عند هذا المنعطف من الكتاب يمضي بنا زبجنيو بريجنسكي نحو قراءة استراتيجية معمقة للأسباب التي أدت إلى ضياع ما يسميه بفرصة أميركا الأولى في قيادة العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، وهو يوضح أن هذه الفرصة كانت أعظم من تلك التي أتيحت لأميركا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،

وينتقل من تناول هذه الأسباب الموضوعية للفشل الأميركي إلى ما يتعلق بدور الرئيس الأميركي جورج بوش الأب الذي يرى أنه على الرغم من الاحترام الذي أحاطه به العالم لدى مغادرته منصبه، إلا أنه لم يكن يملك الرؤية العالمية الرحبة التي تمتد إلى آفاق المستقبل،

وانه لم ينتهز الفرصة لتشكيل ملامح هذا المستقبل عبر تجديد هيكلي على مستوى العالم كما لم يقم بتدخل أميركي حاسم على الصعيد السياسي في الشرق الأوسط، وما من شيء من هذا كله بدا أنه يمكن أن يتحقق لو أنه فاز بفترة رئاسة ثانية.

ومن منظور المؤلف فإن هزيمة الاتحاد السوفييتي جاءت نتيجة لجهد جماعي أميركي دام أربعين عاما وامتد عبر مقرات رئاسة هاري ترومان، دوايت ايزنهاور، جون كيندي، لندون جونسون، ريتشارد نيكسون، جيرالد فورد، جيمي كارتر، رونالد ريغان، جورج بوش الأب.

وبطرق مختلفة ومتباينة فإن كل رئيس أميركي تقريبا قدم مساهمة كبيرة في الوصول إلى هذه النتيجة، ولكن هناك مساهمات كبيرة أيضاً جاءت من شخصيات أخرى مثل البابا يوحنا بولس الثاني وليخ فاليسا قائد حركة تضامن البولندية وميخائيل غورباتشوف آخر رئيس سوفييتي.

هذا الجهد التراكمي الهائل ساعد في دفع البيرسترويكا التي جاء بها غورباتشوف نحو أزمة عامة للنظام السوفييتي ب\كاملة، وجاء بوش الأب بعد ريغان ليستغل هذه الأزمة ببراعة دبلوماسية فائقة لتحقيق تحول تاريخي نادر المثال في مسيرة العالم.

لكن بعد خمسة عشر عاماً من سقوط جدار برلين الذي كان الرمز الكبير لهذا التحول التاريخي، أصبحت أميركا التي اعتزت بنفسها أشد الاعتزاز وحظيت بالإعجاب ينظر إليها بكراهية في مختلف أرجاء العالم، وتمزقت مصداقيتها وشرعيتها،

وغاصت مؤسساتها العسكرية في حروب بلقان عالمية تمتد من الشرق الأقصى حتى تخوم الصين، ومضى حلفاؤها الذين كانوا مخلصين لها في السابق ينأون عنها، ووثقت نتائج استطلاعات للرأي على مستوى العالم لعداء واسع النطاق للولايات المتحدة.

لماذا يكرهوننا؟

هذا السؤال الذي تفجر في أرجاء أميركا من أعلى المستويات وصولا إلى رجل الشارع جعل من الصعب على الكثيرين في عام 2006 أن يتذكروا تلك الفرصة التي كانت في متناول يد أميركا عشية اطلالة القرن الحادي والعشرين.

في ذلك الوقت، كان القرن العشرين الذي شكل الساحة الممتدة للسباق الدموي نحو الهيمنة على العالم الذي يعد الصراع الأكثر دموية في التاريخ البشري قد انتهى لتوه بعد صراعين ملحميين. لقد أنهى استسلام ألمانيا النازية في مايو 1945 واليابان الإمبراطورية في أغسطس من العام نفسه المحاولة الأكثر وحشية للحصول على الهيمنة العالمية بقوة السلاح المباشرة،

وبعد ذلك بنصف قرن تقريباً أشار إنزال العلم الأحمر عن برج الكرملين في أواخر ديسمبر 1991، ليس إلى انحلال الاتحاد السوفييتي وتفككه فحسب وإنما إلى النفس الأخير في ايديولوجية سعت بالمثل إلى السيطرة على العالم.

وإذا كان مايو 1945 قد أشار إلى مكانة أميركا باعتبارها القوة الديمقراطية الأكثر بروزاً في العالم، فإن ديسمبر 1991 قد أشار إلى بروز أميركا باعتبارها القوة العالمية الأولى. ومن الغريب أن هزيمة ألمانيا النازية قد رفعت أميركا إلى مرتبة عالمية رفيعة مع أنها لم تلعب دوراً حاسماً في إيقاع الهزيمة العسكرية بالنازية، فهذا هو الدور الذي قام به حقاً الاتحاد السوفييتي تحت قيادة ستالين، خصم هتلر الرهيب.

وبالمقابل فإن الدور الأميركي في إيقاع الهزيمة السياسية بالاتحاد السوفييتي كان دوراً محورياً. غير أن سقوط الاتحاد السوفييتي لم يكن واضحاً ولا مفاجئاً على نحو ما كان سقوط ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية، وإنما كان عملية حافلة بالفوضى وممتدة زمنياً وغارقة في المشكلات من حيث نتائجها ومثيرة للجدل من حيث خسائرها وغامضة وملتبسة في التعبير عنها.

وساهم في هذا الغموض الذي أحاط بنهاية الاتحاد السوفييتي أن إفقاد الشيوعية السوفييتية مصداقيتها وتحلل الاتحاد السوفييتي نفسه لم يكن من الممكن نسبتهما إلى سبب واحد أو حتى تحديدهما من الناحية الزمنية بصورة دقيقة، فديسمبر 1991

كان في جوهره تاريخاً رمزياً هو ذروة سلسلة من الأحداث والنكسات والأخطاء والأحداث من داخل العالم السوفييتي وخارجه أدت عبر تراكمها إلى اكتساح الواجهة المتحللة بصورة متفاقمة للحتمية التاريخية وللصمود المزعوم، وفي وقت لا حق فحسب أمكن للعالم أن يتفهم بصورة كاملة المعنى الجيوسياسي والإيديولوجي لهذا التحول الهائل.

ونتيجة لهذا فإن ما بدا واضحاً للغاية في ديسمبر 1945 لم يكن واضحاً على الإطلاق في 1991، ففي 1945 كانت الفرصة الكامنة في النصر قد وضحت حسب تعبير روزفلت بأنها تكرس عالماً واحداً، وذلك على الرغم من ان ذلك العالم كان يقسم بالفعل إلى معسكرين، والآمال الكبار في نهاية الاقتتال والسلام الشامل جعلت الناس يرقصون في الشوارع بصورة حرفية.

وبعد أربعة عقود ونصف العقد من ذلك فإن استجابة الناس للتطورات كانت أقل وضوحاً، فلم يكن هناك رفض في شوارع عواصم التحالف الأطلسي عندما تفكك الاتحاد السوفييتي. حقاً أنه كانت هناك مظاهر عارمة للفرح وفي وارسو وبراغ وبودابست وفي ألمانيا التي توحدت من جديد ولكن الغرب أعرب عن ارتياحه بأكثر مما أبدى بلهجته.

ومع ذلك فإن الفرحة المتاحة لأميركا كانت أعظم في 1991 مما كانت عليه في 1945، وإن كانت أقل وضوحاً، فالقوة الأميركية لم يكن لها نظير أو منافس ولم تكن تواجه تهديداً لا على الجبهة الشرقية ولا الغربية ولا على الجبهات الجنوبية للحرب الباردة التي شنت على امتداد عقود عبر الكتلة الآسيوية ـ الأوروبية.

وفي 1991، وعلى الرغم من أن أوروبا كانت شبه منقسمة إلا أنها كانت مشغولة بربط نفسها بالجانب الآخر من المحيط الأطلسي وكان القسم الغربي منها مرتبطاً بحزم بالولايات المتحدة عبر الناتو بينما كان القسم الشرقي المحرر حديثاً من الهيمنة السوفييتية يسعى إلى ادراجه في الجماعة الأوروبية ـ الأطلسية، وكانت إعادة توحيد ألمانيا تمضي قدماً في أجواء من التحرر الحماسي.

الأكثر من هذا ان التحالف الأطلسي كان قوياً كعهده، بعد أن تجاوز الخلافات التي دارت حول الموقف من إعادة توحيد ألمانيا، والأمر الذي كان واعداً بصورة أكبر تمثل في العلاقات الأميركية الأوروبية من منظورها الأشمل.

وفي ذلك الوقت لم يكن أي من الصين أو اليابان يشكل تحدياً لقوة أميركا وكانت كوريا الشمالية تعاني من العزلة، وانعكس اختفاء الاتحاد السوفييتي سلباً على الدول العربية مما جعلها تعيد النظر في مواقفها، وغدت كوبا بوضوح للمراقبين مجرد بقعة معزولة.

هكذا فإن مفهوم العالم الثالث أصبح مفهوماً أجوف مجرداً من أي دور سياسي مع اختفاء «العالم الثاني»، ولم يعد له أي معنى استراتيجي حقيقي مع اختفاء الاتحاد السوفييتي. وبرز في ذلك الوقت مفهوم النظام العالمي الجديد الذي طرح لوقت قصير، وكان مفهوماً غامضاً على الرغم من أنه بدأ إيجابي الواقع.

المحافظون الجدد

يشدد المؤلف على الأهمية الكبيرة لرؤيتين للحاضر والمستقبل فرضتا نفسيهما هما العولمة ونزعة المحافظين الجدد، ويؤكد أنهما لم تتجاوزا ذلك أي رؤيتين، ولم تصلا إلى مرتبة الايديولوجية المتكاملة. وهو يشير إلى أن هاتين الفكرتين كلتيهما ادعت لنفسها التعبير عن المعنى الداخلي للتاريخ،

غير أن الأولى افتقرت إلى البهرجة الفكرية التي تمتعت بها منافستها، ولم تجد لها الدعوة بمزيد من الحماس، وركز القائلون بها على التأثير العالمي للتقنية والاتصالات والتجارة والتدفقات العالمية، التي استمدوا منها دروساً أساسية بالنسبة لوضع أميركا ودورها في العالم.

وفي جوهرها أوحت العولمة بقيادة أميركية، فأميركا هي التي دعت لها في المقام الأول وقامت بصياغتها، كما أنها في صميمها تحيل إلى مصدر أو منبع مركزي، إلى نقطة انطلاق، إلى نقطة الهام ودفع، وأميركا كانت المرشح المحتمل الوحيد لهذا كله، على الرغم من أن اسمها لم يذكر صراحة في هذا الصدد، وإنما جاء في معرض الإشارة والتعليم.

ومن المهم ملاحظة أن التأصيل النظري لمفهوم العولمة لا يمكن تتبعه إلى كلاسيكيات فكرية شمولية محددة، وبالتأكيد لا يمكن رده إلى مصدر عقيدي واحد، فهي قد كسبت تداولها كمفهوم عبر الانسياب الإعلامي، وعبر إطلاق الشعارات، ومن خلال افتتاحيات الصحف ومؤتمرات أنشطة الأعمال، وجرت إشاعتها من خلال كتب قصد بها أن توجه إلى القارئ العام.

بالمقابل فإن المبدأ المنافس، الذي ازدهر في ظل رئاسة جورج دبليو بوش، تمثل في نزعة المحافظين الجدد التي كانت أكثر ميلاً إلى الطابع الحركي النشط، وأضفت الشرعية على نفسها من خلال إعادة تفسيرات تاريخية تخدم نفسها للظاهرة المعروفة بالريغانية.

ولا يتردد المؤلف (في صفحة 37 من كتابه) في ايضاح أن نزعة المحافظين الجدد هي بصورة أساسية صياغة محدثة للامبريالية، وليست معنية بالحقائق العالمية أو بالاتجاهات الاجتماعية الجديدة، وإنما هي تعكس أولويات محددة شدد عليها المحافظون الجدد في الشرق الأوسط على وجه الدقة،

ووسط مشاعر الخوف والغضب والقلق التي سادت أميركا بفعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عمد المحافظون الجدد إلى احتيال هذه اللحظة وتجييرها لصالح التوظيف العملي على الأرض للمفاهيم التي تحمسوا لها.

في اعتقاد بريجنسكي أنه لولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر لظل المبدأ أو المذهب الذي قال به المحافظون الجدد مجرد ظاهرة هامشية، ولكن تلك الأحداث الكارثية أضفت على طروحاتهم مظهر الأهمية والجدوى، وفي ظل إدارة بوش الابن ترجموا مقدماتها إلى مبدأ سياسي وعسكري أميركي رسمي.

وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر تسرب هذا المبدأ أيضاً إلى الحياة السياسية الداخلية في أميركا، حيث تم الترويج على نطاق هائل للخوف من الإرهاب وتم إيجاد ثقافة سياسية بدأت في ظلها النزعة اليقينية الأخلاقية تطغى على التسامح الاجتماعي، وبصفة خاصة حيال ذوي الأصول أو المظاهر العرقية التي يمكن النظر إليها على أنها تثير الريبة.

هكذا فإن هاتين الرؤيتين، أي العولمة كمد صاعد ونزعة المحافظين الجدد كدعوة أو نداء للحركة قد سيطرتا على الساحة السياسية وصادرتا على أي وجهات نظر بديلة. غير أن المؤلف يشدد في ختام هذا التناول لهاتين الرؤيتين على أن أياً منهما ليست كافية تاريخياً للتحدي الذي تواجهه أميركا الآن، فهذا التحدي هو في أي تحد استراتيجي وفلسفي.

ما هو الهدف الكبير الذي يلتزم به المواطن في الغرب الديمقراطي الآن بعد إيقاع الهزيمة بالشيوعية؟ بالنسبة للكثيرين من الطبقات المتوسطة العليا فإن الإجابة عن هذا السؤال تناهت عبر كلمتين محددتين، هما: النسبية الغنوصية، لا قناعات أكثر عمقاً ولا التزاما تجاوزيا، مع حياة رخية تحدد إلى حد كبير من خلال مؤشر داو جونز الصناعي وسعر البنزين.

إذا كان الأمر كذلك فإن الانفصال بين النسبية الغنوصية في الغرب من ناحية والنزعة الأخلاقية الاصلية في صفوف سكان المجال السوفييتي السابق الذي استبد به الفقر والعالم النامي الذي استيقظ سياسياً من شأنه أن يوسع هذه الانقسامات العالمية، والرد على ذلك بالنسبة للكثير من الأميركيين تعني أن يجيء من تحديد أخلاقي أكثر عمقاً لدور أميركا العالمي، ومن دون هذا فإن قيادة أميركا للعالم ستفتقر إلى الشرعية.

رجل محترم، ولكن!.

هنا على وجه الدقة يبدأ المؤلف رحلة التقويم الطويلة لمسيرة أميركا في قيادة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة تحت قيادة كل من جورج بوش الأب وجورج بوش الابن وبينهما ـ وبالطبع ـ بيل كلينتون. التحليل الذي قدمه بريجنسكي يتمتع بالجاذبية والعمق، لكنه يقتضي أيضاً الكثير من اليقظة من جانب القارئ العربي في متابعة تطوراته.

البداية هي تأكيد المؤلف على أنه إنصافاً لبوش الأب فإنه لم يقدر لأي رئيس أميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن يواجه اضطراباً عالمياً هائلاً كالذي صادفه بوش مع صعوده إلى سدة الرئاسة، ولكن من حسن حظ الرجل أنه كان يتمتع بقدر هائل من الخبرة والمعرفة في السياسة الخارجية؟ أتاح له أن يصمد في وجه الإعصار الذي نشأ مع التداعيات الهائلة المواكبة لانهيار الاتحاد السوفييتي وما أعقب ذلك من تطورات.

هذه التحديات اتسع نطاقها لتشمل الصعوبات المواكبة لإعادة توحيد ألمانيا والاضطرابات العاصفة في الصين، والتزامن بين مشكلات على جانب كبير من التعقيد وبين الانفجار الذي شهده الشرق الأوسط مع تعرض الكويت للغزو العراقي.

ولا يتردد بريجنسكي في الإعراب عن اعتقاده بأن هذا التزامن هو الذي أتاح لبوش النجاح في علاج الموقف في الكويت من خلال حرب الخليج الأولى. يرى بريجنسكي أن بوش الأب رحل عن منصبه رجلاً يحظى بالاحترام من جانب العالم كله، لكن ذلك لا يحول دون القول إن أبرز قصور له لم يكن ما قام به، وإنما ما لم يقم به.

لم ينتهز بوش الأب الفرصة التاريخية التي أتيحت له بتشكيل المستقبل، ولم يترك وراءه إحساساً قوياً بالاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه من سيخلفونه، فقد كانت اللحظة التاريخية تستدعي رؤية شاملة للعالم ككل وتدخلاً حاسماً من جانب الولايات المتحدة على الصعيد السياسي حسب رؤية بريجنسكي.

كانت هذه اللحظة تستدعي انطلاقة كبرى نحو التجديد الهيكلي العالمي على النحو الذي رأيناه في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومواكبة للفرص المتاحة لتحقيق التعاون الدولي وبصفة خاصة مع روسيا والصين والقوى الناشئة الأخرى، ولكن حتى لو أن بوش كان قد فاز برئاسة ثانية فإنه لم يبد في الأفق أن هذا كله أمامه فرصة للتحقق.

هذا عن بوش الأب، فماذا عن بيل كلينتون وبوش الابن؟

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين