أتمنى أن يقوم القادة البريطانيون بقراءة التاريخ، ففي عام 1915، انطلقت القوات البريطانية صاعدة من البصرة إلى الشمال، معتقدة أن العراقيين سيقابلونهم بالورود والحب، لا لشيء إلا ليجدوا أنفسهم وقد حوصروا في كوت العمارة، ومزقتهم النيران التركية والكوليرا. والآن نعزز الناتو في قبر الجيش البريطاني، المعروف باسم أفغانستان.

كان الله في عون أي جندي يعلم أن هزائم عسكرية لحقت ببريطانيا في الرمال ذاتها التي تخوض القوات البريطانية فيها قتالاً مع طالبان. نعم، فمعركة مايواند، التي وقعت في 27 يوليو، 1880، قضت على لواء بريطاني كامل، اكتسحه الألوف من أبناء القبائل الأفغان المسلحين، الذين يصف التحقيق الرسمي في الكارثة بعضهم بسالطلابس. وقد كان البريطانيون يحاولون تأمين مقاطعة هلمند. هل يبدو ذلك مألوفاً؟

لقد تعرض البريطانيون مرات عديدة لأوضاع أوشكوا في ظلها على أن يتم اكتساحهم في هلمند. ولم يتم الإقرار بذلك رسمياً لكن وزارة الدفاع البريطانية ألمحت إلى ذلك بصورة مخادعة في العام الماضي، وقد فاتت هذه الإشارة على كل المراسلين العسكريين وذلك عندما أعلنت الوزارة أن القوات البريطانية في هلمند قد تورطت في أعنف قتال متلاحم زمنذ الحرب الكوريةس. ويتحدث الأفغان عن وحدة بريطانية اضطرت في العام الماضي إلى الاستعانة بالقصف الجوي. الأمر الذي أوشك على أن يسفر عن تدمير القرية التي كانوا يعتصمون بها تدميراً كاملاً، ولولا ذلك لتم اكتساح هذه الوحدة.

لم يكن لدى جنرال بوروز دعم جوي قريب في 27 يوليو 1880 عندما وجد نفسه يواجه أعداداً تصل إلى 15000 مقاتل أفغاني في معركة مايواند، ولكنه كانت لديه أعداد كبيرة من القوات التابعة وقوة بريطانية في مدينة قندهار، وكان البريطانيون قد قاموا بالفعل بقمع وحشي لحركة انشقاق في صفوف الجيش الأفغاني.

مجدداً هل يبدو ذلك مألوفاً؟ بعد اكتساح مقر المقيم البريطاني ومصرع من كانوا في المقر، كان رد فعل بريطانيا في ذلك الوقت مختلفاً عن رد الفعل الذي أبدته اليوم. حيث كان الجيش البريطاني آنذاك يدار من الهند التي أهاب نائب الملك فيها لورد لايتون برجله في كابول الجنرال روبرتس، الذي أصبح بعد ذلك لورد روبرتس، أن يسحق الانتفاضة بأقصى قدر من الوحشية،

وكتب إليه يقول: زإن كل أفغاني ينبغي أن يُقتل، وسوف أنظر إليه باعتباره وغداً قضى نحبه في معقل للأوغادس. وقد فرض روبرتس حكماً إرهابياً في كابول، وشنق حوالي مئة أفغاني. وقد كان قائد الأفغانيين المتمردين هو أيوب خان، الذي تم إجبار أخيه على التخلي عن العرش بعد انتفاضة كابول، وعندما برز أيوب خان من الصحاري الواقعة إلى الغرب انطلق من معقله في هيرات إلى قندهار.

وتم إرسال الجنرال بوروز سيئ الحظ لمواجهته، وقُدر لحوالي ألف مقاتل بريطاني وهندي أن يلقوا مصرعهم ذبحاً في الساعات التي أعقبت ذلك، عندما فتح جيش أيوب خان من النيران عليهم 30 قطعة مدفعية على الأقل ثم انقض عليهم عبر الحقول والنهر الجاف في مايواند.

وتضمن التحقيق البريطاني الرسمي الذي تم لفه بقماش أحمر وامتد ليصل إلى 730 صفحة- العديد من الصور للمواقع التي دارت فيها المعركة، والتلال والجبال البعيدة مشابهة بالطبع لنظيرتها التي يقوم بتصويرها الآن أعضاء أطقم التصوير الموجودة مع وحدات الجيش البريطاني.

لقد وجد البريطانيون أنفسهم في مواجهة عدو لا يرحم يفوقهم عدداً وعدة، وكتب كولونيل مينورنج المنتمي إلى فرقة مشاة بومباي الثلاثين تقريراً يبعث الرعدة في الأطراف إلى السلطات في دلهي، وقال فيه ما يلي: زإن الأرض بكاملها قد غطيت بالغازيين وحملة الرايات، والغازيون هم بالفعل في مرتبة حملة القنابل.

ومضوا يسحبون الرجال ويقطعون أطرافهم بالسيوفس. وتراجع الحطام الباقي من الجيش البريطاني على طول الطريق إلى قندهار حيث فرض عليهم الحصار إلى أن أنقذهم الجنرال روبرتس نفسه، الذي تعتبر مسيرته الحربية الشهيرة على رأس عشرة آلاف جندي ليقطع مسافة 300 ميل في عشرين يوماً فحسب، تعتبر اليوم أسطورة عسكرية.

ويبدو أن التاريخ يهيمن على جميع المغامرين في الشرق الأوسط فمن ذا الذي كان يمكن أن يصدق أنه بعد أن وصل البريطانيون إلى بغداد في غزو 1917 وجدوا أنفسهم في مواجهة حركة مسلحة تحولت من حيث السرعة والضراوة إلى ما يكاد يكون السلف الدقيق للحركة المسلحة التي واجهها البريطانيون والأميركيون ابتداء من 2003؟

وقف لويد جورج الذي كان آنذاك رئيساً لوزراء بريطانيا ـ وقف في مجلس العموم يشدد على أن قوة الاحتلال البريطاني مضطرة للبقاء في العراق، وحذر من أنه بغير ذلك فإن العراق سيتردى إلى هوة الحرب الأهلية. هل يبدو ذلك مألوفاً؟

لقد وقعت إحدى أعظم الهزائم التي لحقت بالقوات البريطانية في أي مكان في العالم قبل ما يزيد عن أربعة عقود من الزمان قبل معركة مايواند في جرد كابول عام 1842 عندما تعرض جيش بريطاني بكامله للاكتساح من قبل المقاتلين الأفغان على الجليد. وأفلح الناجي الوحيد، وهو دكتور برايدون الشهير، في أن يسبق بجواده فارسين مسلحين، وأن ينطلق عائداً إلى المجمع البريطاني في جلال آباد.

وهكذا فإن البريطانيين بسبيلهم إلى تعزيز أفغانستان مجدداً والانطلاق بطائرات التشينوك إلى قندهار لن يستغرق وقتاً طويلاً كالعشرين يوماً التي استغرقها جنرال روبرتس، ومن غير المحتمل أن يدخل الجنود البريطانيون ميدان قندهار المركزي، ولكن إذا دخلوه فقد يكترثون بإلقاء نظرة على عدد من المدافع العتيقة في الدوار الرئيسي. إنها كل ما بقي من مدفعية روبرتس.

ترجمة: كوثر علي

عن «اندبندنت»