يستمد هذا الكتاب أهمية الموضوع الذي يتناوله، حيث يبحث في دور ومكانة الولايات المتحدة الأميركية في هذا العالم وما طرأ عليها من تغيرات في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وانهيار خصمها اللدود الاتحاد السوفييتي، وذلك من خلال تقديم جردة وافية لما قدمته أميركا وما لم تقدمه وللحالات التي أساءت فيها استخدام قوتها سواء منها الصلبة أم اللينة من دون أي مراعاة لمسؤولياتها تجاه شعوب ودول العالم الأخرى بصفتها القوة العظمى الوحيدة في العالم.

مؤلف كتابنا، الدكتور كيشور محبوباني عمل سفيرا لسنغافورة لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك وعلى فترتين. وهو أستاذ أكاديمي ضليع. وبعد انتهاء فترة عمله مندوبا لبلاده لدى المنظمة الدولية عاد الأستاذ محبوباني ليتولى عمادة مدرسة (كلية) لي كوان يو للسياسة العامة في سنغافورة، وليوافي كبريات الصحف والمجلات الدولية بمقالاته في الشئون الدولية. ثم ليصدر الكتاب الذي نقدم له عرضا تحليليا ومناقشة متعمقة فيما يلي من سطور. سنغافورة، موطن محبوباني، هي جزيرة متواضعة أو كانت كذلك في منطقة جنوب شرقي آسيا، قبل أن تتطور بفضل خطط النمو المتوالية التي سهرت على تخطيطها وتطبيقها قيادة وطنية واعية كان على رأسها (لي كوان يو) الذي ظل رئيسا لوزراء سنغافورة لفترة طويلة فوصل بالجزيرة إلى حيث باتت طرفا معدودا ضمن فريق جنوب الشرق الآسيوي الذي أطلقوا عليه في التسعينات صفة «النمور» إشارة إلى ما حققته تلك الأقطار من إنجازات.

يكتسب هذا الكتاب أهمية إضافية من كونه صادراً بقلم باحث ومفكر، من العالم الثالث إن شئت، ولكنه معني بظاهرة القوة الأميركية الصلبة واللينة الناعمة -التي تسود العصر الذي نعيش فيه.ومن منظور المنهج الواقعي فإن المؤلف يحاول في رأينا أن يعطي لكل طرف حقه. يقول إن أميركا أعطت للعالم الأمل وأتاحت للملايين من أبناء العالم المهاجرين إليها فرصة تطوير حياتهم والارتقاء بمعايشهم، لكن أميركا بعد انتهاء الحرب الباردة ـ يقصد طبعا مع تسعينات القرن الماضي ـ ما لبثت أن ارتكبت خطأ فاحشا ـ غلطة رهيبة كما يقول مؤلف هذا الكتاب.

كيف حصل ذلك؟

هنا يورد المؤلف إجابة فريدة في نوعها قائلا: أخطأت أميركا حين تصرفت وكأنها بلد عادي ليس إلا(!) بمعنى أنها لم تُلق بالا إلى أي عواقب قد تترتب على ما يتخذه صانع القرار الأميركي من قرارات. وهذه العواقب كان يمكن أن تُلحق الضرر بالآخرين وهذا ما حدث بالفعل. وفي السياق نفسه بدأت أميركا تستخدم المؤسسات المالية العالمية (يقصد الصندوق والبنك الدوليين) لتحقيق مصالحها الخاصة وعلى حساب مصالح الدول والشعوب الأخرى.بل أن الأخطر من ذلك كله يلخصه البروفيسور كيشور محبوباني حين يقول: كم افتقرت أميركا إلى نهج الصواب والحكمة في السياسة التي اتبعتها إزاء كتلتين ضخمتين في عالم البشرية وهما: الصينيون والمسلمون.

مشاعر السخط

وبقدر ما كانت أميركا تجسده من أمل أمام شعوب العالم (أنظر مثلا تصديها للعنصرية النازية منذ الأربعينات) وبقدر ما أفادت به البشرية (وربما لا تزال تفيد) في مجال الاكتشافات والتطويرات والإبداعات والمخترعات (تأمل مثلا بيل غيتس وأياديه البيضاء ما بين الانترنت الحاسوبي إلى التبرعات المليارية لخير البشرية جمعاء) - بقدر ما أن المؤلف ينعي على أميركا أنها خلقت بأفعالها مؤخرا هوة متعمقة من عدم الثقة ومن السخط بينها وبين أطراف شتى في عالم اليوم.

لا عجب أن يصف الكتاب، من حيث منهجه وتوجهاته، البروفيسور هنتنغتون صاحب نظرية التصادم الحضاري قائلا: إنه غني بالملاحظات الثاقبة حول جانبي الخير والشر في القوة الأميركية بالنسبة للعالم.ولا عجب أيضا أن يختار البروفيسور محبوباني عنوانا فرعيا للكتاب يقول فيه: نحو إعادة بناء الثقة بين أميركا والعالم.

والرجل بغير مقدمات يبدأ سطوره قائلا: لقد وضعت هذا الكتاب كي أنبّه أصدقائي الأميركيين إلى مأساة يمكن تحاشيها وهي: أن بقية العالم بدأت تتحول ضد أميركا، والدليل موجود بوضوح، فقد أثبتت استطلاعات الرأي عند مؤسستي بيو وزغبي (الأستاذ جيمس زغبي) بشأن المواقف تجاه أميركا حقيقة الآراء السلبية إزاءها وبرغم الثقة والمودة والتي شهدتها مراحل ماضية منذ الحرب العالمية الثانية. وبصراحة، فالمسألة ليست حول الأشخاص أو الأفراد بمعنى أنها لا تتعلق بجورج بوش أو بيل كلينتون.. إنها تتعلق بأثر القوة الأميركية في العالم.

ويستطرد المؤلف ليقول: ربما نشهد في زماننا تناقضا عجيبا.. فالعالم يتقلص وينكمش (بفضل ثورة الاتصالات) والقوة الأميركية تتسع وتتمدد ومن ثم فهي حتما تجور على مصالح بل وحياة جماهير غفيرة من سكان العالم.

من الإحسان إلى الإساءة

بعد هذا التمهيد نتحول إلى الفصلين الأول والثاني وهما في تصورنا المحور الأساسي للمقولات المطروحة بين سطور هذا الكتاب.. وقد رأينا لذلك أن نعرض عنوانهما ضمن سياق واحد على النحو التالي:

الفصل الأول عنوانه: كيف تفيد أميركا العالم.

الفصل الثاني عنوانه: كيف تضر أميركا بالعالم.

إن الأمل هو أكبر جائزة أفادت بها أميركا عالمها هكذا يقول المؤلف في مستهل الفصل الأول.

لقد رفضت أميركا أن تنضم إلى مسيرة الدول الاستعمارية القديمة، بل أنها شجعت عملية تصفية الاستعمار وعندما استجمعت أسباب قوتها بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تتحرك على أساس سيادة القانون ومبدأ التعددية وإقرار قاعدة الجدارة والتكافؤ في علاقات الدول بل وفي حياة الأفراد.وبمناسبة حكاية الأفراد من البشر، يحكي السفير محبوباني لقارئيه عن تجربته الشخصية كشاب نشأ وتربى في مجتمع آسيوي كان يعاني من مختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

يقول أنه التحق بالمدرسة في سن السادسة وسط بيئة كانت تعاني الفقر والتوترات الاجتماعية، حيث تستبد بمقاليدها العصابات الصينية الأصل، وحيث كان أبوه شخصيا من ضحايا هذه الأمراض الاجتماعية من معاقرة الشراب ومن إدمان القمار ومن مكابدة المسغبة. ثم يجمل المؤلف هذا كله في عبارة واحدة تقول: وما أن بلغت الثالثة عشرة حتى كان أبي مودعا في غياهب السجون.

كانت أسرته قد هاجرت من الهند إلى سنغافورة ـ المستعمرة البريطانية السابقة بحثا عن فرصة لحياة أفضل وكان أبواه قد ارتضيا أن يطلق عليهما صفة «رعايا» جلالة الملكة البريطانية. لكنه مع نشأته الأولى كان قد وعي ما جاءت به أميركا منذ الخمسينات إلى العالم من قِيَم جاء في مقدمتها إلغاء فكرة «التابعية» لصالح فكرة «المواطنة» للفرد وتعزيز حق تقرير المصير للوطن وللشعب بشكل عام.

هكذا ـ يضيف كتابنا ـ نعمت أميركا منذ الخمسينات بأن راكمت رصيدا متزايدا من حُسن النية ومن نظرة الشعوب الإيجابية إليها حتى في الدول التي ربطها بها تجارب غاية في القسوة ومنها اليابان مثلا التي أصيبت بعد الحرب العالمية بالقنبلة الذرية. ومع ذلك فقد ازدهرت علاقات الطرفين حيث أفادت اليابان إلى حد كبير، مشهود ومرموق من الاختراقات بمعنى الفتوحات التي حققها علماء أميركا ومخترعوها في مجالات العلم والتكنولوجيا. هنالك بدأت طوكيو بالمحاكاة والتقليد وبعدها انطلقت في مسيرة الإضافة ثم التطوير ومن ثم إلى الابتكار والإبداع.

حكاية الكومودور

هل سمعت بحكاية الكومودور بيري؟ هكذا يتساءل المؤلف: وقبل أن تجيب نقول أن الكومودور هي رتبة العميد البحري وأن بيري كان ضابطا في الأسطول الأميركي وأنه ظهر على متن الطرادة التي كان يقودها عند سواحل اليابان، وكان ذلك في عام 1853. لم يكن هذا أول ظهور لقطع بحرية غربية أمام سواحل آسيوية. كم سبقتها أساطيل من البرتغال، وانجلترا وأسبانيا وفرنسا جابت وتجولت في بحار شرقي آسيا وجنوبها وفي مياه المحيط الهادئ.

كل هذه القوى الغربية اكتفت بالنزول فوق الشواطئ وأقامت على السواحل مراكز تجارية متقدمة دون أن تتفاعل مع دواخل البلاد. هكذا ظل الهولنديون يمارسون التجارة مع أهل اليابان على مدار 250 سنة أو نحوها دون أن يحاولوا من جانبهم أن يفتحوا اليابان على العالم الخارجي.وهنا جاء الدور الفريد للملاّح الأميركي العقيد بحري ماثيو بيري. هذا الدور تلخصه سطور كتابنا حيث تقول إن الرجل صمم على ضرورة أن تفتح اليابان أبوابها وعقليتها وإمكاناتها لكي تتاجر، ومن ثم تتفاعل مع هذا العالم الخارجي، وقد كان له ما أراد.

انفتحت اليابان، أدركت قدراتها الكامنة، واستجمعت إرادتها الوطنية على تطوير حياتها وعلى أن تفارق أعرافها الآسيوية الموروثة لكي تعيش زمان النصف أو الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وبفضل هذا التصميم دخلت اليابان مع السنوات الأولى من القرن العشرين وقد قطعت أشواطا مرموقة حقا في مضمار التمدن والتطوير. وفي عام 1905 دخلت اليابان الفتيّة الصاعدة في حرب ضروس مع إمبراطورية روسيا.

فكانت هزيمة روسيا التي دوت يومها في أصقاع عالم ذلك الزمان. يعلق المؤلف قائلا: جاء انتصار اليابان على روسيا ليشكل أول مسمار في نعش السيطرة الامبريالية الأوروبية على آسيا. ها هو جواهر لال نهرو، الزعيم الذي قاد الهند إلى الاستقلال في عام 1947 يؤرخ لحياته فيقول أنه عندما عايش أول هزيمة يلحقها بلد آسيوي بقوة أوروبية أدرك في تلك اللحظة إمكانية تحقيق استقلال الهند عن الحكم (الاستعماري) البريطاني.

وإذ ينتقل المؤلف إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية فهو يحرص على تعداد مآثر، بل ومناقب، السياسة الأميركية ـ من وجهة نظره على الأقل، سواء عندما حرصت أميركا على تمهيد السبل لقيام الأمم المتحدة كمنظمة كانت تجسد أحلام الشعوب وتطلعها في ذلك الوقت إلى نيل الاستقلال وإقرار حق تقرير المصير، أو عندما وضعت واشنطن مشاريعها الشهيرة لتقديم المعونات الاقتصادية والتقنية إلى العديد من شعوب العالم مع بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي. في هذا الخصوص يلمح المؤلف إلى ما لمسه شخصيا في أفراد الشعب الأميركي من روح التعاطف والمشاركة والانفتاح بالصداقة الإنسانية على الآخرين.

هكذا دارت سطور الفصل الأول من هذا الكتاب حول ما أسدته أميركا ـ برأي مؤلفه ـ من أفضال نحو العالم. ولأن المؤلف دبلوماسي وسياسي محنك وأكاديمي ضليع فقد كان متوقعا أن يعرض في الفصل الثاني مباشرة للوجه الآخر من العملة حيث يناقش في هذا الفصل مدى الأضرار التي ألحقتها أميركا بالعالم.

الالتزام بالحرية

الأستاذ محبوباني يبدأ الفصل الثاني بالإحالة إلى العبارات الموحية التي أعلنها الرئيس الأميركي الأسبق كيندي في 20/1/1961 حين قال: «فلتعلم كل أمة أننا لن نألو جهدا ولن ندخر وسعا لكي نؤكد على استمرار الحرية ونجاح مقاصدها» بعد أقل من 30 عاما من ذلك التصريح انتهت الحرب الباردة وشرعت شعوب وأمم شتى في طول العالم وعرضه تتطلع نحو أميركا صاحبة هذه العبارات التي تناصر الحرية فإذا بها .

ـ كما يضيف المؤلف ـ تتخلى عن هذه المبادئ وتتصرف مثل أي دولة عادية لا يهمها سوى مصالحها مهما كانت محدودة أو أنانية أو ضيقة.. ثم يضرب المؤلف المثل من حالة باكستان التي يرى أنها أسدت خدمات مشهودة ولا سبيل إلى إنكارها أو التهوين منها إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ويكفي ـ كما يضيف المؤلف ـ أن معظم الساسة المخضرمين في إسلام أباد لا يزالون يذكرون ولا ينسون التيسيرات التي قدمتها بلادهم لترتيب زيارة سرية وتاريخية أيضا قام بها، انطلاقا من أرض باكستان الدكتور هنري كيسنجر إلى الصين في عام 1971 وهي الزيارة التي فتحت أبواب السور الصيني العظيم أمام إنشاء العلاقات الدبلوماسية، ومن ثم الاقتصادية بين واشنطن ـ نيكسون وصين ـ الزعيم ماو ورئيس وزرائه شوين لاي.

وما كان لخدمات باكستان أن تقتصر على هذا الأمر. المؤلف يواصل سرده التحليلي موضحا كذلك دور باكستان في توصيل الأسلحة والأموال والخطط الأمريكية إلى «المجاهدين» الأفغان في حربهم التي أدت إلى طرد الاحتلال السوفيتي بل وكان لها الدور في تصدع كيان الاتحاد السوفيتي من أساسه خلال عقد الثمانينيات.

فما الذي حدث؟

يجيب مؤلف الكتاب (صفحة 30): عندما انتهت الحرب الباردة أسقطت واشنطن باكستان من حسابها كحليف لأميركا. خفضت المعونة المقدمة إليها بل وجمدت أجزاء منها. لا عجب إذن أن يساور باكستان مشاعر سلبية إزاء من تخلى عنها أو خدعها أو استغلها.

وصفات سحرية

ثم ينتقل المؤلف إلى مجال الاقتصاد ليوضح كيف أن الهيمنة الأميركية على مؤسسات الاقتصاد والتمويل الدولي أفضت إلى سلبيات عميقة وعديدة أصابت الكثير من النظم الاقتصادية في العالم.يعيد الكتاب إلى الذاكرة المعاصرة أحداث الأزمة المالية التي حلّت بدول واقتصادات جنوب شرقي آسيا في عام 1997.

يومها أطلق صندوق النقد الدولي وصْفته التي تصورها «ناجعة» و«سحرية» لعلاج الأزمة وكانت النتيجة أن الذين اتبعوا نصائح الصندوق ـ مثل تايلاند وأندونيسيا ـ زادت مشاكلهم تفاقما، في حين أن الذين تحدّوا هذه النصائح وفرضوا ضوابط على عملات بلادهم واستحقوا غضب الصندوق وسخط أميركا هم الذين انتشلوا اقتصادهم من وهدة الأزمة. وهذا هو ما فعلته بالضبط ماليزيا (في ظل القيادة الحكيمة لرئيسها السابق مهاتير محمد).

والغريب أن من ملابسات هذه الأزمة الطاحنة ذلك السلوك الذي اتبّعته أميركا تجاه الدول المهيضة في جنوب شرقي آسيا. يومها قررت اليابان ـ وهي عملاق المنطقة الإقليمية الاقتصادي ـ أن تمد يد العون وأن تهيئ السبيل لجمع وصرف مبلغ 100 مليار دولار بوصفه حزمة من القروض المقدمة لإنقاذ اقتصادات جاراتها.

لكن الذي تصدى لإحباط هذا المسعى وبالتالي لترك لهيب الأزمة الآسيوية مشتعلا كان واشنطن التي اعترضت على مد جسور من معونة القروض بين طوكيو وجنوب شرقي آسيا، وبذلك بعثت واشنطن برسالة إلى تلك الأمم والشعوب يلخصها مؤلف الكتاب فيما يلي: لن يقتصر الأمر على أننا لن نساعدكم فقط بل لن نسمح للآخرين أن يساعدوكم.

الدور الأميركي

بعدها تتحول بوصلة الكتاب إلى الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط يقول المؤلف في هذا السياق: إن القضية الفلسطينية لها أصداء تتردد بصورة غير اعتيادية بين صفوف مليار وخُمس المليار من المسلمين في أنحاء العالم ممن يشعرون بالخجل إزاء عجزهم عن مساعدة إخوانهم وأخواتهم في فلسطين الذين يكابدون بجلاء كل صنوف المعاناة. وما من دولة ذات أغلبية مسلمة، بل وحتى إذا كانت دولة مدنية ـ علمانية أو حديثة يمكن أن «تتحمل» موقفا تبدو فيه أقل استعدادا لمد يد العون إلى هؤلاء الفلسطينيين.

ولكن المشكلة ـ يضيف كيشور محبوباني ـ أنه ما من سياسي أميركي «يتحمل» أن يراه الآخرون أقل مؤازرة أو تأييدا كاملا لإسرائيل.هذا هو الوضع الذي أدى إلى الوصول بقضية الشرق الأوسط إلى طريق مسدود. ومن ثم فالأمر يتطلب، برأي المؤلف، بذل جهود استثنائية لكسر هذا الجمود أو فتح السبيل في هذا الطريق المسدود.

والغريب أنه بعد طرح خارطة الطريق من جانب الرئيس بوش، وبعد ما توصلت إليه أطراف فلسطينية وإسرائيلية أيضا (على نحو ما فعل منذ فترة كل من ياسر عبد ربه ويوسي بيلين في جنيف) من رسم معالم الحل التوافقي بين الطرفين، إلا أن المشكلة ما برحت قائمة والمعاناة ما انفكت مستمرة والمنطقة مازالت مشحونة بألف ألف احتمال.

ثم يقول المؤلف معلقا (ص48): كل ادعاءات أميركا بأنها بلد استثنائي يمتلك ويمارس مقاليد القوة الأخلاقية والسياسية في العالم ستظل شعارات جوفاء بغير أن يتم التوصل إلى نوع من السلام في الشرق الأوسط. في تلك المنطقة يكمن محكّ الاختبار لما تدعيه أميركا وما تطالب به من أنها تمثل قيادة العالم الذي نعيش فيه.على أن المؤلف يبادر من باب التحليل الموضوعي ليوضح أن ليس من العدل أن توضع كل مشاكل العالم وكل أدوائه على كاهل الولايات المتحدة.. بل يتعيّن على الأطراف الأخرى من هذا العالم أن تنهض بنصيبها من المسئولية.

والمشكلة أنه على قدر ما يتوقعه العالم من واشنطن على قدر ما يحّملها نصيبا أكبر من المسئولية. ألم يعلن الرئيس بوش الأب عقب تحرير الكويت، وفي غمرة الشعور بزهو النصر في الحرب الباردة وتداعي دولة الغريم السوفييتي أن قد حان الوقت لنظام عالمي جديد؟

هنالك يواصل المؤلف طروحاته المنطقية قائلا: ولو فرضنا أن الذي فاز في الحرب الباردة هو الاتحاد السوفيتي، لكانت ديناميات الحركة في العالم قد تخلت عن الدوران حول أميركا لصالح الدوران حول الاتحاد السوفيتي ولكن دون أن يتوقع الناس الشيء الكثير من موسكو بحكم تاريخها الذي لم يكن يؤهلها لقيادة حكيمة أو لدور فاعل ومتعاطف مع شعوب العالم.

في كل حال، على ساسة أميركا ومسئوليها أن يعاودوا النظر في ما وصلت إليه أحوال بلدهم الكبير وخاصة في ضوء ما كشفت عنه استطلاعات الرأي في أقطار شتى من العالم من تحوّل الشعوب إلى تبني مواقف سلبية إزاء الولايات المتحدة.كان ذلك منذ عقد التسعينات على وجه التحديد وله أسبابه المطلوب دراستها.

عرض ومناقشة: محمد الخولي