يبدو أن نائب رئيس الوزراء العراقي السابق أحمد الجلبي، الذي يعد السياسي الأكثر دهاء في العراق، عاد للنهوض من بين الرماد على رأس لجنة تعمل على تعويض المواطنين عن شطط القوى الأمنية وتدعوهم إلى التحرك ضد الحركات المسلحة.
في مقابلة أجرتها صحيفة «البايس» الاسبانية في بغداد، مؤخرا، مع هذا السياسي العراقي، الذي كان أحد الأعضاء المؤسسين لحزب «المؤتمر العراقي»، الذي نشأ في عام 1992 بهدف إسقاط نظام صدام حسين، ظهر أحمد الجلبي وهو يرتدي بدلة أنيقة على الرغم من أنها تتناقض مع الأسوار الإسمنتية والأسلاك الشائكة التي تحيط به، إلا أنه يرتديها بتلقائية لا يمكن مقارنتها إلا بتلك التي سمحت له بالانتقال موقع رجل واشنطن المفضل لقيادة العراق في عام 2003 إلى موقع القيم على إدارة التعويضات عن شطط القوى الأمنية بعد مضي أربع سنوات وبعد أن تم تهميشه عبر صناديق الاقتراع في 2005. لكن أحمد الجلبي عاد إلى صف السياسة الأول بفضل صلاته مع مقتدى الصدر ومسحة تجميلية مواتية لصورته كعلماني عنيد، بحيث أن أحدا لا يراوده الشك بأنه يعمل للحصول على قاعدة سياسية جديدة في العاصمة بغداد.
ويقول الجلبي من منزله في حي المنصور: «طموحي الآن هو المضي قدما بعملية جدية لمصالحة ذات أهداف واضحة ونتائج مرئية تسمح بإحراز تقدم على صعيد تطوير البلاد». وهو هدف لا شك بأن له طابع تمثيلي ورمزي بالنسبة لرجل كان المحللون قد استبعدوه من ميدان السياسة. لكن هذا السياسي منذ الولادة تمكن من ابتكار نفسه بنفسه من جديد وعاد إلى الأضواء بعد أن تخلى عنه عرابه الأميركي إثر التحقق من أن تأكيداته القاطعة حول امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل كانت زائفة تماما وبعد أن بات يفتقر إلى الدعم الشعبي.
فلقد وضعه رئيس الوزراء العراق نوري المالكي، مؤخرا، على رأس «لجنة الدعم الجماهيري» المكلفة بالعمل على كسب دعم المواطنين لخطة بغداد الأمنية. لكن الجلبي يوضح على الفور أن الأمر لا يتعلق بمبادرة أمنية صرفة وإنما بشيء أكثر اتساعا، إذ يؤكد: «نحاول حماية الناس من نتائج العمليات العسكرية وتقديم نصائح قانونية للمعتقلين وتحسين الخدمات العامة وإعادة اللحمة للعلاقات بين العراقيين».
هذه المهمة تنسجم، بالطبع، مع تطلعاته وأمانيه. فستسمح له، من جانب، بتحقيق شعبية جافته حتى الآن كما اتضح من فشله الانتخابي في 2005. وتعويض أولئك المواطنين الذين تضررت أملاكهم جراء أعمال القوى الأمنية هو وحده الذي يمكن أن يكسبه تعاطف الناس. ومن جانب آخر، فإن هذا المنصب الجديد يعطيه كلمة في الشؤون الأمنية وذلك عن طريق إدراجه في الاجتماعات الشهرية للمسؤولين العراقيين مع السفير والمسؤولين العسكريين الأميركيين.
ومن أجل الوصول إلى ما وصل إليه، سار هذا الشيعي العلماني، الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج العراق، طريقا طويلة، فلقد راح الجلبي يرمم علاقاته مع القادة السياسيين الدينيين الرئيسيين من الشيعة، بما فيهم المعادي لأميركا مقتدى الصدر وذلك منذ أن اختار الحاكم الأميركي بول بريمر منافسه إياد علاوي لشغل منصب رئيس وزراء الحكومة الانتقالية.
لكن الناس باتوا يرونه، خلال السنة الأخيرة، في بيوت العزاء الخاصة بالضحايا الشيعة الذين يسقطون جراء موجة العنف الطائفي وحتى في الشعائر والاحتفالات الدينية ، التي غير من أجلها لوني القميص وربطة العنق باللون الأسود مع احتفاظه بالبدلة.
وهو يوضح هذا الجانب من حياته قائلا من دون الدخول في التفاصيل: «عملت بصورة قاسية للغاية حتى نتحرر من صدام، لكني لم أكن مستعدا فيما بعد للإذعان للأميركيين ودفعت ثمن العواقب». ويضيف: «كان هناك نقطة من دون رجعة وتمثلت بمواجهات النجف والفلوجة (في أبريل 2004) . لقد كنت موجودا في مكتب بريمر عندما اتصلوا به ليبلغوه أن الجنود الأسبان رفضوا إطلاق النار على أنصار مقتدى الصدر . غضب هو، لكني كنت متفقا مع ذلك».
من وجهة نظر الجلبي، الذي شغل العديد من المناصب الحكومية بعد سقوط نظام صدام حسين، فإن «التهديد الأمني الأكبر لا يكمن فيما يطرحه مقتدى الصدر وجماعته وإنما يتمثل في تنظيم القاعدة، المسؤول عن المذابح الطائفية». وهو يؤكد أن رجل الدين المتشدد ذاك قد نظر بعين الرضا للخطة الأمنية، ويضيف: «فيما يتعلق بالسنة، فإن المشكلة تكمن في تحديد زعماءهم السياسيين. هل هم ممثلوهم في المجلس النيابي؟ هذا الأمر ليس واضحاً».
لكن لا بد من التأكيد على حقيقة أن صورة الجلبي في عيون السنة ليست طيبة. فلقد تأثرت تلك الصورة بذلك التقارب مع المحزبين من الشيعة واتصالاته مع إيران، لكن أيضا منصبه على رأس لجنة اجتثاث البعث، مع أن الجلبي يدافع عن ذلك قائلا: «ليس هناك تناقض. فالمستفيدون الرئيسيون من تلك اللجنة كانوا البعثيين أنفسهم. فكم عدد الذين سقطوا قتلى؟ ليس كثيرا إذا ما قورن بالمجازر التي ارتكبت عقب قصف 1991. وإن إلغاء اللجنة لا يمكن أن يساعد على المصالحة، بل على العكس تماما، لأن ذلك سيوجد ردة فعل من الجانب الآخر».
لكن على الرغم من أنه يشدد على أنه يعمل من أجل تحقيق عملية المصالحة والحوار بين مختلف مكونات المجتمع العراقي، إلا أن الكثير من العراقيين يبدون مرتابين حيال تلك العملية، إذ أنهم يعتبرون أنه عندما يدنو الحديث من مقتدى الصدر أو حوله، فلا بد من القول إنه قد دخل في لعبة السياسة الطائفية وبالتالي فإنهم لا يثقون بأنه سيعامل الشيعة والسنة على قدم المساواة. مع أن الجلبي يرد حين يطلب إليه عمل ملموس باتجاه إعادة الألفة بين أبناء جلدته بالقول: «لقد أعدنا ـ إلى السنة ـ بعض المساجد في شرق المدينة ويتعين علينا فعل الأمر نفسه في المنطقة الغربية منها».
الجلبي يقر بأن العنف السائد في العراق لا يمكن أن يكون مقتصرا على تنظيم القاعدة، حيث يقول: «هناك سنة يقاتلون ضد تنظيم القاعدة وضد الولايات المتحدة وضد الحكومة العراقية. وأنا لا أعتقد أن مشكلة الإرهاب سوف تحل إلا إذا اتفقنا مع أولئك الناس».
كما يعتبر أنه من المهم للغاية أن «تكون الولايات المتحدة قد أدركت عند هذا المستوى من الأحداث أنه على الرغم من أهمية وضرورة دورها، إلا أن هذا الدور ليس كافيا وأن هناك حاجة لدعم البلدان المجاورة»، وهو يعلن في هذا الصدد أن «الإيرانيين مضى عليهم عام كامل وهم مستعدون للحوار». وينهي أحمد الجلبي كلامه متكهنا: «لقد جمعهم ـ الأميركيون والإيرانيون ـ لقاء قصير مؤخرا، لكن سيكون هناك المزيد من التحركات».
ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «البايس»