اعتاد الجراحون في مستشفى المدينة بمقديشو على تضميد الجروح الناجمة عن الإصابة بالرصاص، ولكن لم يسبق لهم أن شهدوا معركة أشد ضراوة من تلك التي وقعت مؤخراً في المدينة. فقد تبادل مسلحون إسلاميون نيران الأسلحة الخفيفة والمدفعية مع القوات الإثيوبية والحكومية، الأمر الذي أدى إلى مقتل 400 شخص، معظمهم مدنيين. تراكم المصابون في ممرات المستشفى وتعفنت جثث في الطرقات الرملية، ولم يطالب بها أحد إلى أن سمح هدوء في القتال بحفر قبور سطحية حيث قتل الأشخاص.

إن عاصمة الصومال، كما يبدو، تواجه خطر الانزلاق مجدداً إلى حالة من الفوضى الدموية. فقد فر 47 ألف شخص من المدينة أثناء القتال الدائر واصطف آخرون في طوابير لكي يغادروا باستخدام حافلات صغيرة، أو حمير أو مشياً على الأقدام. ويحدث كل ذلك ولم يمض سوى ثلاثة أشهر على قيام الحكومة التي تدعمها إثيوبيا باستعادة السيطرة على المدينة من المليشيات الإسلامية التي يقولون إنهم هزموها في حملة سريعة في ديسمبر الماضي.

والآن تبدو الصورة مختلفة تماماً. فبقايا المقاتلين الإسلاميين أعادوا تجميع صفوفهم. وهم مع مقاتلين ساخطين من قبيلة هوية القوية، التي اعتادت السيطرة على أجزاء كبيرة من العاصمة، يهددون بتنظيم تمرد مسلح مناسب. علاوة على ذلك، وكما تنبأ كثيرون، فإن الوجود المستمر للجنود الإثيوبيين في العاصمة يفاقم الصراع. بالتأكيد، فبعيداً عن المغادرة، كما بدأوا يفعلون، طالب الإثيوبيون بتعزيزات. ولا يعني هذا الأمر أن الخطأ برمته يقع على عاتقهم.

فقد تعهد الاتحاد الأوروبي بإرسال 8000 عنصر من قوات حفظ السلام جواً لكي يحلوا محل الإثيوبيين لتطبيق وقف إطلاق نار هش، ولكن لم يصل بالفعل سوى 1200 أوغندي أو نحو ذلك إلى مقديشو، حيث انحصرت مهمتهم في حماية المطار ومنشآت أخرى. وكانت نيجيريا ودول أخرى قد تعهدت بإرسال قوات إضافية ولكنها لم تفعل ذلك بعد.

هذا الوضع ترك الإثيوبيين يقاتلون وحدهم بالنيابة عن الحكومة، بدعم سري من أميركا. لقد قام الجنود الإثيوبيون بعمل لافت في مجال حفظ الأمن في مقديشو حيث لم تقع إلا أحداث بسيطة على امتداد ثلاثة أشهر. ولكنهم ينظر إليهم كغزاة من جانب معظم الصوماليين وسيظلون مفتقرين للشعبية، ومستهدفين أياً كان ما سيقومون به.

والأمر نفسه ينطبق على الأميركيين. فقد دعموا الحكومة والإثيوبيين كوسيلة لاستئصال أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة كانوا يعملون على هامش اتحاد المحاكم الإسلامية، وهم إسلاميون صوماليون جلبت فترة حكمهم القصيرة شيئاً من النظام إلى أن تم إخراجهم بالقوة.

هناك تعقيد آخر يتمثل في دعم إريتريا للمليشيات الإسلامية المطرودة. فقد وفرت لهم إريتريا الأسلحة وربما تقوم بذلك مجدداً. وزار الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني إريتريا، مؤخراً، ليطلب منها ألا تتدخل، ولكن طلبه جوبه بالرفض. فإريتريا تنظر إلى الفوضى في الصومال على أنها فرصة لجعل الحياة أصعب ما تكون بالنسبة لجارتها وعدوها اللدود إثيوبيا. وتقول إريتريا إنها تعارض «أي تدخل أجنبي» في شؤون الصومال، باستثناء تدخلها بالطبع.

أجرت مجموعة الاتصال الدولية بشأن الصومال، وهي مجموعة تم تشكيلها لمحاولة حل الأزمة الصومالية، وتشمل ممثلين عن أميركا والاتحاد الأوروبي- أجرت محادثات، مؤخراً، في مصر ولكنها لم تأتِ بجديد. وقد حثت حكومة الصومال مجدداً على محاولة التفاهم مع الإسلاميين المعتدلين.

ولكن لا أحد يعلم ما يتوجب القيام به بشأن بقية المقاتلين الإسلاميين، الذين يبدو أنهم مصممون على القتال. ويعتقد بعض الدبلوماسيين في المنطقة أنه من المحتم أن العالم الخارجي، اليائس من أي حل، سيترك الصومال تسير على غير هدى. ويعتقد كثيرون في مقديشو بأن مدينتهم أصبحت كذلك بالفعل.

ترجمة: كوثر علي - عن «إيكونوميست»