في ختام هذا الكتاب، يجد القارئ نفسه على موعد مع ما يمكن اعتباره الجزء الأكثر أهمية وديناميكية فيه، فالمؤلف بعد قيامه بتحليل لأداء الرؤساء الثلاثة بوش الأب والابن وبينهما بيل كلينتون كأول ثلاثة زعماء للعالم منذ نهاية الحرب الباردة.
ينطلق هنا نحو إطلالة على المستقبل، حيث يقدم دليلاً يمكن ان يعتمده الرئيس الأميركي المقبل في محاولته لانتهاز الفرصة الثانية التي تتاح لأميركا لقيادة العالم بعد أن أفلتت الفرصة الأولى من يديها على نحو كارثي. وهو يطرح في هذا السياق الأسئلة الثلاثة الأكثر أهمية المتعلقة بإمكانية قبول أميركا كقائد للعالم ويعتبر أن الإجابات عن هذه الأسئلة والقضايا المتعلقة بها والتي تدور حول طبيعة النظام الأميركي نفسه والنموذج الاجتماعي الأميركي في عالم تسوده التوقعات المتزايدة والإدراك الأميركي للوضع الجديد في العالم هي التي ستشكل المفتاح إلى وضعية أميركا في المستقبل. ويستهل المؤلف الفصل السادس والأخير من كتابه، والذي يحمل عنوان «ما بعد عام 2008 وفرصة أميركا الثانية، بالإشارة إلى أن كل قائد من قادة العالم الثلاثة كان لديه جوهره التاريخي، فجورج بوش الأب كان رجل الشرطة الذي يعتمد على القوة والشرعية للحفاظ على الاستقرار التقليدي. وبيل كلينتون كان داعية الرفاه الاجتماعي، الذي يعتمد على العولمة في توليد التقدم، أما جورج بوش الابن فهو رجل الأمن الذي يحشد المخاوف الداخلية لكي يمضي قدماً في صراع وجودي ضد قوى الشر. بهذا المعنى فإن كل رئيس من هؤلاء الرؤساء الثلاثة قد استقى معينه، بطريقة مختلفة، من غرائز الشعب الأميركي، الذي أدت ردود أفعاله إلى تعظيم نقاط الضعف والقوة لدى كل رئيس، وكان بمقدور كل منهم التحرك بفعالية كزعيم عالمي في حالة واحدة فقط، وهي تطابق إحساسه باللحظة التاريخية مع صميم مشاعر الشعب الأميركي وإذا كانت رؤيته للتحدي العالمي متطابقة مع روح وطابع التغير السياسي والاجتماعي على امتداد العالم.
الأسئلة الأكثر أهمية... هنا، على وجه الدقة، يلفت بريجنسكي نظرنا إلى عبارة بالغة الأهمية أوردها المفكر الفرنسي ريمون آرون في تحليل سياسي مهم أنجزه قبل ثلاثة عقود، حيث يقول: «إن قوة أي عملاق كبير تتناقص إذا كف عن خدمة فكرة محددة». وبريجنسكي يرى أن هذه العبارة مهمة لأنها تنطبق بشكل مباشر على وضع الولايات المتحدة اليوم، فممارسة قيادة العالم تقتضي إدراكاً غريزياً لروح العصر في عالم يتقلقل، ويتفاعل، ويحركه شعور غامض لكنه منتشر بسيطرة الظلم على الوضع الإنساني. ويحرص المؤلف على صياغة أفكاره في هذا الفصل تحت علامتي استفهام على جانب كبير من الأهمية، الأولى تدور حول ما إذا كانت أميركا قد قادت العالم بالفعل والثانية تتمحور حول ما إذا كانت ستتاح لها فرصة ثانية للقيادة بعد أن أهدرت الفرصة الأولى التي أتيحت لها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وهو يحرص أيضاً (في صفحة 181 من الكتاب) على أن يقدم لنا ما يصفه بالتيارات الجيوسياسية الكبرى المناوئة للولايات المتحدة، ومن المحقق أن كل تيار جدير بتأمل مفصل، لكننا نكتفي هنا بطرح هذه التيارات والتأكيد عليها للفت النظر إلى أهميتها البالغة من المنظور الأميركي.
هذه التيارات هي كالتالي، بغض النظر عن الموافقة عليها من عدمه: ـ تفاقم العداء للغرب في العالم الإسلامي. ـ تفجر الأوضاع في الشرق الأوسط. ـ زيادة نفوذ إيران. ـ تفاقم القلاقل في باكستان ذات الترسانة النووية. ـ انفصال أوروبي عن المجرى الرئيسي للأحداث العالمية. ـ سيطرة مشاعر الرفض والحنق في العديد من الدوائر الروسية. ـ إنشاء الصين لجماعة شرق آسيوية. ـ زيادة عزلة اليابان في آسيا. ـ انتشار موجة شعبوية معادية للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ـ انهيار نظام منع انتشار الأسلحة. ويرى بريجنسكي أنه من المؤكد أن الولايات المتحدة ستتاح لها فرصة ثانية لقيادة العالم، ويبني رؤيته هذه على الاعتقاد بأنه ما من قوة أخرى غيرها مؤهلة للقيام بالدور الذي يفترض أن واشنطن قادرة على القيام به وينبغي أن تضطلع بأدائه.
مرد ذلك، بوضوح، إلى أن أوروبا لا تزال تفتقر إلى الوحدة السياسية المطلوبة والإرادة الضرورية لكي تكون قوة عالمية، وروسيا لا تستطيع أن تحسم أمرها حول ما إذا كانت تريد أن تكون دولة استبدادية وامبريالية وأورو آسيوية متخلفة اجتماعية أم ديمقراطية أوروبية حديثة بالمعنى الأصيل لهذا المفهوم. والصين تبرز مسرعة باعتبارها القوة الرئيسية في الكتلة القارية للشرق الأقصى، ولكنها تواجه منافساً هو اليابان، ولا يزال من غير الواضح كيف ستحسم بكين التناقضات الأساسية القائمة بين قوة دفعها الاقتصادية المنطلقة والمركزية البيروقراطية لنظامها السياسي. والهند لا يزال يتعين عليها أن تبرهن على أن بمقدورها الحفاظ على الوحدة والديمقراطية إذا أصبح تنوعها الديني والعرفي واللغوي مشحوناً على الصعيد السياسي.
هنا على وجه الدقة يبرز ما يمكن وصفه بالأسئلة الأكثر أهمية التي يطرحها المؤلف ويرى أن مدى تقبل أميركا كقائد للعالم يتوقف على الإجابات عنها إلى حد كبير. وهذه الأسئلة هي:
* طبيعة النظام الأميركي نفسه ـ فهل النظام الأميركي مؤهل هيكلياً لصياغة سياسة عالمية والحفاظ عليها بحيث لا تحمي المصالح الأميركية فحسب وإنما تطور الأمن والرفاه العالميين كذلك؟
* النموذج الاجتماعي الأميركي في عالم من التوقعات المتصاعدة ـ هل المجتمع الأميركي مستعد للحفاظ على دور قيادي عالمي يقتضي درجة من كبح الذات المسؤول مستمد من الفهم الأساسي للتيارات العالمية؟
* الفهم الأميركي للوضع الجديد للعالم ـ هل تستشعر الأمة بصورة حدسية ما تفرضه اليقظة السياسية العالمية بالنسبة لمستقبل أميركا؟
الإجابات الصعبة
يبادر بريجنسكي إلى طرح تحليل معمق يتصدى من خلاله للوصول إلى إجابات عن هذه الأسئلة ـ القضايا، ومن الواضح أن الوصول إلى مثل هذه الإجابات الصعبة هو أمر تكتنفه مشكلات عديدة، لا ينقصها التشابك ولا التعقيد.
على صعيد عملية السياسة الخارجية، يرى المؤلف أن المقومات الهيكلية لقدرة أميركا على صياغة التزام بعيد المدى بقيادة العالم تضرب جذورها بصورة جزئية في الظروف التي واكبت ميلاد أميركا كأمة، وتأثير الاتصالات الحديثة والمال على الحياة السياسية الأميركية من ناحية أخرى.
من الضروري هنا الإشارة إلى نظام جماعات الضغط وتأثيره في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وكذلك إلى أن هنري كيسنجر لم يتردد في كتاب شهير له في التساؤل عما إذا كانت أميركا تحتاج إلى سياسة خارجية، وهذا في حد ذاته يفرض الحاجة إلى تخطيط صارم للسياسة الخارجية الأميركية والتنسيق بصددها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وفرض قوانين أكثر صرامة تنظم نشاط جماعات الضغط التي ينبغي إخضاعها للمزيد من التدقيق وبخاصة من حيث تأثيرها المالي.
لكن ماذا عن النموذج الاجتماعي الأميركي؟
من الواضح أنه لكي تقود أميركا العالم، فإنه ينبغي أن تكون شديدة الحساسية حيال الحقائق الواقعية على الأرض على امتداد العالم ويتعين أن تكون جذابة اجتماعياً، وهو الأمر الذي يقتضي إجماعاً أوسع نطاقاً على تقديم إصلاحات جذرية للإخفاقات الأساسية الموجودة في النموذج الاجتماعي الأميركي، وإلا أصبح هذا النموذج معرقلاً للقيادة الأميركية برفضه للضوابط والتضحيات التي تفرضها القيادة أصلاً.
تبرز في هذا الصدد الدلالات المرعبة التي تشير إليها نتائج دراسة أجرتها الجمعية الجغرافية الوطنية الأميركية في عام 2002، حيث وجدت أن 85% من الشباب الأميركي لا يمكنهم تحديد العراق أو أفغانستان على الخريطة و60% لا يمكنهم حتى تحديد موقع المحيط الهادي على الخريطة. وعلاوة على ذلك فإن أعداداً بالغة الضآلة من الأميركيين تدرس في الوقت الحالي الدراسات التي يحتمل أن تكون مهمة في المستقبل مثل اللغتين الصينية والعربية، والجهل الأميركي العام، الذي يفاقمه الخوف يوجد ظروفاً غير مؤاتية لأي نقاش جاد حول ما يتعين على أميركا القيام به لتلعب دوراً بناء في العالم.
كيف يمكن لأميركا أن تتعامل مع الصحوة السياسية العالمية؟
هذا السؤال يبادر المؤلف في معرض الإجابة عنه إلى أنه يشكل المهمة الأكثر صعوبة التي تواجه أميركا، ولكنها على الصعيد التاريخي المهمة الأكثر إلحاحاً، فهي مطالبة بأن تجسد للعالم كله فكرة آن أوانها، وهي قد قامت بذلك على نحو أعطى نتائج إيجابية في تاريخها، ففي عام 1776 حددت معنى الحرية لعالم كان قد بدأ لتوه في السعي إليها، وفي القرن العشرين أصبحت المدافع عن الديمقراطية في مواجهة الشمولية، وفي عالم اليوم القلق تحتاج أميركا إلى ربط نفسها بالكرامة الإنسانية الشاملة، الكرامة التي تجسد كلاً من الحرية والديمقراطية.
لست أشك في أن القارئ العربي الذي يقرأ هذا الطرح لبريجنسكي سيتساءل: عن أي كرامة يتحدث المؤلف؟ أهي كرامة غوانتانامو؟ أم كرامة أبو غريب؟ أم كرامة السجون الطائرة؟ بل لعلها كرامة السجون بالوكالة لدى الدول التي تعتمد التعذيب ممارسة يومية لها؟
تلك كلها علامات استفهام لا تفتقر إلى الوجاهة، ولكن دعنا أولاً نتأمل ما يطرحه المؤلف، في ختام كتابه من استنتاجات جيوسياسية يشدد على أهميتها.
إلى أين من هنا؟
يؤكد المؤلف (في صفحة 213 من الكتاب) أن الاستنتاج الجيوساسي الأول بالنسبة للولايات المتحدة هو ضرورة قيامها بالحفاظ على علاقاتها الخاصة عبر الأطلسي ودعمها، فهي بحاجة إلى أوروبا كشريك عالمي. ولكنها بينما تحتاج إلى أوروبا في صياغة سياسة عالمية مسؤولة فإن أوروبا تحتاج إلى أميركا بصورة أكبر، وينبغي أن يكون ذلك واضحاً تماماً وإلا غرقت أوروبا في نزعة قومية تجعلها تتمحور حول نفسها وتنكفئ على ذاتها.
غير أنه بسبب إشارة الواقع السياسي العالمي إلى تقلص الهيمنة التقليدية الغربية فإن الجماعة الأطلسية ينبغي أن تصبح منفتحة بقدر الإمكان حيال المشاركة الناجحة من جانب الدول الغربية، وهو الأمر الذي يقتضي جهداً كبيراً لمد الجسور نحو اليابان وبالتبعية نحو كوريا الجنوبية.
ويتعين على الولايات المتحدة أن تطور مصالحة صينية ـ يابانية، لأن هذا من شأنه مساعدة الصين على الاندراج في النظام العالمي الأوسع نطاقاً وضمان الحيلولة دون تنافس خطر بين الصين واليابان.
ومن الواضح أن صانعي القرار في بكين يجمعون بين الصبر والحسابات الجيدة، وهو ما يتيح لواشنطن وطوكيو والجماعة الأطلسية الوقت لدعوة بكين للمشاركة في مسؤولية قيادة عالمية، فالصين في السنوات المقبلة إما أن تكون لاعباً أساسياً في نظام عالمي أكثر إنصافا بصورة أصيلة أو تكون التهديد الأساسي لاستقرار ذلك النظام.
ويرى المؤلف أن الأوان قد آن لمواجهة حقيقة أن قادة العالم الذين يتألفون من الدول الثماني الكبرى هو مفهوم عفا عليه الدهر فخلافاً لمزاعم هذه الدول لا تعد اقتصاداتها الأكثر تقدماً ولا أنظمتها الأكثر ديمقراطية على مستوى العالم، وبالتالي فإنه يتعين إيجاد نظام بديل وقد يكون من المناسب التشاور مع الصين حول العضوية والأجندة الخاصة بمبادرة أكثر طموحاً.
هنا تبرز حقيقة مهمة، فالمتطلبات الأساسية لقيادة العالم الآن تعد مختلفة إلى حد كبير عنها خلال سيطرة الإمبراطورية البريطانية على العالم، فلم تعد القوة العسكرية التي تدعمها الجرأة الاقتصادية والتي تمارسها نخبة رفيعة الشأن تتبع استراتيجية مركبة ـ لم تعد كافية للحفاظ على الهيمنة الامبريالية. وفي الماضي تجاوزت القدرة على السيطرة القدرة على التدمير، فالأمر يقتضي جهداً أقل وتكلفة أقل لحكم مليون من البشر مقارنة بقتل هذا المليون ذاته من البشر.
أما اليوم فإن العكس صحيح، فالقدرة على التدمير تتجاوز القدرة على السيطرة، ووسائل التدمير تصبح أكثر يسراً في الوصول إليها سواء من جانب الدول أو الحركات السياسية. وينبني على ذلك مع تحول الأمن المطلق للقلة (وبصفة خاصة لأميركا نفسها، إلى الأمن النسبي فحسب للجميع، فإن القابلية الجماعية للاختراق تمنح أهمية للحكم الذكي والتعاوني المدعوم من سلطة ينظر اليها على انها شرعية.
هكذا فإن القيادة العالمية الأن ينبغي ان تكون مصحوبة بوعي اجتماعي وباستعداد للوصول إلى حل وسط فيما يتعلق بالسيادة الخاصة بالدولة المتصدية لها، وينبغي ان تكون مصحوبة أيضاً بجاذبية ثقافية تتمتع بما يتجاوز محتوى غامضاً وملتبساً، ومصحوبة أيضاً باحترام أصيل لتنوع الأعراف والتقاليد والقيم الإنسانية.
من هنا فإنه في مستهل عصر العولمة فإن القوة المهيمنة ليس أمامها خيار إلا أن تتبع سياسة خارجية عالمية حقا في روحها ومضمونها ونطاقها. وليس هناك ما هو أسوأ بالنسبة لأميركا، بل وبالنسبة للعالم كله بالفعل، من سياسة أميركية ينظر الجميع إليها على أنها سياسة امبريالية متعجرفة في عصر ما بعد الامبريالية، غارقة في انتكاس كولونيالي في زمن ما بعد الكولونيالية، ولامبالية بشكل اناني في مواجهة اعتماد عالمي متبادل لم يسبق له مثيل، وقائمة على الزعم بالانفراد بما هو حق وصواب في عالم متنوع دينيا. ولئن حدث ذلك فإن أزمة القوة الأميركية الفائقة ستكون أزمة قاتلة.
من المهم بلا حدود أن تكون فرصة أميركا الثانية بعد عام 2008 أكثر نجاحا من فرصتها الأولى، ذلك لأنه لن تكون هناك فرصة ثالثة. وأميركا تحتاج بصورة عاجلة إلى صياغة سياسة خارجية عالمية تنتمي إلى عالم ما بعد الحرب الباردة. وهي لا يزال بمقدورها القيام بذلك شريطة ان يكون الرئيس الأميركي المقبل واعيا بأن: قوة اي عملاق كبير تتناقص اذا كف عن خدمة فكرة محددة وان يربط بصورة ملموسة القوة الأميركية بتطلعات الإنسانية المستيقظة سياسياً.
ومن المؤكد ان القارئ العربي الذي قرأ، بحب وتعاطف ما يقوله بريجنسكي في ختام تحليله عن فرصة أميركا الثانية، سيعيد قراءة هذه العبارات الأخيرة في تحليل المفكر الأميركي الكبير، ولعله عندئذ يجد إضاءة أكبر تتيح له تأمل علامة استفهام لاشك في أنها تؤرقه: إذا كانت فرصة أميركا الأولى الفاشلة والمهدرة ـ قد تضمنت تدمير العراق وأفغانستان فكم بلداً في عالمنا العربي والإسلامي سيتعرض للتدمير في فرصة أميركا الثانية لقيادة العالم؟
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين



