يتوقف المؤلف طويلاً في محطة سنغافورة، مؤكداً ضرورة متابعة العرب عن كثب وبلا توقف للجزيرة الصغيرة، التي استطاعت أن تحول ميناءها إلى واحد من أكثر موانئ العالم أهمية، ومشدداً على أن صميم الفلسفة التي قامت عليها تجربة التحديث في سنغافورة يمكن أن تلخصه كلمة واحدة، هي الهدف الذي لا ترفع سنغافورة عينها عنه أبداً، وهي كلمة: البقاء. وهو في غضون هذا كله يلفت نظرنا إلى الدروس المستفادة من التجربة التي كفلت تبخر تأثير إسرائيل في سنغافورة، وكأنه لم يكن له وجود لحظة واحدة.

الزمان: يوليو العام 1974

المدن كالنساء، لكل منها طريقة خاصة في استقبال الرجل القادم إليها. والمدن كالنساء أيضاً، لكل منها عطر خاص يعلن عن هويتها من بعيد. سنغافورة المدينة ـ الدولة لا توحي، وهي تنشر عطرها الخاص، بأنها في انتظارك شخصياً، ولكنها تدعوك تلقائياً من خلال أريجها المنتشر إلى البحث عن مفاتنها. وهي إن لم تكن في استقبالك فلأنها مشغولة بمشاكلها. ربما لأن سنغافورة تطورت خلال سنوات قليلة من جزيرة إلى دولة ذات عقلية مكرسة لشيء واحد هو البقاء. قبل ذلك كانت، كمستعمرة، مركزاً لإمبراطورية تراجعت اليوم إلى غياهب التاريخ.

في الماضي كانت سنغافورة تتبرج وتفتح ذراعيها لتكون في انتظار الرجل الغريب القادم إليها. اليوم تغيرت الأحوال. لم تعد سنغافورة أكثر من مدينة صينية تشكل نقطة على خريطة العالم. في الأمس كانت المكان الذي تجمّع فيه الماليزيون والصينيون والهنود والعرب ليتبادلوا التجارة في ظل التاج البريطاني عند خط الاستواء في وسط العالم. وسقطت الإمبراطورية، وبقيت المعالم والذكريات. اليوم هي جزء من لا شيء. لا مكان عندها تذهب إليه، ولا بلد تستطيع الانتماء إليه.

لقد عرفت سنغافورة أياماً من العزّ ومن الخوف ومن المجد ومن الفقر. كانت مستعمرة بريطانية حافظت على التراث الفيكتوري إلى ما بعد إنزال العلم المربع الألوان. وانهارت هذه القلعة في الأشهر الأولى من حرب المحيط الهادي أمام الجحافل اليابانية.

وتعرضت في العام 1948 وما بعده لمحاولات الغزو الشيوعي يوم كانت الصين تحاول عن طريق «حرب التحرير الشعبية» أن تضم الملايو إلى مناطق نفوذها. ودخلت في اتحاد فيدرالي مع الملايو وسَرَواك وصباح تحت اسم ماليزيا عام 1963 . ثم أصبحت جزيرة صغيرة يهددها سوكارنو من إندونيسيا ويحقد عليها تنكو عبد الرحمن من كوالا لامبور بعد طردها من الاتحاد عام 1965 . مراحل عدة مرت فيها الجزيرة الفريدة والغريبة.

هذه الجزيرة الصغيرة التي لا يتجاوز طولها 26 ميلاً وعرضها 14 ميلاً، محاطة بجزر صغيرة غير مسكونة، ليس لها ماء تشربه إلاّ ما تجره الأنابيب عبر الطريق الضيق فوق البحر من هضاب جوهور. حتى هذا الطريق الضيق وهذه الأنابيب نصفها تملكه ماليزيا، التي أقل ما يقال عنها إنها بالكاد تتحدث إليها.

من هذا الشعور الوجل بالوحدة، بدأت سنغافورة تركض لتبني وتعيش وتبقى. واستطاعت الشخصية الصينية المميزة لسكان هذه الجزيرة، إلى جانب الخليط العجيب من الشعوب الأخرى التي فيها، أن تجعل منها الدولة الثانية في آسيا بعد اليابان، من حيث الدخل القومي، متخطية بذلك تايوان. صحيح ـ كما تقول الكتب السياحية ـ إن سنغافورة بلد متعدد الشعوب، إلاّ أن كل أربعة أشخاص من أصل خمسة هم صينيون.

وعدد سكان سنغافورة يزيد على المليونين، مليون ونصف المليون من أصل صيني، ونصف المليون الآخر موزع بين الماليزيين والإندونيسيين والهنود والباكستانيين والسيلانيين والتايلنديين والعرب واليهود والأوروبيين. مزيج لا أكبر ولا أهم. تسمع الصينية في مختلف لهجاتها (الماندرين والكانتونية) إلى جانب الماليزية والتاميلية (لغة سيلان وجنوب الهند) والهندية والأوردية والعربية. وتبقى الإنجليزية القاسم المشترك بين السنغافوريين، إلى جانب كونها لغة الحكومة والإدارة والتجارة والدواوين.

في تشاينا تاون

وسنغافورة ليست مدينة جميلة ـ بالمعنى المحدد للجمال. تبدو لك كالمرأة الجذابة التي لا يمكن أن تصفها بالجمال في تفاصيلها، ولكنها في منتهى الجمال والإغراء في مجملها. فهي ما زالت قريبة من ماضيها الاستعماري، وملتصقة بتقاليده. تحس كأنها مزيج من مدن عدة: برايتون في إنجلترا. لاهور في باكستان. عدن في اليمن الجنوبية. بومباي في الهند.

عشبها أكثر خضرة من العشب الإنجليزي. أمطارها الموسمية تهطل في أي لحظة، وشمسها تسطع بعد دقائق. مبانيها خليط من الطراز الاستعماري والهندسة المعمارية الحديثة. في شارع تحس أنك في أيام «الراج البريطاني» السعيد الذكر، وفي شارع آخر تتصور أنك في نيويورك، إلاّ أنها توحي لك باستمرار بأنك في آسيا. في الصباح الباكر تسمع المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، وعند الظهر تسمع طبول الصاج تقرع أمام المعابد الهندوسية، وعند المغيب تضج بأجراس الرهبان البوذيين. خليط عجيب من الألوان والإيمان.

سنغافورة كانت وما زالت مدينة بحرية. كذلك كان البريطانيون سكان جزر بنوا ثرواتهم وإمبراطوريتهم عندما سيطروا على البحار. كانت سنغافورة الحبة الأخيرة في سبحة طويلة من القوة والسلطان بدأت في جبل طارق. أصداء الشاعر الإنجليزي كيبلينغ وسحر الفترة الإدواردية في التاريخ البريطاني مع بقايا العصر الفيكتوري هي ما تلمسه في سنغافورة وتعيشه.

وعندما وصلها البريطانيون لم يكن فيها أكثر من أربعين صينياً يعملون في الزراعة و150 ماليزياً يعملون في الصيد. وسرعان ما توافد الصينيون من جنوب الصين في هجرات متعاقبة بسبب الغزوات والحروب، واستقروا في شوارعهم ومنازلهم الخاصة، ناقلين معهم لهجاتهم وأطعمتهم وعاداتهم وآلهتهم واحتفالاتهم.

أعادوا بناء صين جديدة صغيرة، هي أقرب ما تكون إلى الصين الحقيقية التي عرفوها في مطلع هذا القرن. كذلك نقلوا خلافاتهم السياسية وعصاباتهم وجمعياتهم السرية، منها جمعية «ترياد» السرّية التي أنشئت تأييداً لصن يات صن ولإعلان الجمهورية ضد أسرة المانشو الحاكمة. وساعدت «الترياد» تشان كاي شيك وحزب الكومينتانغ على حكم الصين حتى هزيمته أمام الشيوعيين. وعندما رحل تشان كاي شيك وحزبه إلى تايوان رحلت معه «الترياد» إلى حيث يقيم صينيون خارج الأرض الصينية.

«تشاينا تاون» ـ مدينة الصين ـ مجموعة مشاهد لها رائحة. إلاّ أنها آسيوية الملامح أكثر مما فيها من البخور والدهن الصينيين. آسيوية سنغافورة ليست موضع شك. رائحة الناس المزدحمة على الأرصفة بعضها فوق البعض. فرائحة الشواء والأكل على مطاعم الأرصفة الممتدة في كل مكان بعد المغيب، فيها من خشب الصندل الآسيوي أكثر مما فيها من البخور والدهن الصيني. آسيوية سنغافورة ليست موضع شك.

الباعة بسطوا بضائعهم المتعددة الأصناف على الرصيف حتى يكاد المارة يدوسونها. الخطاطون ورسامو اللافتات الصينية و«العرضحلجية» مع قرّاء البخت، المنجمون افترشوا الزوايا. متعهدو دفن الموتى تركوا موتاهم في توابيت مفتوحة على الأرصفة فيمر الناس ويتفرجون عليها، وقد يضيئون شمعة تسهيلاً لمرور ذلك الميت الذي لا يعرفونه إلى الآخرة. نماذج بشرية يكاد المرء يظن أنْ لا وجود لها.

يبدو الناس في سنغافورة كأنهم لا ينقطعون عن الأكل ولا يرغبون في النوم، في أي ساعة من الليل أو النهار ترى الناس واقفين أو جالسين أمام عربات الأكل والشراب. إلاّ أن الذي يبدو عليه أنه لا يريد النوم هو «الراوي» ـ راوي الحكايات القديمة ـ إذ يجلس على أحد أرصفة «تشاينا تاون»، أو يقف على سحارة، فيلتف المارة من حوله ليسمعوا عن ملوك الصين القدماء أو أبطالها في الحروب. حكاية وراء حكاية، وينتهي الليل ولا تنتهي الحكايات. ويلقي الناس إلى ذلك الراوي ببعض النقود أو يأتون إليه بشيء من الطعام والشراب.

على بعد خطوات من «تشاينا تاون» في شارع سيرانغون، تشم رائحة الهند. الكاري والعدس والزيت والبخور وماء الورد ـ شيء كثير من القذارة. هنا التاميل (هنود جنوب الهند وسيلان) سود كخشب الأبنوس ولكن في ملامح رقيقة كأنها منحوتة نحتاً. وهنا أيضاً السيخ والبارسيس عبدة زرادشت، والكشميريون المسلمون والنيباليون البوذيون.

خليط كأنك في مصهر للشعوب. والهنود جاءوا إلى سنغافورة في أوائل القرن التاسع عشر مع رافلز والمستعمرين الأولين وكانوا مجموعة من المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة في بلادهم. فكانت الأيدي العاملة المجانية، ومن بعدها الأيدي العاملة الرخيصة التي بنت معالم سنغافورة المعروفة اليوم، ومنها دار الحكومة وخطط السكة الحديدية، وفتحت الأدغال وعملت في مزارع المطاط. أما الماليزيون فقد كانوا سكان الجزيرة قبل أن يصلها الصينيون والهنود.

كانوا قليلي العدد يعملون إما في القرصنة أو في صيد الأسماك، جاءوا من شبه جزيرة الملايو أو من جزر بورنيو وسيليبيس، وعاشوا على الشواطئ وفي الجزر الصغيرة القريبة، فأعطوا سنغافورة طابعها وملامحها الآسيوية. ويقول السنغافوريون عن المرأة الماليزية ذات الصدر الصغير والأرداف المكورة والخطوات المليئة بالإيحاء الجنسي إنها أوفر نساء الجزيرة أنوثة. أما المرأة الصينية فيقولون إنها عبارة عن مجموعة لعب صغيرة ملونة ذات طعم وسحر خاصين، فيها من نكهة الصين أكثر مما فيها من نكهة آسيا التقليدية. وأما المرأة الهندية فهي شلال داكن في غابة أبنوس خضراء يلقي رذاذه من بعيد فينعش من دون أن يبلل.

ماذا كانت سنغافورة؟

قبل ذلك كله ماذا كانت سنغافورة؟ تاريخ سنغافورة كما هي اليوم يبدأ في العام 1819 عندما وضعها السير ستامفورد رافلز على الخريطة. إلاّ أن جذوره ضاربة في أعماق عصور سابقة. فمركزها الاستراتيجي كمدخل إلى غرب بحر الصين الجنوبي جعل منها مسرحاً لحضارات عريقة عرفها جنوب شرق آسيا. عرفها الهنود والصينيون واليابانيون والعرب قبل أن يعرفها الأوروبيون.

جاءها التجار العرب في القرن الثالث للميلاد من ثلاث جهات: من الخليج ومن البحر الأحمر ومن الهند في طريقهم إلى جزر التوابل، التي هي شمال شرق إندونيسيا اليوم. قبل ذلك بكثير جاءها الهنود من القرن السابع قبل الميلاد وفرضوا لغتهم ودينهم وعاداتهم وحضارتهم. بعدهم جاءت موجات الصينيين وأخذت الحضارة الصينية تحتل مكان الحضارة الهندية.

في البداية كان اسمها «تاماسيك» في اللغة الإندونيسية القديمة، أي بلد البحر. وجاء الهنود وغيروا اسمها إلى سنغافورة في اللغة السنسيكريتية أي مدينة الأسد. وتقول الأسطورة الهندية أن الملك راجندرا الأول سماها سنغافورة بعدما اصطاد فيها مئة أسد. غير أن الأسطورة الماليزية تقول إن أميراً من الملايو اسمه سانغ نيلا أوتاما قذفت به الأمواج إلى الجزيرة إثر عاصفة عاتية قلبت مركبه، شاهد عند وصوله إلى الشاطئ حيواناً جميلاً لم يرَ مثلاً له من قبل.

وعندما سأل ما هو قيل له إنه الأسد. وأعجبته الجزيرة بمقدار ما أعجبه الحيوان، فقرر أن يبني مدينة في ذلك المكان ويسميها سنغافورة ـ مدينة الأسد. والطريف في الأمر أن الأسود لا تعيش في جنوب شرق آسيا، خصوصاً في الملايو وسنغافورة، وأن الحيوان الشائع هناك هو النمر. لكن هذا لم يمنع أن تبقى سنغافورة عاصمة إمبراطورية «سري فيجايا» في الملايو حتى دمرها التايلانديون في القرن الرابع عشر.

ثم غزاها الصينيون في القرن الخامس خلال حكم سلالة «مينغ»، حين بدأ تثبيت دعائم النفوذ والقوة الصينيين في جنوب شرق آسيا. ولم يتغير التاريخ كثيراً حتى بداية القرن السادس عشر عندما دخلها الأوروبيون باحتلال البرتغال بقيادة ألفونسو ألبوكيرك (الذي احتل مسقط فيما بعد وكان ذلك بداية الغزو البرتغالي للخليج) لسلطنة مالاكا في الملايو. وكان هذا إيذاناً بإعلان أوروبا حلبة الصراع الاستعماري في جنوب شرق آسيا.

على أن سنغافورة اليوم بدأت مع السير ستامفورد رافلز ممثل شركة الهند الشرقية الذي وصلها في 8 فبراير عام 1819، ليوقع معاهدة مع سلطان الملايو حسين محمد شاه يسمح بموجبها للشركة بإقامة مركز تجاري عند مصب نهر سنغافورة؛ وقد اقترن اسمه باسم الجزيرة منذ ذلك التاريخ. وفي العام 1824 وقعت سنغافورة تحت السيادة البريطانية. وفي عام 1828 انضمت إلى بينانغ ومالاكا لتشكل مجتمعة «محمية المضيق» التي كانت تديرها شركة الهند الشرقية من البنغال.

وبتقلص أهمية بيانغ ومالاكا مع الزمن، ازدادت أهمية سنغافورة. وفي عام 1867 أصبحت محمية مستقلة تحت إشراف وزارة المستعمرات في لندن. وازداد ازدهار سنغافورة بفتح قناة السويس عام 1869 وبانفتاح دولة الملايو وتوسعها في أدغال الداخل. لكن الذي زاد من حظ سنغافورة وازدهارها في تلك الأيام هو اكتشاف شجر المطاط في عام 1876، والإتيان به إليها من البرازيل.

ومرت عشر سنين قبل أن يقتنع الناس بأهمية زراعة المطاط. وكانت صناعة السيارات قد بدأت في الولايات المتحدة باختراع هنري فورد السيارة الأولى. ومع ظهور مزارع المطاط بدأت الهجرة الهندية الكبرى إلى سنغافورة والملايو، إذ جعل الهنود يفدون من جنوب الهند وسيلان إلى الجزيرة للعمل في المزارع. وكان ذلك أول تحركها الاقتصادي ونموها.

ومع نمو سنغافورة كمركز أول للتجارة وقاعدة لقوة بريطانيا البحرية في جنوب شرق آسيا، بدأ الصراع الدولي يشتد عليها بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. وفي 15 فبراير عام 1942 احتل اليابانيون الجزيرة بسهولة عجيبة، حطمت أسطورة «سنغافورة القلعة» التي اشتهرت خلال الأشهر الأولى للحرب.

كما سقطت النظرية العسكرية البريطانية في «الدفاع الثابت»: ركزت القوات البريطانية مدافع ضخمة ثابتة موجهة نحو البحر على أساس أن سنغافورة لن تهاجم إلاّ من البحر. وإذا باليابانيين يهاجمونها من البحر عبر مضيق جوهور. وهكذا انتهت الفترة الاستعمارية للجزيرة. وكان الاحتلال الياباني كالاحتلال البرتغالي قبل قرنين، بداية تحريك رياح التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آسيا.

بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، عادت سنغافورة إلى الحكم المدني في أول أبريل عام 1946 كمستعمرة للتاج البريطاني. ومرت عشرون سنة أخرى قبل أن تنال استقلالها. وفي العام 1955 جرت أول انتخابات عامة في البلاد، فاز فيها حزب «جبهة العمال» الذي كان يتزعمه دافيد مارشال، اليهودي من أصل إيراني.

وأصبح مارشال الوزير الأول في المستعمرة. ونال حزب العمل الشعبي بزعامة لي كوان يو، الذي كان يضم آنذاك عدداً كبيراً من الشيوعيين، ثلاثة مقاعد من أصل ثلاثين مقعداً. وطالب دافيد مارشال، الذي كان متهماً بالعمالة للبريطانيين، بالاستقلال الفوري لسنغافورة. وردت بريطانيا طلبه فاستقال مارشال وخلفه في الحكم وفي زعامة الجبهة ليم يو هوك الذي كان من سياسيي الدرجة الثانية.

في هذه الأثناء كان لي كوان يو يقوم بتغييرات في منهاج حزب العمل الشعبي ومظهره. ولي كوان يو صيني من مواليد عام 1923، درس في المدارس الإنجليزية في سنغافورة كأكثر صينيي الطبقة المتوسطة، وسافر بعد الحرب إلى جامعة كامبردج في إنجلترا حيث درس القانون. وصينيو سنغافورة نوعان: نوع اندمج عبر سني الاستعمار البريطاني الطويلة في الحياة الثقافية الإنجليزية فدخل في المدارس الإنجليزية وتعلم لغتها ونهل من ثقافتها، ونوع دخل المدارس الصينية وحافظ على لغته وثقافته.

ولي كوان يو ينتمي إلى النوع الأول، بينما ينقسم حزبه جناحين صينيين: صين الصينيين وصين الخوارج. ولي من الخوارج (الصينيون يستعملون الاسم الأول). وحزب العمل الشعبي حزب اشتراكي الأساس والمبادئ يتوسل الرأسمالية للوصول إلى غاياته. وفي ظل الحكم الذاتي والاستقلال بدأ حزب العمل الشعبي يصبح أقل صينية وأكثر ماليزية، وأقل اشتراكية وأكثر عداءً للشيوعية، بينما كان عدد من الزعماء الشيوعيين المنتسبين إلى الحزب في المعتقلات البريطانية.

وجرت انتخابات عام 1959 وفاز حزب العمل الشعبي بـ 43 مقعداً من أصل 51 مقعداً. ولكن قبل أن يوافق الحزب على تسلم الحكم طالب السلطات البريطانية بالإفراج عن زعمائه الشيوعيين المعتقلين. وأطلقت بريطانيا ثمانية من هؤلاء، وصار لي كوان يو أول رئيس لوزراء المدينة ـ الدولة المتمتعة بالحكم الذاتي إنما غير المستقلة. وبقيت شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الداخلي في يد السلطات البريطانية. وعندما خرج الشيوعيون من السجن ووجدوا أن الحزب قد تغير في غيابهم وأنهم لا يستطيعون السيطرة عليه، انشقوا عنه في العام 1961 وألفوا حزب الجبهة الاشتراكية، الذي كان هدفه الأساسي تحطيم لي وحزب العمل الاشتراكي.

خلال هذه السنوات الأربع كانت الملايو قد استقلت وأصبح تنكو عبد الرحمن أول رئيس لوزراء الملايو المستقلة. وفي العام 1963 اقترح قيام اتحاد بين الملايو وسنغافورة وبورنيو وسَرَواك وصباح وبروناي، فوافق الجميع على ذلك باستثناء بروناي الغنية بالنفط التي آثرت البقاء محمية بريطانية. وتمَّ تأسيس اتحاد ماليزيا في سبتمبر عام 1963 . وعاش الاتحاد مع سنغافورة حتى عام 1965، حين طردت ماليزيا سنغافورة.

وكانت الحزازات والخلافات قد تراكمت بين ماليزيي الملايو (التي فيها صينيون بمقدار ما فيها ماليزيون) وصينيي سنغافورة (التي فيها أقلية ماليزية)، إلى درجة أنه لم يكن بد من الانفصال. وكان التصعيد في العلاقة قد بلغ ذروته إثر محاولة حزب العمل الشعبي السنغافوري تعاطي السياسة الماليزية الداخلية واستعداء الماليزيين المسلمين الذين خافوا من سيطرة الأكثرية الصينية على البلاد. ولا تزال الحساسية المفرطة بين مسلمي ماليزيا وصينيي سنغافورة تتحكم في العلاقة بين البلدين إلى اليوم.

وأصبحت سنغافورة جمهورية بعد طردها من اتحاد ماليزيا في 19أغسطس عام 1965، لها رئيس وعلم وبرلمان وسفراء وقوات مسلّحة، يحكمها رئيس وزرائها بواسطة الحزب الواحد، الديمقراطي المظهر الفردي السلطة، في غياب أي نوع من أنواع المعارضة. واستطاعت هذه المدينة ـ الدولة التي تبلغ مساحتها 225 ميلاً مربعاً، بسكانها المليونين، أن تتحول في عهد الاستقلال من مستعمرة متخلفة إلى قصة نجاح تكاد لا تصدق، أعطتها أبعاداً وأهمية في آسيا والعالم أكبر بكثير من حجمها، فللمرة الأولى في تاريخ هذه الجزيرة بات سكانها من صينيين وماليزيين وهنود يشعرون بالانتماء إلى وطن اسمه سنغافورة، وإن كان هذا الخليط العجيب يحتاج إلى جيل بكامله حتى تزول الحواجز العرقية ويتمّ الانصهار الوطني في شكل لا يقبل الكسر.

عقدة إسرائيل

تكونت لدى سنغافورة، انطلاقاً من هذا الخليط البشري الذي يسكنها، وعلى أثر طردها من اتحاد ماليزيا، «عقدة إسرائيل». فالصينيون السنغافوريون تتحكم فيهم عقدة تعالٍ وعظمة، مردّها إلى سلسلة النجاحات الاقتصادية والسياسية التي حققوها، وهم يتطلعون من خلالها باحتقار إلى سكان البلاد الأصليين عبر المضيق في ماليزيا، إلى جانب شعورهم بأنهم دولة صغيرة محاطة ببحر من الأعداء تعيش من ذكائها وقوتها فقط.

وكان القصد من اختيار لي كوان يو إسرائيل مثالاً يحتذى، الإيحاء إلى السنغافوريين بأن ظهرهم إلى الحائط وأن معركتهم للبقاء بلداً مستقلاً كمعركة إسرائيل مع العرب. وهو كان يستهدف في الدرجة الأولى الضغط على المواطنين لتقديم تضحيات معينة ومستمرة، قد لا يوفرها اعتماد المثل السويسري، كما كان يتمنى أكثر المراقبين المعنيين باستقرار جنوب شرق آسيا وسلامته، فيتعلم السنغافوريون من سويسرا فن التعايش بين الشعوب المختلفة اللغات والجنسيات، بمقدر ما يتعلمون فن البقاء والطفو على سطح الأحداث في عالم السياسة والاقتصاد المعقد.

ولعل الذي كرّس نهائياً انفصال سنغافورة عن بقية دول جنوب شرق آسيا، والعزلة التي تعاني منها اليوم، اختيارها إسرائيل مثالاً تبني على أساسه أمة، وهذا الاختيار كان متعمداً وعلنياً، وإن تكن الأوساط السياسية في سنغافورة تنفي ذلك اليوم، بعد تغير الظروف. ففي أكتوبر عام 1967، وكانت آثار حرب يونيو لا تزال ماثلة، وإسرائيل في قمة غطرستها وأمجادها العسكرية، وقف لي كوان يو في اجتماع مؤتمر الأحزاب الاشتراكية الدولية في زيوريخ وقال:

«لقد قمنا بدراسة لنرى ما يمكن للدول الصغيرة المحاطة بجيران كبار والمكتظة بالسكان أن تعمله لتعيش ولتبقى. وساقتنا الدراسة إلى مقارنة ثلاثة مجتمعات متلاصقة ومتضامنة هي: سويسرا، فنلندا وإسرائيل. وقد اختارت سنغافورة في النهاية النموذج الإسرائيلي، لأنه في وضع كوضعنا يبدو من الضروري تدريب كل ولد وكل بنت على الانضباط كعامل فعال وأساسي في الدفاع عن البلاد».

ومنذ ذلك الوقت والخبراء الإسرائيليون باتوا جزءاً لا يتجزأ من «صورة» سنغافورة، مهما حاول السنغافوريون تمويهه وإخفاءه. وكانت تلك المحاولة من أفشل ما قام به السنغافوريون الأذكياء. فقد وصل في نهاية عام 1967 عدد كبير من الضباط الإسرائيليين لتدريب قوات سنغافورة المسلحة والتدريس في كليتها الحربية. وكان هناك اتفاق مكتوب على ألا يعلن أي من البلدين رسمياً وجود خبراء إسرائيليين في سنغافورة، حتى إنه عندما وصلت الدفعة الأولى من هؤلاء سموا رسمياً «خبراء زراعيين مكسيكيين». ويشير السنغافوريون اليوم إليهم على أنهم «مكسيكيون» تفادياً لأي إحراج.

وبالطبع كان اختيار سنغافورة للإسرائيليين عملية فيها تحد وتحريض سياسي بالنسبة إلى جيرانها، إذ اعتبرت المواجهة بين الصينيين فيها وغير الصينيين في البلدان المجاورة كالمواجهة بين العرب وإسرائيل، فضلاً عن أنها أوحت بانتقال «العداء الديني» من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا. لقد كان في وجود الإسرائيليين شيء من «الإهانة العاطفية» لجيران سنغافورة المسلمين.

اختيارات صعبة

كانت ردة فعل ماليزيا وإندونيسيا على الوجود الإسرائيلي في سنغافورة، اتهام لي كوان يو بمحاولة إقامة دولة كإسرائيل من أجل اضطهاد الماليزيين والإندونيسيين المسلمين المقيمين في الجزيرة، كما تضطهد إسرائيل العرب المسلمين فيها اليوم. ويقول الحزب الماليزي الحاكم أن سياسة حزب العمل الشعبي السنغافوري تقضي بشن حرب أعصاب على شعوب جنوب شرق آسيا بالأسلوب الإسرائيلي، الأمر الذي يشغلها في استمرار بعضها ببعض.

بالطبع ـ يوضح أحد الخبراء الآسيويين ـ لو كان هدف لي كوان يو تأمين استقلال سنغافورة وبقائها فحسب، لكان اختار لبنان مثالاً، أو حتى هونغ كونغ، حيث التعايش الحر بين الشعوب والعروق والملل ـ بل حتى الدول ـ على أتمه. لكن لي كان يريد تعايشاً وفق أهوائه وبمواصفاته. تعايشاً بشروطه في دولة انضباطية عسكرية متفوقة. إلاّ أن ثمة من يقول ـ من يسار حزب لي ـ أن اختياره إسرائيل مثالاً لبلاده، بدلاً من سويسرا أو فنلندا، مردّه أيضاً إلى الفوائد الاقتصادية التي تترتب على هذا الاختيار، فبفضله وجد فرصة للتعاطف مع اليهود في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً يهود الولايات المتحدة، ولإغرائهم بالتوظيف في سنغافورة، وكانت لذلك نتائج إيجابية.

وإذا كان جيران سنغافورة وجدوا في اختيارها إسرائيل نوعاً من التحدي، فإن استراتيجيتها العسكرية كانت تهديداً عسكرياً مباشراً لهم. ذلك أن سنغافورة قررت أن تركز في اختياراتها العسكرية على سلاح الدبابات، ولاحظ المراقبون أن الدبابات التي اشترتها (من إسرائيل) هي من نوع «أ. أم. إكس ـ 13» الفرنسية الخفيفة التي تستطيع أن تعبر ممر جاهور البحري في سهولة إلى البر الماليزي. ولم تسكت ماليزيا على هذا الأمر.

فخلال المناورات التي أجرتها الدول الخمس الأعضاء في «منظمة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان) في العام 1970، وفي كل مناورة بعدها، رفضت ماليزيا أن تسمح لسنغافورة بأن تعبر دباباتها ممر جاهور، وحجتها أن هذه تريد أن تمتحن قدرة الدبابات، مع وحداتها العسكرية الأخرى، على غزو ماليزيا تحت ستار المناورات.

وبالإضافة إلى الدبابات، كان سلاح الطيران السنغافوري المجهز بطائرات هوكر هنتر وسكاي هوك والمدرب تدريباً إسرائيلياً من الأسلحة التي تفخر بها سنغافورة إلى جانب البحرية الصاروخية الإسرائيلية الصنع التي تمتلكها والتي اعتبرتها إندونيسيا موجهة ضدها بالذات. كل هذا لم يترك مجالاً للشك في هوية أعداء سنغافورة.

من هنا فإن سنغافورة اختارت أن تؤدي دوراً ثانوياً في منظمة «آسيان»، التي لا تزال أهم وسائل التعاون في المنطقة. وقد تألفت في العام 1967 من ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وتايلاند والفيليبين، لكنها لم تتطور مكتفية بمشاريع ضخمة على الورق. ولم يخف لي كوان يو تخوفه من جيرانه مبرراً ابتعاده عن المنظمة بقوله:

«إذا كان جيراني يريدون إيذائي اقتصادياً، فكيف تريدونني أن أقتنع بأنهم يريدون الدفاع عني عسكرياً. أليس هذا هراء؟ لو كانت سنغافورة مقتنعة بالنيات الحسنة لجيرانها لتعاونت وإياهم في سبيل المصلحة المشتركة. بالطبع نريد أن يكون جيراننا أقوياء ومزدهرين، ولكن من أجل أي هدف؟ حتى يأكلوني بعد عشرين سنة؟».وهكذا قرر لي أن يتغدى جيرانه قبل أن يتعشوا به، فجعل عدد قواته المسلحة 150 ألف رجل، معتمداً التجنيد الإجباري على الطريقة الإسرائيلية للمواطنين بين سن الـ 18 والـ 40، إلى جانب 10 آلاف شرطي.

التأثير الذي تبخر

على أن حرب أكتوبر عام 1973 غيرت الكثير. فالخبراء الإسرائيليون اختفوا فجأة واستبدلوا بخبراء صينيين من تايوان. وخشيت سنغافورة الغضب العربي، وهي التي تمتلك أكبر مصفاة للنفط في آسيا بعد عبادان؛ خافت من حصار النفط العربي، كما خاف لي كوان يو أن يبدأ القصاص وتستحق الفواتير. كان همه أن يستمر مرفأ سنغافورة، وهو خامس أكبر مرفأ في العالم بعد لندن ونيويورك وأمستردام وسيدني، في العمل.

فحياة الجزيرة كلها متوقفة عليه، ونجاحها الاقتصادي الذي قام على الموقع الجغرافي والانتهازية الاقتصادية، متوقف أيضاً على استمرار أعمال المنطقة الحرة فيه من صيانة وصناعة وإعادة تصدير وخدمات سياحية. إذ لا زراعة في سنغافورة ولا معادن ولا حيوان. حتى الماء تستورده من ماليزيا. فإذا توقف النفط العربي تتوقف الحياة وتنهار استثمارات شركات النفط الأميركية والبريطانية واليابانية والأسترالية والإيطالية الكبيرة.

إن المصفاة الضخمة التي ينتظر أن تصبح أكبر مصفاة في العالم إذا اكتشف النفط في بحر الصين الجنوبي، قد يعلوها الصدأ إذا توقف النفط العربي. فكان أن خرج الخبراء الإسرائيليون بمثل الهدوء الذي دخلوا به. كل ذلك خلال أشهر. إنما بقيت العقلية الإسرائيلية وعقدة التفوق تحدياً يومياً تمارسه سنغافورة ضد كل جيرانها في جنوب شرق آسيا. إن هذه الجزيرة الصغيرة مكان يستحق المراقبة العربية المستمرة.