على قدم وساق تنفذ حاليا بحوث في عدد من المراكز والمعامل العلمية الرائدة على مستوى العالم في صناعة الغذاء من أجل تغيير نوعية الوجبات التي نتناولها، وذلك عن طريق الاستفادة من التقدم الحاصل في تقنيات التصغير ،التي تعرف علميا باسم «النانوتكنولوجي». وهذه البحوث الجديدة تقوم على أساس تغيير المذاق والقيمة الغذائية لبعض الأطعمة وتصغير حجمها بحيث لا تمر بالجهاز الهضمي للجسم ويجري امتصاصها مباشرة في مجرى الدم. غير أن الأمر لا يخلو من تخوف البعض من بعض التأثيرات السلبية التي قد يخلفها التلاعب في محتوى الأطعمة عن طريق تقنيات التصغير.

وتتعرض مجلة «فوكس» البريطانية لهذا الموضوع في عددها الأخير وتبين في بداية الحديث عنه أن شركات الأغذية العالمية حتى الآن متكتمة حول الأمر ولا تريد الإفصاح عن أي شيء قد يغضب عملاءها منها، لاسيما في ضوء ما حدث من بلبلة في قضية الأغذية المعدلة وراثيا وما قيل عن تأثيراتها السلبية في صحة الإنسان. الموضوع برمته كما توضح المجلة يقوم على ما أطلق عليها «الأغذية المتناهية الصغر»، نسبة إلى التقنية المتناهية الصغر التي من المفترض أنها ستستخدم في تغيير شكل وبنية ولون وطعم الأغذية المستقبلية وذلك عن طريق تغيير الطريقة التي ستُزرع وتحفظ وتُصنّع بها الأغذية.

الأمر كما تصفه المجلة قد يبدو خياليا أن يستطيع المرء على سبيل المثال تناول طبق من البطاطا مليء بالفيتامينات أو شرب كوب من العصير مزود بجزيئات متناهية الدقة من مادة الكافيين. غير أن الواقع يفيد أن هناك أطرافا آخذة في العمل على المستوى البحثي بالفعل كي تصل إلى ما نراه نحن اليوم باعتباره لا يتعدى الخيال العلمي.

تشير المجلة إلى أن شركة كرافت فودز للأغذية منخرطة في بحوث من شأنها أن تجعل مما أُطلق عليه «الأغذية المتناهية الصغر» حقيقة واقعة وأن يستطيع المرء تناول «وجبة متناهية الصغر» تمده بما يلزم جسمه من فيتامينات ونشاط وقوة. وتؤكد المجلة أن كرافت فودز ليست وحدها في هذا المجال، وليست هي وحدها التي تنفق حاليا ملايين الدولارات في مجال قد يراه البعض خيالا لا يصلح للتطبيق إلا في أفلام الخيال العلمي، التي تمتلئ بها شاشات العالم. وعلى الرغم من ذلك فإن أيا من مسؤولي الشركة حتى الآن لا يريد أن يعترف بما يجري من بحوث حول تلك التطورات الغذائية الخيالية، والسبب كما توضح المجلة هو شبح ما حدث في الأغذية المعدلة وراثيا، الذي يطارد صناعة الأغذية في العالم، ويصيب غالبية الشركات بحالة من الذعر من إمكانية فقدان نسبة كبيرة من مستهلكيها.

في جامعة فاجينينجن الهولندية يوجد مركز بايو إن تي، وهو أحد أكبر مراكز التقنية الحيوية في العالم الاختصاصية في الابتكارات الغذائية. يقول مدير المعهد فرانس كامبرز إن هناك بحوثا تجري بالفعل لتصنيع مشروبات مبرمجة بشكل معين وكذلك أغذية تحتوي على نسب قليلة من المواد المختلفة التي تعطي الجسم كل ما يحتاجه من جرعات كبيرة من الفيتامينات ومواد أخرى مثل الكافيين والأطعمة المختلفة، على أن يكون كل ذلك بكميات دقيقة للغاية. غير أن كامبرز يعترف بأن العمل لا يزال أمامه سنوات طويلة قبل أن يتحقق هذا الهدف الذي يراه البعض غامضا حتى الآن.

يقول كامبرز: «نحن نتصور أنه بالإمكان تصنيع جزيئات متناهية الصغر تحتوي على سبيل المثال على نكهتين مختلفتين على أن تتفتت تلك الجزيئات عندما تقابل أنزيمات معينة يفرزها فم الإنسان. هذه النكهات من المفترض أنها ستندمج معا وتُنشئ مذاقا جديدا مثيرا. هذا المذاق قد يكون طعما جديدا أو خليطا من مذاقين». ويغطي مصطلح «الأغذية المتناهية الصغر» كل التطورات الحاصلة في ميدان صناعة الأغذية الدقيقة، بما في ذلك من تطوير أجهزة استشعار دقيقة الحجم يتراوح حجمها بين 1 .0 و100 نانومتر (النانو متر يعادل واحد على مليار من المتر). مثل هذه الأجهزة من شأنها رصد كيفية تعليب الأغذية المتناهية الصغر.

كما يشمل المصطلح التقنيات التي يمكن استخدمها،على سبيل المثال،في جعل مذاق الأغذية أو المشروبات المنخفضة الدسم يبدو مثل مذاق الأغذية العادية الكاملة الدسم.

ولا شك أن هدف جعل الغذاء أكثر صحية وأكثر أمانا ليس بالأمر الجديد. فالعلماء يعكفون على تغيير والتحكم في النسل النباتي والحيواني من أجل تحسين الجودة والإنتاجية منذ أعوام طويلة.

بل أن تغيير خصائص الأغذية وتحويلها إلى أغذية دقيقة الحجم أمر ليس بالجديد هو الآخر. فطهي الغذاء نفسه يغير من جزئياته. كما أن هناك أغذية مزودة ببعض العناصر الغذائية الدقيقة الحجم موجودة في الأسواق في شكل كبسولات تحتوي على فيتامينات ومعادن تمر من الجهاز الهضمي حتى تصل إلى نقطة معينة في الجسم تتفاعل فيها مع جزيئات الكوليسترول على سبيل المثال، حتى تنجح في التغلب عليها وتدخل مجرى الدم. غير أن الأمر الجديد يتمثل في التقنية الخاصة بالتحكم فيما يجري من تغييرات داخل الجزيئات الغذائية بنسب دقيقة للغاية والتحكم وتغيير الخصائص الفيزيائية للمواد الغذائية.

ومن المعروف أنه على مستوى القياسيات الدقيقة مثل النانو متر، فإن الجزئيات تطيع قوانين الكيف وليس قوانين الكم الفيزيائية. فالمواد المركبة غير القابلة للذوبان في الماء أو الزيت يمكن إذابتها إذا كانت بتلك المقاييس الخاصة. وكذلك فإن المواد التي تتفتت في المعدة يمكن الاحتفاظ بها غير مفككة حتى تصل إلى الأمعاء حيث يجري امتصاصها داخل مجرى الدم مباشرة.

يقول كامبرز إن هذا النوع من التقنية سيغدو معروفا وشائعا خلال الأعوام الخمسة المقبلة، مضيفا أن أكثرها شيوعا سيكون ما يعرف باسم : «التغليف النانوي».

هذه التقنية تعني أن يصبح في الإمكان امتصاص المواد الغذائية مباشرة داخل مجرى الدم من دون الحاجة إلى تفتيتها داخل الجسم عن طريق إنزيمات الفم أو حتى عن طريق تعريضها لإعداد معين في المصنع أو داخل المطبخ. وتعني أيضا منع المواد الغذائية من المرور داخل الجهاز الهضمي للجسم ومن ثم عدم تعرضها للخروج في هيئة بول أو براز،و هو ما يعرف بإنشاء حويصلات غذائية. وفيما يتعلق بالمواد الغذائية ذات الطعم غير الجيد، مثل زيوت السمك، فإن وضعها داخل تلك الحويصلات يعني أنه يمكن وضعها في الأطعمة من دون أن تؤثر على المذاق العام للوجبة.

غير أن حقيقة أن تلك الجزئيات المتناهية الصغر ستسري في الجسم من دون المرور داخل الجهاز الهضمي هو أمر أثار حفيظة بعض العلماء الذين يرون أن تأثير مثل تلك الأجسام على الجسم غير معلوم حتى الآن وحقيقة أنها لن تمر بالجهاز الهضمي يزيد من المخاوف المرتبطة بخطورتها.

ويعترف كامبرز بأن الأمر لا يخلو من الخطورة، ويقول إنه لهذا السبب فإن شركته لا تحاول أن تستخدم أي جزيئات غذائية متناهية الصغر من دون أن تكون موجودة بشكل طبيعي داخل جسم الإنسان.

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن دراسة أعدتها شركة هيلموت كايزر للاستشارات الغذائية العام الماضي توقعت أن يرتفع حجم سوق الأغذية الدقيقة الحجم من 6 .2 مليار دولار في 2005 إلى 4 .20 مليار في 2010، الأمر الذي لا تستبعد معه إمكانية أن تنجح شركة مثل كرافت في غضون سنوات قليلة في التوصل إلى مشروب يمكن برمجته آليا للحصول على قيمة غذائية عالية من خلال مواد غذائية دقيقة الحجم أو «نانوية».

إعداد: حاتم حسين