نبحر مع الريس في هذه الحلقة لنصل إلى أرض الصومال الجميلة، حيث يفرض الشعر حضوراً طاغياً إلى درجة يخال للمرء معها أنه ينتقل بين أبيات قصيدة ملحمية طويلة، تسهب في وصف تاريخ شعب الصومال وكفاحه من أجل نيل استقلاله ووحدة أبنائه وأراضيه. ويشدنا هنا ذلك الوصف للعاصمة مقديشو، أو اللؤلؤة البيضاء كما تسمى، التي يظهر عليها الطابع الإسلامي إلى جانب تأثير الاستعمار الإيطالي، فتجد فيها القديم يجاور الحديث في انسجام عز نظيره في بقاع الأرض الأخرى.
الصومال - الزمان: مايو 1968 - إذا كان الشعر سيد الكلمة عند العرب، فإنه أيضاً عند الصوماليين سيد المواقف دائماً. فهم يستقبلونك بالشِّعْر، ويشيعونك بالشعر، ويشتمونك بالشعر، ويهتفون لك بالشعر، وينتخبونك بالشعر، حتى لتكاد تظن أن عكاظ أقيمت على ذلك الشاطئ الأفريقي، وأن عقارب الزمن توقفت عند العصر الجاهلي أو في مطلع صدر الإسلام. هكذا، على الأقل، أوحت إليَّ مقديشو، أو خُيل إليَّ منها في الساعات الأولى من وصولي إلى عاصمة الصومال. إذ جاءني إلى الفندق رفيق صومالي كان يجلس إلى جانبي في الطائرة التي حملتني من عدن إلى مقديشو، ليقرأ لي قصيدة نظمها ترحيباً بي بعدما استراح في بيته. ولما ألقاها - من الذاكرة- وعد بنظم قصيدة أخرى في وداعي. وخفت وأنا أشيعه إلى الباب أن ينزل عليه شيطان الشعر مرة ثانية، فيسمعني قصيدة لمناسبة بلوغي وإياه عتبة الدرج سالمين. لكن يبدو أن القريحة نضبت. وبقي أن أقول إن القصيدة التي ألقيت في حضرتي كانت بالصومالية، لم أفهم منها شيئاً، برغم محاولات الترجمة العربية التي رافقتها. والصومالية لغة، توحي إلى من يجهلها ويسمعها للمرة الأولى، بأنها موسيقية وذات جرس إلى درجة ممتعة.
وكان الرفيق الصومالي الشاعر، تاجراً طويل القامة قعد بقربي في الطائرة القادمة من عدن، وأخذ يسألني عن أحوال الجنوب اليمني. وظننت بادئ الأمر، أن الرجل مهتم لأنه تاجر، وربما بسبب ما آلت إليه الظروف الأخيرة هناك. لكنه صب اهتمامه بغتة على سائر الدول العربية، من لبنان والمناصفة المسيحية ـ الإسلامية في الحكم، إلى انتخابات الاتحاد الاشتراكي في مصر، حتى مصير الملك حسين في الأردن. وعدت إلى الاعتقاد بأن جاري الصومالي إنسان متابع للأحداث العربية، عظيم الشوق إلى تفاصيلها. إلى أن قذفني بسؤال جديد، وأنا في بدء محاولة للإغفاء إثر سفر شاق: «مَن فاز في الانتخابات الإيطالية؟ الاشتراكيون أم الديمقراطيون المسيحيون؟ هل نجح السنيور إلدو مورو أم السنيور نيني؟ هل يشترك الحزبان في ائتلاف حكومي آخر؟». وهذه المرة لم يكن وحده إذ اشترك معه «كورس» من الركّاب الصوماليين، الذين عرفوا بالصحافي القادم من لبنان إلى مقديشو، فاعتبروها فرصة لا تعوض لمعرفة الأخبار العربية والإيطالية. واسترسل بعضهم في الحديث بالإيطالية، حتى اكتشف جهلي لها، فخاب أمله. إلا أن ذلك لم يردعهم عن المغالاة في إلقاء الأسئلة وتوقع الأجوبة فوراً عنها.
حوار الطرشان
لما وصلت إلى مقديشو اكتشفت أن رفاق الرحلة لم يكونوا أكثر استفساراً واهتماماً من سائر مواطنيهم الصوماليين. فإذا سألت ما هي آخر أخبار الصومال، سمعت سؤالاً لا علاقة له بسؤالك يقول: «هل استعاد الجيش المصري قوته؟»، مثلاً. وإذا سألت عن علاقات الصومال بكينيا، جاءك الجواب: «هل تقع الحرب بين العرب وإسرائيل؟». ومن خلال حوار الطرشان، فإن على الصحافي الباحث عن معالم الصومال، أن يتلمس طريقه في مقديشو، وسط اهتمامات أمة موزّعة بين أطراف قارات ثلاث.
مقديشو، العاصمة، تعكس هذا التمزق بين القارات الثلاث. ففيها الطابع العربي الإسلامي، والإطار الأفريقي، والإضافات الإيطالية. لكنها تبقى مدينة كأنها خارجة من صفحات التاريخ القديم الذي كتبه الرحالون في القرن الثامن عشر، وسرقه القراصنة في غزوة من غزواتهم الكثيرة للشواطئ الإفريقية. فإن البيوت البيضاء الصغيرة والقباب المبعثرة والقلاع الصخرية على طول الشاطئ، تجعل لها ظلاًّ غريباً، هو مزيج من الإفريقية الصميمة والتراث الإسلامي، إلى جانب جو من الصوفية، فإذا بها كمقرٍّ لأولياء اللّه الصالحين، وللمهرجين أو لقراصنة الشواطئ أولئك بالذات.
وأولياء اللّه الصالحين، ما زالت قبورهم ذات القباب البيضاء الجميلة، متناثرة في كل مكان من مقديشو. أما القراصنة فجرفهم تيار العصر الحديث. وبرغم أن العاصمة لا تبعد أكثر من 120 ميلاً عن خط الاستواء، فإن الرياح الموسمية الباردة تمرّ بها في أغلب أوقات السنة. ثم إن العاصمة التي تقع في جنوب الصومال، أو «قرن إفريقيا» كما يسمى هذا الجزء من إفريقيا الشرقية، تظهر مضيئة بذلك الخليط العجيب من البيوت البيضاء والزرقاء الممتدة على طول الساحل، حتى إن اسمها القديم «لؤلؤة المحيط الهندي البيضاء» يقفز عند كل استدارة من استدارات الغريب القادم إليها. والاسم أطلقه عليها البحارة من عرب وأوروبيين وهنود وصينيين، من أولئك الذين ازدحموا في شطآنها على مدى ثلاثة قرون مضت.
فالقديم فيها يجاور الحديث: الأكواخ الإفريقية من القش والبيوت العربية المكوّرة ونوافير المياه الشرقية، تلتصق بالطراز الاستعماري من البيوت الأوروبية ذات السقوف العالية وقناطرها الرومانية الطراز وممراتها العريضة. والمطاعم الإيطالية تملأ الشوارع الرومانية، فكأنك في نابولي أو ميلانو. والمقاهي الخشبية على البحر والنراجيل تقرقر مع الأمواج، فكأنك في الآستانة القديمة، أو «في الحاج داود» في الزيتونة في بيروت. وفيها الطرق الحديثة (شعار الاستعمار الإيطالي الموروث عن الفكرة الرومانية القديمة القائلة بأن الطرق أساس الحضارة) والممرات الترابية الضيّقة التي تؤدي إلى المساجد العتيقة القديمة وقبور الأولياء.
والصومال، خلافاً لسائر الدول الإفريقية، يسكنه شعب واحد وعرق واحد. يتكلمون لغة واحدة ويعتنقون ديناً واحداً. وقبل الاستعمار في النصف الثاني من القرن الأخير، كانت القبائل الصومالية تشكل مجتمعاً مميزاً من حيث اللغة والحياة والثقافة. حتى جاء تقسيم البلاد على أيدي إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإثيوبيا، يجزئ هذا الشعب الواحد ـ كما حدث في أماكن عدة- مستعمرات مختلفة محتوية على قبائل متباعدة متفرقة. إلا أن الصومال، الجمهورية التي نعرفها، هي حصيلة دمج مستعمرتين: محمية الصومال البريطاني والصومال الإيطالي.
وكانت هذه التجربة في التجزئة وفي الحكم الاستعماري دافعاً سريعاً لتقوية الوعي الصومالي التقليدي ولإحساسه بثقافته الفريدة وهويته القومية. وهو ما ساعد على تنمية القومية وتحويلها من مجرد ظاهرة ثقافية إلى قوة سياسية دافعة. واليوم، بينما تتصارع دول أفريقية استقلت حديثاً، على جعل قبائلها المتباينة الجنس والعرق واللغة والدين أمة واحدة، يبذل الصومال جهده لأجل خلق وحدة سياسية من أمة كاملة النمو والأوصاف. وكانت الخطوة الأولى ضم الصومال البريطاني إلى الصومال الإيطالي عام 1960 وإعلان استقلال الجمهورية الصومالية، بمثابة دعامة في قاعدة الأمة، وحجر أساسي تبنى عليه بقية الوطن. إنما لا تزال بعيدة عن جناح الوطن الأم، أجزاء من الصومال وقبائل من الصوماليين في الصومال الفرنسي وفي إثيوبيا وفي كينيا، وهي تواقة إلى الانضواء في ذاك الجناح والنوم في حضن الحجر الأساسي. وفي ضوء الوضع اليوم، يبدو صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، حتى لو دفع الثمن باهظاً بالدم، أن تنضم أجنحة الأمة كلها. فالصومال الفرنسي، أعلن في استفتاء في العام 1966، أنه لا يريد أن يعود إلى الجمهورية، وذلك بتشجيع من الجنرال ديغول شخصياً الذي طبّق سياسة فرنسا الرامية إلى ربط ما تبقى من مستعمراتها الهامة بباريس مباشرة. وهذه السياسة أثارت النعرات الانفصالية والفوارق القبلية، لتحافظ على الجزء الهام في «القرن الأفريقي» وعلى مرفئه الحيوي في جيبوتي كمرفأ منافس لعدن حتى قبل موته، وعلى الخط الحديدي الذي يربط بين أديس أبابا وجيبوتي، والذي يعتبر الشريان الوحيد لإثيوبيا نحو البحر الأحمر، والمتنفس التجاري الأساسي المفتوح على قناة السويس وبالتالي على البحر المتوسط وأوروبا. إلى جانب أن كينيا وإثيوبيا (والأخيرة شجعت بقاء الصومال الفرنسي فرنسياً للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية) لا رغبة لديهما في تسليم جزء كبير من أراضيهما للصومال، بل تبذلان كلتاهما جهوداً كبيرة بغية تغذية النعرات الانفصالية والإحساس القبلي.
تضارب المفاهيم
هذه الخلافات، أو هذا الخلاف الأساسي، يظهر إلى أي مدى تختلف القومية الصومالية عن بقية القوميات المبعثرة في الدول الإفريقية. أو بين المفهوم الصومالي للقومية، القائم على وحدة اللغة والعرق والدين والأرض، وبين المفهوم الأفريقي الآخر، القائم على توحيد ما تيسّر من مختلف أنواع الأجناس والقبائل التي ضمّها الاستعمار عند «بلقنة» إفريقيا في القرن الثامن عشر.
إن ما تسعى إفريقيا الأخرى الوارثة للاستعمار للحصول عليه موجود عند الصومال بكثرة، ولا ينقص هذه إلا أطراف الأرض المنتزعة منها والقبائل المشردة عنها. وفيما ترفع هي وحدة أراضي الصومال وشعبها شعاراً لها، ترفع البلدان الإفريقية المستقلة حديثاً والوارثة لتجزئة القوى الاستعمارية، توحيد ما عندها من قبائل شعاراً لها.
وقد يكون كل هذا من اختصاص المهتمين أكاديمياً بموضوع إفريقيا، وإرثها «البلقاني». إلا أن ما يعنينا هنا فقط، هو العنف الذي تتصف به سياسة الصومال اليوم، وما نجم عنه من مضاعفات أثرت في وضعها بالنسبة إلى علاقاتها بالدول الأخرى. ومهما اختلفت الآراء في الوحدة الصومالية، فإن تاريخ الصومال يجب أن يبقى قصة أمة تبحث عن أجزاء مبعثرة لهوية معروفة، وحكاية بلد واحد قاسى الأمرّين تحت ثلاثة أنواع من الاستعمار.
والصومال برغم أرضه الفسيحة (270 ألف ميل مربع) فإن عدد سكانه لا يتجاوز الأربعة ملايين نسمة. وبرغم أن الصوماليين يشكلون أكبر عرق في إفريقيا، فإنهم ليسوا بالأمة الكبيرة. لكنهم موزعون بين الجمهورية الصومالية نفسها (حوالي مليونين ونصف مليون نسمة) والشمال في الصومال الفرنسي (84 ألف نسمة) وفي إثيوبيا، حيث يعيش أكثرهم في منطقة هرار ومنطقة سيدامو (حوالي مليون نسمة)، وفي الشمال الشرقي في كينيا (حوالي 200 ألف نسمة). إلى جانب آلاف الصوماليين في بقاع الأرض، من الخليج العربي حتى الشواطئ الأوروبية في مرسيليا ونابولي ولندن وكارديف. وهناك جاليات صومالية كبيرة في مدن إفريقيا الهامة، يتعاطون التجارة. وفي عدن وحدها كان 20 ألف صومالي قبل الاستقلال وبعده في بداية الهجرة الأخيرة.
والصوماليون من العرق الحامي، القريب من جيرانهم الإثيوبيين، وخاصة سكان وقبائل عفار (أو الدناقل) الذين يشاركونهم في الصومال الفرنسي. وبرغم تباينات كبيرة في مظاهرهم الجسمانية وألوان بشرتهم، بين السمرة العادية والزنوجة، فإن ما يصفع العين عند رؤيتهم، هو البنية النحيلة الطويلة والرؤوس الرفيعة. ولعل القول المتداول ان الصوماليين هم «أكثر عرق في العالم وسامة» صحيح إلى حد بعيد. فنساؤهم جميلات بالقوامات الرشيقة وعيونهن الكبيرة الواسعة كعيون الغزلان، والبشرة اللامعة. وهن على غير عادة المسلمات، لسن محجبات، ويعملن في جميع المهن من مفتشات جمارك على المطار حتى خادمات في المقاهي. والصوماليون فخورون ببعض ملامحهم العربية، وقسم منهم يرد أصله إلى أسر عريقة هاجرت من الجزيرة العربية أو المشرق العربي، ويرسم لك شجرة ضخمة قد تعود به إلى الرسول.
لغة صوتية
لذلك فإن اللغة الصومالية تحتوي على نسبة كبيرة من المفردات العربية، كما أن العربية هي اللغة الثانية المحكية في الصومال. والصوماليون كبرج بابل (أو كسويسرا كما يحبون أن يشبهوا أنفسهم) يتكلمون أربع لغات. فالجنوب (الصومال الإيطالي) يتكلم الإيطالية. والشمال (الصومال البريطاني) الإنجليزية. والشمال الشرقي (الصومال الفرنسي) الفرنسية. مع الأمهرية التي يتكلمها الصوماليون من سكان هرار وإريتريا التابعين لإثيوبيا. وتتميز العربية بأنها اللغة المشتركة (لينغوا فرنكا) لدى كل الصوماليين أو اللغة الثانية بعد الصومالية، إذ يفهمها ويقرأها عدد كبير منهم.
واللغة الصومالية غير مكتوبة. إنها صوتية ذات تراث من الأدب الشفهي ما زال محفوظاً عن طريق الرواة يتناقلونه جيلاً خلف جيل.
وبعد الاستقلال بدأت الحكومة تعد مشروعاً لكتابتها، إلا أن مساعيها فشلت منذ عام 1960. والسبب انقسام الآراء الى ثلاث فئات. الفئة الأولى: وهي الحكومة، يساندها في ذلك الأحزاب والمثقفون والمتعلمون، تريد أن تكتب اللغة الصومالية بالأحرف اللاتينية، لتقريبها من روح العصر وتسهيل تعليمها. الفئة الثانية: وهي رجال الدين ومن التف حولهم من المؤمنين، تريدها بالأحرف العربية، حفاظاً على التراث الإسلامي وتأكيداً لارتباطها بالعرب والإسلام. والفئة الثالثة: وهي الصوماليون المتعصبون لصوماليتهم وقوميتهم ومميزاتهم الخاصة كشعب أفريقي مسلم، تريدها بأحرف خاصة بها، شبيهة بالأحرف التي تكتب بها اللغة الأمهرية، التي هي لغة الإثيوبيين المسيحيين. ومن أطرف الخلافات اللغوية، هو التفسير الذي برر به رجال الدين رفضهم للحرف اللاتيني، والذي مؤداه أن كلمة «لاتيني» تعني بالصومالية أيضاً «لا ديني». أما اللغة الرسمية للدولة فهي الإيطالية في الدرجة الأولى، ثم الإنجليزية. وإذا كنت لا تجيد إحدى هاتين فمن الممكن استعمال العربية، شرط ترجمتها فيما بعد إلى الإيطالية أو الإنجليزية. إلا أن الإيطالية طفقت تتراجع أمام اللغة الإنجليزية كلغة أساسية، كما بدأ مستوى تعليم العربية يرتفع من مستوى الكُتّاب وحفظ القرآن إلى مستوى التعليم الحديث.
ومن هنا نعود إلى الشعر، أساس الثقافة وعمادها عند الصوماليين. فالكل يرويه، والأغلب ينظمه. وهو دائماً من النوع الملحمي، الذي يقصّ حادثة بطولة قديمة في التاريخ الصومالي. أو من النوع القصصي الشخصي، الذي يحتوي على المديح والهجاء إلى أقصى الحدود. أو من شعر المناسبات، أكانت ولادة أم زواجاً أم ترشيحاً لانتخابات ما. وقد زاد الراديو في السنوات الأخيرة من انتشار الشعر، على عكس بلدان كثيرة، منها لبنان والدول العربية. وغالباً ما يكون الشاعر صوت الحزب أو القبيلة، أو الناطق باسم الحكومة. ويقال في مقديشو، ان من أسباب فوز الحزب الحاكم في الانتخابات الأخيرة للسنة الفائتة، أن الحزب كان يضم عدداً كبيراً من الشعراء.
ويعيش في الصومال عدد من الجاليات الآسيوية، أهمها العرب الذين استوطنوا الشواطئ منذ مئات السنين، وعاشوا جيلاً وراء جيل في مقديشو في الجنوب أو هارغيسا في الشمال. واليمنيون أنشط العرب وأعرقهم ومن أغنى تجارهم، وهم في معظمهم تجار أو أصحاب حرف كالخياطة أو البناء أو بناء السفن. ومع العرب عدد من الباكستانيين والهنود والإيرانيين. أما الأوروبيون، وأكثرهم إيطاليون وفرنسيون، فلا يتجاوز عددهم 4 آلاف في الجمهورية و3 آلاف في الصومال الفرنسي. وعدد من الإيطاليين الذين يعيشون بصفة دائمة في الصومال، ويملكون مزارع الموز والفاكهة والأبقار والدواجن.
والصومال شعب من البدو الرحل. فالصومالي ينتقل بقطيعه من مكان إلى مكان بحثاً عن الماء والكلأ. وإذا كان الحصان هو حيوان «الوجاهة» بلا منازع، فإن الجمل الحيوان الأكثر أهمية والأثمن في ممتلكات أي صومالي. إنه يربيه من أجل حليبه ولحمه وكوسيلة من وسائل مواصلاته. ولا يركبه أبداً، إلا إذا كان مريضاً أو مسنّاً. إنما يحمل عليه حصاده وعشبه وخيمته وبعضاً من حاجاته. ويصنع من جلده أحذيته أو أغطيته ليحمي قدميه أو جسمه من حرّ المسيرة الطويلة. لكن قيمة الجمل ليست في هذا وحسب. إذ برغم أن الصومالي يستعمل المال والعملة من ورق وفضة كوسيلة للتبادل التجاري، يظل عدد الجمال ونوعيتها عنده هما ثروته الحقيقية، مصدر وجاهته الدائمة. ومن هنا ملامح «البداوة» في الشخصية الصومالية. فالمهر في الزواج لا يدفع إلا بعدد معين من الجمال يتناسب مع ثروة العريس ومكانته. ولا ينقص مهر المرأة ذات المكانة عن خمسين جملاً. والفارق بين حياة الرجل والمرأة يظهر بعدد الجمال المخصصة لكل منهما إذا قتلا. فدية القتيل لا تنقص عن مئة جمل، بينما لا تتجاوز دية القتيلة نصف هذا العدد. وأي نوع من التعويض المادي يحسب بالجمال. أما الغنم والماعز، حتى البقر، فنوع من «الفراطة» ولا تعامُل به إلا في المسائل الثانوية. لذلك ينصبّ اهتمام الرجل على الجمال ويبقى للمرأة أمر الاعتناء بالماعز والغنم والماشية الصغيرة الأخرى.
ولكل قبيلة صومالية زعيم أو قائد يسمى «السلطان»، من غير أن يكون لهذا الاسم السلطة والمقام اللذان للسلطان الحقيقي. فالسلطان هو كبير القوم في القبيلة. أما الاسم فمن بقايا الإمبراطوريات الإسلامية وللتيمن بها. وأكثر هؤلاء السلاطين ينتخبون انتخاباً على يد القبيلة كلها، حتى الذي يتولى المنصب وراثياً يخضع لموافقة شيوخ القبيلة. وعملية اتخاذ القرارات، ديمقراطية إلى حدّ الفوضى، لأن أي قرار بشأن اختيار المراعي أو الحرب ضد قبيلة أخرى، يجب أن يخضع لتصويت القبيلة جمعاء. والقرابة بين القبائل، أكانت عن طريق الوراثة أم عن طريق الزواج، تلعب دوراً أساسياً في الولاء السياسي. والولاءات العائلية هي الأساس في الانتماء السياسي، وعلى قدر قيمة هذه القرابات وأهميتها، تكون درجة الرجل ومكانته الاجتماعية.
يبقى انفتاح الصوماليين على العالم الخارجي أمراً لافتاً، بل مثيراً. ولعل هذا التلهف لمعرفة ما يحدث خارج حدودهم، يفسّر انفتاحهم عبر تاريخهم كله على القادمين إليهم من الشواطئ البعيدة. وهم بطبيعتهم وتقاليدهم شعب مضياف. واحتكاكهم الطويل بموجات الوافدين من إيطاليين وفرنسيين وبريطانيين ومصريين، إلى جانب العرب من اليمن وحضرموت والخليج، بثّ فيهم هذا «الهم» الدائم، علماً بأن الإسلام عزز ارتباطهم بالعرب، وزاد من همومهم وشرع لهم نوافذ جديدة يتطلعون منها إلى ما وراء إفريقيا ، لذلك فإن ما يشغل بالهم اليوم هو مصير فلسطين. أما شغلهم الآخر، فإيطاليا وما يدور فيها. إذ تهمهم السياسة الإيطالية مثل العربية. ولعل العلاقات الصومالية ـ الإيطالية من أطرف ما بين دولة مستعمرة قديمة، ودولة عانت من استعمارها واستقلت. والإيطاليون هم العنصر الأوروبي المنتشر والمسيطر في الصومال، تراهم في الخدمات العامة والمزارع والمطاعم والفنادق. والحكومة الإيطالية تدفع سنوياً العجز الدائم في موازنة الصومال، وتوفر لها المساعدات الثقافية والتقنية. حتى إن الصوماليين يوزعون الولاء بين الأحزاب الإيطالية. والحزب الشيوعي الصومالي، «اتحاد الشعب»، ذو صلة وثيقة بالحزب الشيوعي الإيطالي. وكانت زيارة وزير الخارجية الإيطالي أمنتوري فنفاني في فبراير عام 1968، مناسبة للصومال لإظهار عواطفه الإيطالية. وهو أول مسؤول إيطالي زار البلاد منذ الاستقلال. كما أن في مقديشو كلية جامعية تابعة لجامعة روما، تدرّس فيها مادتا الحقوق والاقتصاد فقط، إذ ليس في جميع الصومال كليات للطب أو للهندسة أو للعلوم.
نفحات إسلامية
التاريخ الصومالي عابق بنفح الروائح الإسلامية. فبطل الثورة الصومالية الكبرى، ثورة الدراويش من عام 1900 إلى عام 1920، هو السيد محمد عبد الحسن، شيخ الطريقة الصالحية إحدى الطرق الصوفية في الإسلام، والتي أتى بها من الشيخ محمد صالح في مكة، عندما قام بزيارة للحجاز عام 1890 . وعبر الطريقة الصالحية، اتخذ الشيخ محمد عبد الحسن منبراً لبداية فكرة النضال ضد الأجانب «الكفار». وقد ظلّ عشرين سنة يقاوم البريطانيين والإيطاليين حتى موته عام 1920 إثر مرض مفاجئ. وكانت «القادرية» التي جاء بها الشيخ عبد القادر الجيلاني من العراق، هي المذهب الإسلامي المهيمن، حتى جاءت «الصالحية» تنافسها في دعوتها إلى المزيد من الطهر والتقشف والامتناع عن الملذات. وكانت «الصالحية» وراء حركة قامت بها لتحريم «القات» ومنعه في الصومال. ثم إن الحروب التي شنّها الصومال المسلم على الحبشة المسيحية، كانت من بقايا الزخم الديني الذي أتاها مع الفتوحات الإسلامية.
ومع كون مقديشو معقلاً إسلامياً واضح المعالم (برغم الكاتدرائية الكاثوليكية التي بناها الإيطاليون أيام الفاشستية الموسولينية عام 1930)، فإن هناك مدناً أخرى تمتد على الشاطئ الذي هو ثاني أطول شاطئ في إفريقيا كلها، منها كيسمايو وبرافا وميركا وورشيخ، وهي أسماء عرفها البحارة منذ عرفوا تلك البحار. وفي الشمال مدينة زيلا، البلد الإسلامي الأهم في الصومال، والذي كتب عنه الرحالة العربي ابن بطوطة لما زاره في القرن الرابع عشر. وما زالت آثار زيلا الإسلامية العريقة قائمة. وفي الداخل تقف هرغيسا (عاصمة الصومال البريطاني السابق) كأحدث ما تكون المدن التي شيّدها عصر الاستعمار. ومن هذه المدن خرج أشخاص التاريخ الصومالي المضطرب إلى رحاب «أرض العطر والبخور» كما سماها قدماء المصريين. ولعل أهمهم الشيخ محمد عبد الحسن، أو «الملا المجنون» كما سماه أعداؤه، والذي أصبح اليوم ولياً من أولياء اللّه الصالحين في الصومال وبطلاً. وأحمد غوري، الملقب «العسراوي» والذي عرفه العرب والبرتغاليون والأحباش بهذا الاسم، لأنه كان أعسر يستعمل يده اليسرى، والذي احتل في القرن السادس عشر مساحات شاسعة من شمال شرق إفريقيا. كما تروي القصص والأساطير والعديد من القصائد عن الزعيم الصومالي ويل - وال (أي الولد المجنون) الذي كان لسانه وشعره، إلى جانب لسان زوجته، أشهر من سيفه.
والخصب علامة في تاريخ الصومال قديمه وحديثه، كما هو علامة أرضها وحيواناتها. إنه ينفتح على العيون بأحلى ألوانه، كلما توغل الزائر في البلاد أو في حكاياتها أو في شعرها. وفي أيام الكسل التي مرت عليَّ في مقديشو، كانت في كل حجر، كما في كل وجه أسمر يتطلع إليَّ، دعوة للبحث والتقصي، في أغوار ذلك البلد الباقي من بقايا الكتب الصفراء، والمطل بلا أحرف، على القرن العشرين بلباسٍ نصفه عربي ونصفه أفريقي، بتطريز وأزرار إيطالية. وكم تمنيت لو أن الحكومة اتفقت على الحرف الذي تريد أن تكتب به اللغة، إذن لحملت معي أحلى الشعر، وتركت ورائي كل عطر إفريقيا وسحرها وأشجانها.
في مقديشو يرجع التاريخ إلى الوراء من غير أن يفقد حسّه بالزمن أو بالساعة أو باليوم.
على الأقل هكذا قالت القصيدة التي ودّعني بها صديقي الصومالي، رفيق الرحلة المتعبة التي حملتنا معاً من قلق عدن، إلى رحابة الغابات الخضراء والشواطئ الصافية. لكنها رحلة لم تعطنا متعة الراحة إذ نحن لسنا محاربين لنرتاح بل شهود مزمنون على إجهاض الآمال في كل ثورة جديدة.

