قد يعتقد البعض أن الكلام التالي أقرب لأفلام الخيال العلمي: مستودع ليوم الحشر محفور على سفح جبل متجمد في أعماق القطب الشمالي يكون بمثابة سفينة نوح لحفظ بذور نباتات العالم تحسباً لحدوث كارثة كونية. الهدف من بناء البنك أو المستودع الضخم ، الذي أطلق عليه اسم «دومسداي فولت»، هو ضمان الحفاظ على تنوع المحاصيل في حال حدوث أوبئة نباتية وحروب نووية وكوارث طبيعية وتغيرات مناخية، ولتوفير فرصة للعالم للعودة إلى زراعة المحاصيل الغذائية. وستُخزن البذور المغلقة داخل أكياس من الرقائق بدرجات حرارة تسمح ببقائها حية لمئات، بل ألوف السنين، وفقا لما أعلنه الصندوق الائتماني العالمي لتنوع المحاصيل.
وقد أسس الصندوق في العام ؟؟؟3 وسيشارك في إدارة المستودع الذي بدأ فيه العمل مؤخرا بغية استقبال بذور من مختلف أنحاء العالم. وفي محاولة لإلقاء مزيد من الضوء على المشروع الجديد، أجرت مجلة «نيوساينتست» الحوار التالي مع كاري فاولر، السكرتير التنفيذي للائتمان العالمي لتنوع المحاصيل والعقل المفكر للمشروع.
ـ من أين أتيت بفكرة «مستودع الحشر» هذا؟
ـ عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كنت وقتها أعمل مع عدد من مراكز البحث العلمي وكنت أتعامل مع تشكيلة واسعة من البذور النباتية. وجاءت الأحداث الدامية التي وقعت في ذلك اليوم لتثبت لنا مدى الحاجة إلى وجود احتياط مناسب للبذور التي يعد وجودها حيويا لزراعة مختلف أنواع النبات في العالم وذلك من أجل الرجوع إليه في حال حدوث كارثة أخرى على نمط كارثة الحادي عشر من سبتمبر.
وكانت الدول الاسكندنافية لديها بالفعل مستودع من هذا النوع في جزيرة سبيتبيرغين، في أحد مناجم الفحم. ومن ثم حاولنا مضاهاة تلك الفكرة وذلك على الرغم من أننا اكتشفنا أن المناجم تعد أسوأ مكان يمكن تحويله إلى مستودع لمثل تلك البذور عالية القيمة وذلك لأنها معرضة للانفجار في أي لحظة . ولذا فكرنا في تحويل هذا المستودع إلى المناطق الجليدية وبالتحديد في أحضان الصخور الصلبة هناك وبالفعل استجابت الحكومة النرويجية للأمر وبدأ العمل.
ـ كيف سيعمل هذا المستودع الضخم؟
ـ سيكون هناك سردابان تحت نفق على عمق 120 مترا في منتصف الجبل يستوعبان تخزين أكثر من 3 ملايين عينة من البذور، ما يمثل تشكيلة واسعة للغاية من السلالات الوراثية المتنوعة لمختلف أنواع النباتات والمحاصيل الموجودة في العالم اليوم. ومن المفترض أن مثل هذا المستودع سيحافظ على حالة البذور حتى في حال تعرض العالم إلى حرب نووية أو حتى في حال ذوبان طبقات الجليد أو تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
ومن المقرر بناء السردابين ليظلا إلى الأبد، حيث سيمثلان مقرا آمنا لكل البنوك الوراثية الموجودة في العالم والتي تتعرض موجوداتها إلى جميع أنواع التهديدات.
وستوجد في السردابين وحدات تبريد تعمل بدرجة حرارة تصل إلى 18 درجة مئوية تحت الصفر. وبمرور الوقت ستصل برودة كل المنطقة الصخرية المحيطة بالمكان إلى ذلك المستوى من البرودة. وفي حال حدوث أي عطل في الوحدات فإن المنطقة المتجمدة الموجود بها المشروع نفسه ستحافظ على سلامة البذور على مستوى 6 درجات مئوية تحت الصفر. وفي أسوأ السيناريوهات المتمثلة في طغيان ظاهرة الاحتباس الحراري، فإن البذور لن تتأثر على امتداد مئات السنين.
ـ ما هو الدافع وراء كل هذا الهوس من جانبك بالبذور؟
ـ أنا نشأت في وادي تينيس وعائلة والدتي كان أفرادها من المزارعين، ولكن الأمر الذي كان بمثابة نقطة تحول في حياتي هو قراءة بعض المقالات الخاصة بأحد أكبر وأهم خبراء العالم في مجال تنوع المحاصيل، وهو العالم جاك هارلان. لقد قال هذا العالم في إحدى مقالاته إن العالم متجه نحو مجاعة بحجم هائل لا يمكن تصوره لأننا بدأنا نفقد ونضيع ثروتنا من البذور.
وقد بدأت مشواري مع البذور بكتابة دليل يُرشد المزارعين إلى الأماكن التي يمكن أن يجدوا فيها سلالات قديمة وبالفعل طُرح هذا الدليل في الأسواق. ثم ازداد اهتمامي بهذا المجال بعد حصولي على وظيفة أفضل في الصندوق الوطني للمزارعين في النرويج.
ـ كيف خُضت مجال حماية البنوك العالمية للبذور؟
ـ لقد تعرفت على أحد نشطاء البيئة، وهو بات مون الذي كان ينظم حملات ضد السياسات السلبية في المجال الزراعي، وبدأنا معا حملات نقدية عنيفة ضد عمليات خصخصة قطاع الزراعة وكذلك ضد الحكومات والشراكات التي تتقاعس عن حماية التنوع النباتي.
كثيرون نظروا إلينا باعتبارنا متطرفين في بداية عقد الثمانينات غير أن العالم تغير الآن. وفي عام 1992، طلبت مني منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» تولي رئاسة أول لجنة للتقويم العالمي للتنوع النباتي. وبعد دراسة تقارير من 158 دولة على مستوى العالم، رسمتُ خطة عمل عالمية ثم بدأت العمل مع علماء آخرين من أجل التوصل إلى صياغة معاهدة ملزمة قانونيا في هذا الشأن تم توقيعها بالفعل في 2001.
والآن أتولى رئاسة الصندوق الائتماني العالمي لتنوع المحاصيل، وهو منظمة تُعنى بجمع تبرعات لحماية السلالات النباتية في العالم وهي مسؤولة عن مشروع دومسداي فولت.
وقد ساهمت دول عديدة في هذا المشروع، منها الولايات المتحدة الأميركية وإثيوبيا وكذلك شركات مثل سينجينتا وديوبونت إلى جانب عدد من الهيئات الزراعية ونقابات المزارعين في العالم رغبة منها في الإسهام في قيام هذا المشروع الذي من شأنه حماية الثروة الزراعية في العالم وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات الشعوب ومساعدته على التغلب على ما يواجهه من تحديات.
ـ هل المخازن الموجودة في العالم الآن غير آمنة؟
ـ نعم. لقد تعرضت تلك المخازن لخسائر فادحة. فقد تعرض المستودع الوطني لسلالات البذور في أفغانستان للنهب على أيدي أتباع حركة طالبان. وتعرضت السلالات القديمة للعدس والقمح في أبو غريب في العراق للسرقة بعد الغزو الأميركي في 2003. وفي سبتمبر الماضي تسببت الأعاصير التي اجتاحت الفلبين إلى غرق بنك السلالات الوراثية النباتية الوطني في مترين من الطين والمياه. وبعد انتهاء الفيضان اكتشفوا أن البذور الموجودة غير مقاومة للماء، وفُقدت سلالات بذور كثيرة لا يمكن تعويضها.
غير أن أكبر قدر من الخسائر يحدث بسبب سوء إدارة تلك البنوك الوراثية، وهو الأمر الناتج عن عدم توافر الميزانية الكافية وسوء حالة المعدات. الأمر الذي يجب توضيحه في هذا الصدد هو أن البذور لا تعيش للأبد حتى في أفضل حالات التجميد.
ـ بعض النشطاء الزراعيين يعتقدون أن ما ينبغي فعله هو أن نقوم بزراعة المحاصيل داخل حقول المزارعين.
ـ لقد كتبت مجموعة من المقالات التي كانت الأولى من نوعها حول الحاجة إلى حفظ المحاصيل في الحقول ولا زلت أؤمن بهذا الأمر. ولكن للأسف فإن هؤلاء الذين يؤمنون أيضا بهذه الطريقة يفكرون فيها بمعزل عن أي طريقة أخرى، بمعنى أنهم يرفضون أي طريقة أخرى للحفظ.
كيف يُعقل أن يقول هؤلاء إن الحفظ في الحقول هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على التنوع النباتي. الواقع يقول إن البنوك الوراثية اليوم مليئة بسلالات لم يعد يستخدمها المزارعون . غير أنها تظل مهمة من أجل زراعة النبات حتى في ظل شيوع تقنيات الهندسة الوراثية.
إعداد: حاتم حسين
