المرأة هي دائماً المتهمة الوحيدة بتفريغ ميزانية البيت، وداعمة ميزانية التجارة الخاصة بالأزياء والأناقة، من عطور وأقمشة وأحذية وإكسسوارات بل ومجوهرات، كأن هذه المنتجات لا تباع أو تعرض إلا لها، وكأنه ليس هناك عنصر ثان في المجتمع يدعي الرجل يشتري ويرتدي كما هي.

وبالتأكيد لا تعاني الأماكن التي تخصص لبيع هذه المنتجات للرجال من كساد بدليل تعدد أقسامها، واستمرار جلب العديد من الموديلات والمنتجات الجديدة لها يومياً، مما يؤكد النظرة برواج هذه التجارة بل وبالأحرى نجاحها بطريقة تتفوق في بعض الأحيان على تجارة النساء.وبمرورنا على بعض المحلات التي تكاثر فيها الجنس الخشن، الذي لم يعد خشناً بشرائه لهذه المنتجات، واهتمامه الدائم بزيارة محلات تصفيف الشعر للرجال لعمل جلسات البخار وحمامات الزيت للشعر، وتقشير وتبييض وتنعيم للبشرة، ما يستدعي صرفه آلاف الدراهم في سبيل أناقتهم وملبسهم شهرياً، وفي بعض الحالات أسبوعيا وفي حالات أخرى بصورة شبه يومية! وللوقوف على هذه الظاهرة التي تستنفذ ميزانية الرجال، سألنا عدداَ من المطلعين على حقائق الأمور، من أصحاب محلات رجالية مختلفة ومن ذوي الشأن أنفسهم، مع اخذ رأي النساء في هذه الظاهرة ومدى تقبلهم أو رفضهم لها، بهدف معرفة الوجه الآخر لنصف المجتمع الثاني.

يؤكد ياسر زهران مندوب المبيعات في احد أشهر المحلات الرجالية والنسائية معاً، أن عدد المهتمين بالأناقة من الرجال في ازدياد دائم، وان جزئية الرجال في المحل لا تعاني أي كساد، حيث يقوم غالبية الرجال بتغيير «نعالاتهم» أو شراء المزيد منها كل ثلاثة أشهر تقريباً. - إقبال على الأغلى: ويذكر ياسر أن هناك مجموعة لا تتوجه إلى الجزء الرخيص من المنتجات، بل تتوجه مباشرة إلى الأغلى وتسأل دائماً عن الموديلات الجديدة والألوان المطروحة وتشتريها مهما كانت أسعارها مرتفعة، حيث يصل سعر البعض منها إلى الآلاف، وقد مرت عليه حالات تشترى بصورة دورية كل ثلاثة أيام. ويقول محمد عبد الله الموظف في احدى الدوائر الحكومية، بأنه دائم الإطلاع على كل ما هو جديد في عالم أناقة الرجال سواء من عطور أو «نعال» أو دشاديش وغتر وعقالات وساعات، ويفضل الأغلى سعراً لأنه يرى أنه أكثر جودة، واقدر على لفت انتباه الكل خاصةً النساء منهم.

ويبين الموظف الحكومي انه غالباً ما يصل لمرحلة التصفير قبل نهاية الشهر، إلا أن هذا الأمر لا يمنعه من الاستمرار في الشراء، خاصةً إذا نزلت ساعة أو عطر جديد، فلا يستطيع أن يجلس قبل أن يشتريه ويقوم بالاستدانة من أصدقائه أو بعض أفراد عائلته لشراء هذا المنتج. وعلى نفس الوتيرة يسير طالب المرحلة الثانوية على احمد، الذي وبالرغم من عدم وجود راتب شهري له لكونه مازال في صفوف الدراسة، إلا انه لا يقصر في المصاريف خلال الأعياد والمناسبات الخاصة، حيث يستنزف ميزانية عائلته بتوجهه دائماً إلى الأغلى سعراً للشراء، ولا يكتفي بمنتج من نوع معين فمن الضروري شراء كل لوازم الكشخة من عطور و7 دشاديش و3 نعال مختلفة الألوان، وبالتأكيد بعض اللوازم التابعة لها. - توجهات مختلفة: ويعلل طالب ال12 توجهاته في الأناقة لرغبته بلفت الانتباه لكل من حوله سواء أكانوا أصدقاء داخل المدرسة، أو بنات يراهن في المراكز التجارية ويرغب بلفت انتباههن، حيث يرى أن الفتيات يجتذبن من خلال كشخة الرجال، كالنحل تجذب من خلال الألوان والروائح.

ويشير محمد عبد الله احلق الموظف في احدى مؤسسات الاتصالات الكبرى في الدولة، بان سعيه من خلال شراء لوازمه الرجالية، ينبع من كونه موظفا في مكان منفتح على الجمهور، ويحيط به مجموعة من المهتمين بهذه الأغراض، لذلك فهو حريص على مواكبتهم، ويعلل توجهه إلى الماركات العالمية والمحلات الأغلى سعراً، بأنها أكثر جودة وأناقة من ناحية الصناعة.

ولا يرى محمد عبد الله أنه مسرف جداً في بذله آلاف الدراهم لشراء هذه اللوازم، حيث انه لا يتوجه شهرياً لشرائها إنما في فترات متباعدة خلال الأعياد وبعض المناسبات الأخرى، وفي هذه الحالة يكون مجموع ما يصرفه بعد شراء العطور ومجموعة من الدشاديش والنعلة وبعض اللوازم الأخرى، ما يعادل ال5000 درهم.

ويضيف بأنه لا يلتفت كثيراً إلى الصرعات الغريبة والجريئة جداً خاصةً في الدشاديش، فلا يستطيع أن يتصور نفسه يرتدي دشداشةً ذات صرعات ألوانية أو تطريزية، صحيح انه يواكب الموضة ولكنه حريص على الحفاظ على مكانته الملتزمة والبسيطة والأهم من كل هذا الرجولية.

مصاريف جنونية

يقول أبو الفتح نجفي مندوب بيع العطور في احد أكبر المحال المختصة على مستوى الوطن العربي، بأنه يرى حالات جماعية من الهوس الرجالي بالشراء، فهناك ما يعادل نسبته 30% من الزبائن الرجال الذين يصرفون ما يعادل ال2000 درهم شهرياً في شراء العطور فقط.

ويستذكر مندوب بيع العطور حالة شاب قام بشراء عطور وساعات من المحل ودفع ما يقارب ال35000 درهم في مرة واحدة، اتضح فيما بعد أن هذه الأموال هي قيمة دفعة من دفع منحة الزواج التي تعطيها الدولة للشباب المقبلين على الزواج.

ويذكر أبو الفتح أن كثيراً من هؤلاء الشباب قد لا يكونون ميسوري الحال، إلا أن ولعهم بالأناقة ومستلزماتها من عطور وساعات، تدفعهم للاستدانة والاستمرار في الشراء، ويقومون بالتالي باستخدام بطاقة (فيزا كارت) باستمرار لتلبية هذه الرغبة لديهم.

وتتحدث هنادي المصري زميلة أبو الفتح في قسم العطور، بان الرجال يتفوقون على النساء في الإقبال على منتجات العطور والساعات داخل المحل، وغالباً ما تشاهد نفس الرجال يعودون أكثر من مرة شهرياً وفي بعض الأحيان أسبوعيا.

وحول توجهات الرجال وخياراتهم، تؤكد هنادي بأنهم غالباً ما يسألون عن كل جديد وتلفتهم الماركات العالمية بغض النظر عن سعرها، إلا أن تفضيلهم يبقى دائماً للأقوى والأبقى رائحة في العطور، ويستهدفون من خلال هذه العطور أن ينتشر عطرهم ويبقى في المكان الذي يتوجهون إليه.

استشارات زوجية

ويذكر إبراهيم أحمد حميدان الزعابي انه يعتمد على زوجته في معظم مشترياته سواء من دشاديش أو نعلة أو حتى عطور، فهي تعرف ذوقه وكل خياراتها ترضيه، وتلقى استحساناً من أصدقائه الذين يشيدون دائماً بأناقته المنتظمة والدائمة، التي تواكب كل مجالات الموضة الرجالية سواء من حيث الملبس أو الإكسسوارات. ويوضح إبراهيم بان زوجته تهتم بان يشيد الناس بأناقته، ولا تتخوف من لفت نظر السيدات الأخريات له لأنها تثق به، بل وتفتخر بان زوجها شخصية ملفتة وجذابة وأنيقة وتجيد الاختيارات، بدليل اختياره لها كزوجة.

وعلى الاتجاه المعاكس لا تفضل حصة عبد الله أن يكون زوجها شخصيةً ملفتةً، ولهذا فهي دائمة الجدال معه حول أناقته المفرطة التي تستدعي نظرات النساء خاصة الشابات منهن إليه، الأمر الذي لا يريحها ويحرك الغيض في نفسها. وتعترف حصة بأنها أحيانا تخفي بعض عطوره الجميلة أو ساعاته الملفتة، كي تتجنب التدقيق من قبل الفتيات بزوجها، وتعلل تصرفاتها بأنها ليست قلة ثقة بزوجها بل بجيل اليوم خاصة من الفتيات اللواتي لا يعرفن حدوداً مجتمعية أو أخلاقية

رباب جبارة