يرتحل المؤلف هنا بالقارئ، عبر الزمان والمكان، إلى محطة بالغة الأهمية في التاريخ والجغرافيا على السواء، هي سايغون في قلب الحرب الفيتنامية في الستينيات من القرن العشرين، حيث نلتقي مدينة حزينة تخيم عليها الحرب بكل مآسيها، ونتابع مفرداتها باعتبارها مدخلاً إلى السياسة الفيتنامية الداخلية والصراع الهائل الذي سيحسم مصير الكثير من الصراعات المقبلة، ربما وصولاً إلى صراعات اليوم، حيث الإضاءة الأولى لقاء مع الجنرال نغوين كاوكي رئيس وزراء فيتنام الجنوبية آنذاك ومن ثم وزير خارجيته تران فان دو لنصل إلى بلدة دانانغ التي تتحدى النسيان.
مارس العام 1966 عندما توجهت إلى سايغون في مارس عام 1966، كانت الأزمة السياسية الفيتنامية في بدايتها، وقد بدأت تنحدر نحو انفجار حتمي. وكان صراع القوى في البلد الذي تمزقه الحرب قد بلغ مرحلة النضوج.كان موعدي مع الجنرال نغوين كاوكي رئيس وزراء فيتنام الجنوبية في الساعة الثامنة صباحاً، وقد دعاني إلى تناول طعام الإفطار معه في مقر رئاسة الوزراء في شارع «ثونغ نات».وفي الساعة الثامنة والنصف حطت طائرة هليكوبتر في حديقة المبنى، ونزل منها الجنرال كي، قادماً من منزله في مطار «تان سان نوت» في ضواحي سايغون، الذي يقيم فيه بصفته قائداً لسلاح الطيران الفيتنامي، من قبل أن يصبح رئيساً للوزراء.
والجنرال كي شاب في السادسة والثلاثين، أسمر اللون، نحيل القامة، له شاربان كثيفان، فيه سحر صبياني، ظاهر الأناقة في بزّته المدنية الرمادية، وظاهر الاعتداد بهذه الأناقة الباريسية الطابع. ولعل أناقة الجنرال كي هي حديث «الصالونات» في سايغون كما أن جمال زوجته ـ التي تعد من حسان فيتنام ـ هو حديث آخر يملأ حلقات المجتمع في العاصمة الفيتنامية المتعبة من الحرب.دخل رئيس الوزراء الفيتنامي إلى غرفة المقابلة، حيث كانت تتوسطها مائدة صغيرة لخمسة أشخاص، ومعه الجنرال نغوين هيوكو، نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، والجنرال لي خانك حاكم سايغون العسكري وقائد سلاح البحرية. وكنت أنا في الغرفة مع نغوين نغولين مدير وكالة الأنباء الفيتنامية، وصاحب الفضل في ترتيب هذه المقابلة.
قال لي الجنرال كي وهو يصافحني:
لبنان... لبنان... لبنان، لعله لا يشاركنا ظروفنا الصعبة. أنا لا أعرف الكثير عن لبنان، سوى أن فرنسا كانت تحكمه!
وضحك الجنرال كي ونحن نجلس إلى المائدة، وقال: لقد شاهدت حلماً قبل أن آتي إلى هنا، هو عبارة عن «خناقة» كبيرة، وعراك بيني وبين رجل فرنسي طويل.
وابتسم العسكري الذي انقلب سياسياً ابتسامة عريضة، وأضاف: لعله يشبه ديغول!
وسألت الجنرال كي: ومن انتصر في الحلم؟
فأجاب وقد عرضت ابتسامته: أظنني أنا. إن ديغول لا يحبنا!
وتذكرت أن العمل الأول الذي قامت به حكومة الجنرال كي عندما تسلمت الحكم منذ أكثر من تسعة أشهر، هو قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، بعد دعوة الجنرال ديغول إلى حياد فيتنام. وكانت العلاقات قد بدأت تسوء منذ العام 1963.
وتطلع الجنرال كي إلى مرافقيه وقد غرقت الطاولة بوصلة من الضحك، وقال لي:
أنت أول صحافي قادم من الشرق الأوسط أو من لبنان أقابله. لعل عندك أسئلة كثيرة!
وكان الجنرال كي يتحدث بإنجليزية جيدة، يطعمها بألفاظ فرنسية قليلة بين الحين والآخر.
قلت لرئيس الوزراء الفيتنامي: سأبدأ حديثي بسؤال: إلى أي حد ستستمر تصاعدية الحرب، وهل ما زلتم بحاجة إلى المزيد من الجنود الأميركيين؟
استدار الجنرال كي نحو الجنرال كو نائبه ووزير الدفاع وقال لي: ما دام الشيوعيون والفيتكونغ قادرين على تسريب عدد كبير من الجنود بكل إمكاناتهم من طعام وسلاح ومؤن باستمرار إلى فيتنام الجنوبية، فنحن بحاجة إلى العسكرية الأميركية. أما تصاعدية الحرب، فهي جزء من نضالنا ضد الشيوعية.
قلت: والوضع الداخلي، ألا يعرقل مسيرة الحرب؟
وكان الانفجار قد بدأ في «دانانغ» عاصمة القطاع الأول في الشمال، بتظاهرات بوذية معادية للحكومة، تطالب بسقوط كي، وبدستور وانتخابات ديموقراطية وحكومة مدنية.
فأجاب رئيس الوزراء بصعوبة: لا هذه أزمة داخلية!
إذن ماذا تمَّ في المحادثات التي أجريتها مع زعماء البوذيين خلال اتصالاتهم معك، وهم وراء التظاهرات التي جرت في سايغون أيضاً؟
ابتسم الجنرال كي وقال: إن الزعماء البوذيين يأتون إليَّ دائماً. إننا على اتصال دائم. ثلاثة منهم جاؤوا لعندي ليقولوا لي: «إننا نحبك، ولكن نختلف». قلت لهم: «لا، إننا لا نختلف في الهدف، نختلف في الوسيلة. كلانا يريد نظاماً ديموقراطياً، هذه الحكومة لا تسعى إلى أن تطيل عمرها. إننا نريد أن نعود كجنود إلى ثكناتنا. ولكن الخلافات لا تحل بالتظاهرات التي تحرج الحكومة وتقلق الاستقرار في البلاد. التظاهرات شيء لا أستطيع أن أقبل به».
قلت له: وهل قبلت بمبدأ الانتخابات؟
نعم، أنا أريد أن تتم انتخابات ديمقراطية، إنما في الظروف السياسية المناسبة، وليس على حساب استقرار فيتنام وحربنا ضد الشيوعية.
ـ وهل ستؤلف حزباً، وتخوض الانتخابات على أساسه، أم ستنضم إلى أحد الأحزاب الحالية؟
ابتسم الجنرال كي وكأنه أحرج بالسؤال وقال بصبيانية محببة:
لن أؤلف حزباً ولن أكون عضواً في حزب، كما أنني لن أخوض الانتخابات. أنا شاب لا أفهم في السياسة، وأحتاج إلى الكثير حتى أتعلم!
ـ وماذا فعلتم لإعادة سيطرة الحكومة على الوضع في البلاد؟
لقد نقلنا الموظفين المسؤولين عن تشجيع التظاهرات، كما أننا نحاول أن نوصل الحقائق إلى الشعب في «دانانغ» و»هوي» فإن أكثره مُضَلَّل.
ردّ رئيس الوزراء على سؤالي بعنف ظاهر، ثم استرد أنفاسه واستطرد قائلاً: أنا أفهم أن يتظاهر المدنيون، أما العسكريون فلن أسمح لهم بذلك. على العسكريين أن يطيعوا أوامر الحكومة، أو يقوموا بانقلاب عليها!
لنكن واقعيين
ـ ما رأيك بموقف حكومة الولايات المتحدة، من أنها ستقبل بنتائج الانتخابات في فيتنام الجنوبية، حتى ولو نجح فيه الشيوعيون؟
تطلع إليَّ الجنرال كي، وكأنه كان يتوقع سؤالي، وقال:
تستطيع واشنطن أن تقبل أو ترفض ما تشاء، أما نحن فلن نقبل الشيوعيين أبداً. الحزب الشيوعي ممنوع في فيتنام. وأكثرية شعبنا ضد الشيوعية. ونحن مع ما ستقرره أكثرية هذا الشعب. إن شعب فيتنام سيمنعهم.
ـ وكيف تستطيع أن تجري انتخابات والبلاد في حالة حرب؟
وقبل أن أنهي سؤالي، التفت الجنرال كي إلى نائبه على يساره وتحدث بالفيتنامية قليلاً، ثم تطلع إليَّ وكأنه يستطرد، وقال:
لنكن واقعيين. إن إجراء الانتخابات يتوقف على نجاح العمليات العسكرية. إذا استطعنا أن نسيطر على ثمانين بالمئة من البلاد قبل عام 1967، أجرينا الانتخابات. إن هناك اليوم عشرة ملايين نسمة تحت سيطرة الحكومة الفعلية، من أصل ثلاثة عشر مليون نسمة وهذا رقم مشجّع. وأنا متفائل من مستوى الحملات العسكرية الحالية ونجاحها.
ـ هل تعتقدون فعلاً بأنكم ستنتصرون على الفيتكونغ؟
طبعاً!
قالها الجنرال، وبتر السؤال باقتضاب.
وكيف ترى نفسك بالنسبة إلى كل ما يدور حولك ويحيط بك؟ هذا سؤال عام، ويهمني أن أعرف جوابك!
ابتسم رئيس الوزراء ـ وكأن الابتسامة قد أصبحت عادة ـ وقال:
أنا اليوم مسؤول عن مصير بلدي، ولن أضحي أو أتساهل بهذا المصير. أنا على استعداد أن أسمع آراء كل الفئات وكل الناس ولكن لن أسمح بأن أُجَرَّ إلى معارك جانبية، بينما المعركة الأساسية هي ضد الشيوعيين. أما أنا كعسكري، فطموحي أن أعود طياراً كما كنت إلى سربي في سلاح الطيران.
أما الإدارة العسكرية الحاكمة ـ والكلام ما زال للجنرال كي ـ فهي أن تسلّم البلاد إلى حكومة ديمقراطية حرّة، وأن نعود إلى ثكناتنا. إن فيتنام قد ضحت بالكثير في السنتين الأخيرتين. لذلك فإن عليها أن تنتصر هذه المرة على الخطر الشيوعي ـ الداخلي والخارجي ـ وتصمد ضده. لذلك فمن واجبنا توعية هذا الشعب حتى يحقق آماله..
وكان طعام الإفطار قد قارب على نهايته، والساعة قد تعدّت العاشرة. وقال الجنرال كي، وكأنه يعتذر: إنها «ترويقة» أميركية وأنا لا أحبه. فأنا عادة أتناول حساء فيتنامياً في بيتي، وهذا طعام الإفطار عندنا.وعندما جاء دور الفاكهة، تطلع رئيس الوزراء إلى ساعته، وسأل الجنرال كو عن موعد اجتماع مجلس الوزراء، فردَّ وزير الدفاع بأنه في العاشرة.
وعندئذٍ وقف الجنرال كي، ومدّ يده يصافحني وهو يقول: لعلَّ القرّاء العرب يدركون أن فيتنام ليست بلداً بعيداً كثيراً عن اهتمامهم، أرجو أن أراك وقد انتهت الحرب!وخرج الجنرال كي مع مرافقيه ولم يبقَ في الغرفة إلاّ الشعور بأن الحديث مع رئيس الوزراء في المدينة التي تعانق خط الاستواء لم يكن إلاّ المدخل إلى كل ما في عالم الاستواء من مفاجآت وخبايا!
خبير قديم يتحدث
كان لا بد للسياسة في فيتنام من أن ترتاح على صدر خبير قديم في لعبة الكلمات المتقاطعة الصعبة، وقد أصبحت كالمرأة لها أكثر من وجه، وتحتاج إلى أكثر من شخص ليكشف قناعها.وقد كان الانتقال مريحاً، من بعد المدخل الحزين إلى سايغون، ومن بعد سحر الجنرال كاوكي رئيس الوزراء، ودهاء فارس البوذيين الأول، تري كوانغ.
أما الوجه الآخر لما كان يحدث في فيتنام، فقد ألقى الضوء عليه الدكتور «تران فان دو» وزير خارجية فيتنام الجنوبية، اليد الخبيرة القوية بأصول وفروع اللعبة الفيتنامية كلها.
ارتاح الرجل الكبير النحيل على كرسي في مكتبه، وترك وراءه ستين سنة من العمر والخبرة، وقد اختطفته السياسة من مزاولة الطب في سايغون، ودفعته إلى الكرسي الأول ـ غير المتعب ـ في مسرح الأحداث الفيتنامية.
- السياسة في فيتنام تشغل الكبير والصغير».
قالها لي وزير الخارجية العجوز ولكن، تابع الدكتور دو كلامه: سرعان ما تصبح شغل الإنسان الشاغل. درست الطب في جامعة باريس، وعدت إلى بلادي حيث عملت طبيباً حتى عام 1954، وبعدها تفرغت للسياسة والأمور الاجتماعية.
ـ وماذا حدث عام 1954 حتى خطفتك السياسة من الطب؟ سألت وزير الخارجية.عام 1954 عيّنت وزيراً للخارجية لأول مرة، ورأست وفد فيتنام الجنوبية إلى مؤتمر جنيف. واستقلت بعد عشرة أشهر.
ونظر الدكتور إلى في خريطة كبيرة أمامه وتابع كلامه:
أعتقد أن مشكلة فيتنام غير معروفة في الخارج، وفي الشرق الأوسط بالذات. إننا دولة لم يمضِ على استقلالنا أكثر من خمسة عشر عاماً، ونحن دولة صغيرة. فحتى نوجد سلكاً خارجياً نحتاج إلى كفاءات مفقودة، وإلى إمكانات غير موجودة، بالإضافة إلى وضعنا الحالي.
ـ وما هي قيود وضعكم الحالي؟
أهم هذه القيود أننا ممثلون في 26 دولة فقط، ليس على مستوى سفراء في أكثرها. في الشرق الأوسط تمثيلنا الوحيد في أنقره، وقد بدأنا بفتح مكتب للمعلومات في بيروت. لنا ستة أو سبعة سفراء فقط. واحد في الولايات المتحدة يمثلنا في البرازيل والأرجنتين. وآخر في المغرب يمثلنا في تونس ودول أفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية وواحد في بون يمثلنا في الدول السكندينافية.
وتابع وزير الخارجية الفيتنامية كلامه قائلاً: ثم إننا لسنا عضواً في منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة. ونحن كدولة مجزأة ـ كألمانيا وكوريا ـ لا يحق لنا الانضمام إلى الأمم المتحدة بالرغم من رغبتنا الكبيرة في ذلك، إلاّ أن لنا مراقباً دائماً في نيويورك. ـ هل تتعارض سياستكم الخارجية في بعض الأحيان مع السياسة الأميركية في العالم؟ سألت الدكتور دو بحذر.
لا أبداً، قال وزير الخارجية. إننا نعمل باتفاق وتعاون تامّين مع واشنطن. ونحن في الخارجية هنا على اطلاع تام على الأحوال السياسية والعسكرية في البلاد، والتي هي بدورها ترسم الخطوط العريضة لسياستنا.
ـ حدثني عن الحرب، كسياسي قديم، ورجل يعرف الكثير عما يجري. هل من الممكن أن تربحوا الحرب حقاً؟
ـ نظر الدكتور إلى أصابعه النحيلة ثم إلى خريطة كبيرة لفيتنام أمامه، وقال لي:
صدقني يا بني إن فيتنام وقد صار لها أكثر من عشرين سنة وهي تحارب، قادرة على الاستمرار في الحرب. لقد اعتدنا الأزمات والحرب. ولكن هذه الحرب ليست عادية بالمعنيين السياسي والعسكري. إنها حرب تخريب وحرب عصابات وحرب شعارات سياسية. العدو في كل مكان. ستكون حرباً طويلة. إنها كوعاء ينقط فوق طاولة. كلما مسحت الطاولة نزلت نقطة ماء جديدة. فأنت لا تعرف متى سينقطع تقاطر الماء ما دمت لا تعرف إذا كان الوعاء فارغاً أم لا. وهكذا هي الحرب في فيتنام اليوم.
حرب مختلفة
استراح وزير الخارجية العجوز على كرسيه قليلاً وأخرج سيجارة وأشعلها استعداداً لمتابعة حديثه.
هذه ليست حرباً أهلية كما يحاولون أن يصوروها في الخارج. صحيح أنها حرب بين الفيتناميين وهم شعب واحد أصلاً، إنما هي حرب بين دولتين مستقلتين اعترف بهما مؤتمر جنيف عام 1954. فيتنام الشمالية، وفيتنام الجنوبية، وخط العرض 17 الفاصل بينهما. إن فيتنام الشمالية تشن حرباً تخريبية على دولة فيتنام الجنوبية المستقلة، والمعترف باستقلالها.
إنها حرب خفية. حرب تسلل وليست حرباً واضحة، كحرب كوريا مثلاً حيث جرى اعتداء واضح قطعت فيه القوات الكورية الشمالية والصينية خط العرض 38 إلى كوريا الجنوبية. إنها حرب من طراز جديد. هناك أناسٌ في الخارج ينادون بأن يترك الفيتناميون لشأنهم. لا. إنه اعتداء. ولذلك فنحن نريد من أصدقائنا الأميركيين والكوريين والأستراليين والنيوزيلنديين أن يدافعوا عنا كما دافعوا عن كوريا.
وتابع وزير الخارجية الفيتنامية قائلاً:
في الخارج يتظاهرون عن نية حسنة، من دون أن يعرفوا أنها حرب تشنها دولة على دولة. لقد حاربنا الشيوعية أكثر من ربع قرن. إن فيتنام الجنوبية لا تريد الشيوعية، وهي تدافع عن حريتها. إنها حرية الصغير ضد الوحش الكبير، وهي بحاجة إلى مساعدة كل الأصدقاء في العالم.
أما إذا سقطت فيتنام بأيدي الشيوعية، فمعناه أننا نعيد مأساة هتلر وميونيخ عام 1938 إذا سكتت دول العالم على ذلك. إنها نهاية استقلال الدول الحرة الصغيرة. وانتصار لهتلر الجديد ـ الشيوعية والصين. وعلى العالم أن يفهم هذا.
ـ وماذا تريدون أنتم بالذات إذا انتهت الحرب؟
لا شيء. إننا نريد أن نعيش بسلام مع هانوي. لا مطامع إقليمية أو توسعية لنا. سنحترم استقلال فيتنام الشمالية ونقيم معها علاقات تجارية ونتبادل المنافع؛ تماماً كما العلاقات التي هي بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية أو كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية. إننا نبحث عن الحرية والاستقلال بسلام، ومن دون أن نتنازل للشيوعية، إن فيتنام الجنوبية ترفض الشيوعية.
وكان الوزير الكهل قد تعب كثيراً وقد بات له في هذا المنصب منذ فبراير عام 1965، بعد عزله عن الوزارات استمرت سنوات. فكان لا بد من تحية وداع على الباب، وكلمة عاجلة عن لبنان والشرق الأوسط.
ولعل أهم ما في الوزير الفيتنامي أنه يعرف أكثر مما يقول، كرجل دولة فيتنامي مارس لعبة الكلمات المتقاطعة زمناً طويلاً!
حكايات من دانانغ
من دانانغ البلدة القابعة في قلب الاضطرابات السياسية التي تعصف بفيتنام الجنوبية، واجهت حكومة سايغون العسكرية التحدي الأهم ضدها. ومن هذه البلدة، يستمر «سيف ديموقليس» مصلتاً على رقاب مجلس الجنرالات وحكومة الجنرال كاوكي، وهي تحاول أن تقفز من فوق حبال السياسة الفيتنامية المتشعبة، في محاولة أخيرة، لتفادي قفزة الموت.
ودانانغ ـ أو «تورين» كما سماها الفرنسيون خلال قرن من استعمارهم للهند الصينية ـ قد استعادت اسمها الفيتنامي، من دون أن تستعيد ملامح المدينة الفيتنامية. بقيت كأنها مدينة فرنسية صغيرة في الريف، تسبح على شاطيء بحر الصين في شمال فيتنام الجنوبية، أو ربما على شواطيء في الجنوب الفرنسي.
وفي اليوم التالي لوصولي إلى دانانغ، كانت التظاهرات المعادية للحكومة قد تحولت إلى مواقف مسلحة، وأُجلي العسكريون والمدنيون الأميركيون إلى داخل القاعدة العسكرية الأميركية الجوية ومنعوا من التجول.
وبعد الظهر من اليوم نفسه، وقف الجنرال كاوكي ليعلن في مؤتمر صحافي في سايغون سقوط دانانغ بأيدي الشيوعيين، وأنه سيرسل قواته لتحريرها، وأن محافظ دانانغ، الدكتور نغوين فان مان (37 سنة) الذي عيّنه هو في يناير عام 1966، يجب أن يعدم، أو أن الحكومة يجب أن تسقط! وهزت رعونة تصريح رئيس الوزراء فيتنام كلها.طبعاً، لم تسقط دانانغ بأيدي الفيتكونغ، ولم يُعدم محافظها، وحتى الآن لم تستقل حكومة الجنرال كي العسكرية في سايغون.
وطار كي إلى دانانغ لإصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم عاد فاشلاً. وفي اليوم التالي أرسل قواته المؤلفة من سلاح الطيران الموالي له بصفته قائده، ومشاة البحرية إلى دانانغ. فاحتلت المطار وبقيت فيها، بينما حلقت الطائرات على علو منخفض فوق المدينة وقواتها المعارضة في استعراض عضلات واضح!
وخيّم شبح الحرب الأهلية على دانانغ، وقد انقسمت القوات الفيتنامية بين مؤيد ومعارض للحكومة في سايغون. وبدأت وحدات صغيرة تنسحب تدريجياً من المطار لتنضم إلى مقاومة المدينة، وتحفر الخنادق في الشوارع، وتقيم المتاريس على مفارق الطرق. وأصبح الغليان في المدينة يفوق حدود الاضطرابات العادية، وأصبح منع التجول هو الهدوء القسري الوحيد المفروض على المدينة. ولم يبق في شوارع دانانغ إلاّ الصحافيون ـ بملابس مدنية ـ يتجولون وسط عداء ظاهر من السكان.
وفي اليوم الثالث لوصولي، وقد أصبح التنقل من مكان إلى آخر في دانانغ مستحيلاً من دون سيارة «جيب» مدنية بالإيجار، هدأت الحالة بعض الشيء. لكن «لجنة النضال» ـ كما سمت نفسها ـ التي تدير المعارضة في دانانغ، بكل ما تملك من قوات عسكرية ودعم بوذي على الصعيد الشعبي، بقيادة المحافظ وبعض العسكريين، ما زالت مسيطرة على المدينة، في الوقت الذي أخذ الجنرال كي يسحب قواته شيئاً فشيئاً من المطار، ولكن ليس إلى سايغون من حيث أتوا، بل إلى خارج المدينة.
ومن المركز الصحافي في دانانغ، وهو عبارة عن مخيم عسكري لإيواء الصحافيين، بدأت أبحث عن الرجل الذي طالب رئيس الوزراء برأسه. خطوط الهاتف مقطوعة، والخط الوحيد الذي يربط المركز الصحافي بالعالم، خط تليفوني عسكري مع سايغون ومع المطار. ومركز المحافظة بعيد، ولا أعرفه، وعداء السكان الحالي لا يسمح بالتجول أو بالسؤال.
لكن بداية الطريق كانت واضحة. في سيارة «الجيب» القديمة ـ لعلها من مخلفات حرب الهند الصينية الأولى ـ وعليها لافتة كبيرة مدهونة بالأسود ومكتوب عليها بالفيتنامية، «صحافة»، انطلقت مع زميل ياباني يحمل في عنقه ما لا يقل عن تسع آلات تصوير وآلة تسجيل، و«اختراعات» إلكترونية صغيرة عجيبة غريبة.
وأمام باب المحافظة سألنا عن بيت الدكتور نغوين فان مان. وتحدث الزميل الياباني بالقليل الذي يعرفه بالفيتنامية، وتحدثت أنا بالقليل الذي أعرفه بالفرنسية، حتى توصلنا إلى فهم اتجاه البيت.
وبدأ البحث المرير عن بيت المحافظ في حرّ بعد الظهر القاتل. وبدلاً من أن نعثر على البيت عثرنا على العيادة التي أقفلها المحافظ منذ ثلاثة أشهر عندما تحول من طبيب إلى سياسي.ومن العيادة، انطلقنا برفقة شخص كان هناك يعرف البيت، حتى وصلنا إلى المنزل الأبيض الصغير الذي يعيش فيه المحافظ. وساعة وصولنا، كان الدكتور مان خارجاً في طريقه إلى مركز قيادة «لجنة النضال».
وعلى الباب، وكان زميلي الياباني ما زال في «الجيب» يحاول التقاط صور، قلت للدكتور مان وقد وقف أمام باب سيارته:
ـ ماذا تريد، وقد بدأت الحالة تهدأ نوعاً ما؟
ماذا أريد؟ إننا نريد أن تستقيل الحكومة العسكرية وأن يتراجع الجنرال كي عن تصريحاته.
قلت: ولكن الجنرال كي يكاد أن يكون قد تراجع عن تصريحاته في أحاديث معينة في اليومين الماضيين؟
فأجاب الدكتور مان: هذا لا يكفي، نريد أن يستقيل كي، وأن يسحب قواته وأن يحقق مطالبنا. قالها المحافظ بعصبية.
ـ وإذا استقال الجنرال كي وسحب قواته ـ كما بدأ يفعل ـ فما هو البديل؟
لا أعرف. المهم أن يسقط كي!
قلت: وإذا عادت الحالة إلى طبيعتها، هل يعود ولاؤكم للحكومة المركزية في سايغون؟
فأجاب المحافظ العصبي: لا، لا، لا ولاء عندنا للجنرال كي. عليه أن يذهب.
وركب الدكتور مان في سيارته. وانطلق بعيداً، وانتهى الحديث مع المحافظ.
وعادت التظاهرات في اليوم التالي تجتاح المدينة. وازداد الشعور المعادي للولايات المتحدة، عندما اعتدى المتظاهرون على صحافيين، واحد مصور، وآخر مندوب لإذاعة محلية. ولفّ دانانغ بعد ذلك هدوء مصطنع.
وقررت العودة بعد أربعة أيام إلى سايغون. وفي صباح اليوم المقرر، نسف الفيتكونغ مطار العاصمة، وانقطعت المواصلات الوحيدة بين دانانغ وسايغون، وبقيت في دانانغ أربعة أيام أخرى أنتظر الفرج.
وفي لحظة من لحظات هذا الانتظار الطويل سألت زميلاً فيتنامياً: هل تذكر من أين بدأت الأزمة كلها؟
نظر إليَّ الزميل الفيتنامي، وكأنه يتفحص ذاكرتي، وقال:
من «هوي» العاصمة الأمبراطورية والثقافية لكل فيتنام، من «هوي» بدأت الاضطرابات التي أطاحت حكم ديم، ومن بعده حكم الجنرال خانة، ثم رئيس الدولة فان خان سوك. إن الذي يبدأ عادة في «هوي» يكون كالوباء، يجتاح كل شيء. واليوم على الجنرال كي أن يصمد ضد هذا الوباء.
بقي أن يصل الوباء بكامل قوته إلى سايغون!


