة. والناس في الشرق الأوسط يعلمون ذلك.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن: »ربليون«