ينتقل بنا الريس في هذه الحلقة من الكتاب من آسيا الوسطى إلى القارة السمراء، حيث يأخذنا في رحلة عبر تاريخ مراكش في المغرب، الذي يمثل بشكل أو بآخر عصر النهضة العربية والإسلامية، الذي اهتم بالعلوم والثقافة والفنون، فكانت تلك المدينة منارة وقبلة للعلماء وطلاب العلم من مختلف بلدان العالم في ذلك الوقت. ولا تزال آثار أمجاد تلك المدينة شامخة حتى عصرنا هذا وإن كانت نوائب الدهر قد أتت على جانب كبير منها.
ومن مراكش، يأخذنا المؤلف معه في رحلة إلى منطقة القرن الإفريقي، وبالذات إلى إثيوبيا، سقف إفريقيا، حيث نتعرف على العاصمة أديس أبابا حديثة النشأة، وعلى تأثير الجاليات العربية فيها، ثم يعرفنا على أسمرة قبل أن تصبح عاصمة إريتريا، حيث يحدثنا عن مدى التأثير الذي تركه الإيطاليون على فن العمارة في هذه المدينة. - المغرب: مراكش - الزمان: أبريل 1986 - ماذا يفعل صحافي عربي مثلي، شوّهته الكتابة السياسية سنوات عجافاً طويلة، وأثقلته متابعة الأخبار، واستعصى عليه فهم أحداث أمته وأضناه تحليلها، وتاه في تناقض مواقف سياسييها، أمام مشهد ثقافي حضاري وفني لا يتكرر إلّا مرة كل عدة سنوات؟ قد يتذكر أنه شاعر سابق، وأنه هاوٍ للفنون الجميلة وجامع متواضع للوحات عدد من رسامي بلاده، وأن له كتاباً في النقد. ويتذكر أكثر، وإن كان قارئاً مقلاًّ هذه الأيام للأدب والشعر والقصة، أنه يريد أن يستعيد هويته الثقافية بانتصار الحيوان الثقافي على الحيوان السياسي في داخله. ويدرك بأن هذا الصراع لن يكون بالأمر السهل لولا أن المدخل إلى الحلبة واحد: هواية التاريخ.
واستحوذ عليه التاريخ، وهو في مراكش وألحت عليه مجموعة من الأسئلة عن البُنى المشيّدة في دنيا الإسلام الواسعة وهو يتطلع حوله في مراكش، تلك الواحة على سفوح جبال الأطلسي وعلى حدود الصحراء، بحثاً عن الثقافة المعمارية العربية وقد شوّهتها سياسة التحديث، وإن امتلأ قلبه فخراً بالأعمال التي ورثها العرب والمسلمون عن ماضيهم. لم تكن مراكش المدينة، عند بدء التاريخ سوى مكان غير مضياف لتقاطع طرق القوافل الذاهبة إلى الجنوب. لكن رواة التاريخ يقولون ـ وهم عادة أصدق من محترفي التاريخ وعلمائه ـ إنه في يوم من الأيام جاءت قبيلة من الجانب الآخر من جبال الأطلس تحمل التمور. وحاصرت هذه القبيلة ذلك المكان غير المضياف إلى أن أكلت القبيلة التمور التي حملتها. واستمرت تلك القبيلة في الحصار إلى أن نبتت نوى التمر التي سقطت على الأرض وأصبحت غابات النخل التي نراها اليوم. في حوالي ذلك الزمان جاء رجل اسمه أبو بكر، كان زعيماً لقبيلة المرابطين وأحد شيوخ الصحراء (المغربية) وأقام في ذلك المكان. لكن إقامته لم تطل هناك، حيث اضطر إلى العودة إلى الصحراء لقمع إحدى الفتن، تاركاً ابن عمه يوسف بن تاشفين مكانه. وفي عام 1062 قرر يوسف بن تاشفين أن يبني مدينة في المكان الذي تركه فيه عمه.
وتقول الأسطورة إن يوسفاً بنى المدينة بيديه وإنه هو الذي صمّم نظام القطارة، وهي الأقنية الشهيرة تحت الأرض التي تربط بين الآبار وبيوت المدينة وحدائقها، وإنه هو الذي أبدع نظام الري الذي كان سبباً في شهرة بساتين المدينة بنخيلها وحمضياتها عبر التاريخ. وهكذا ولدت مراكش ـ المدينة. وكان يوسف بن تاشفين رجلاً فاضلاً متقشفاً. لذلك لم يتردد في أن يلبي نداء أمراء الأندلس عندما استعانوا به بعد سقوط طليطلة. فحزم أمره وقاد جماعته وعبر بهم مضيق جبل طارق إلى إسبانيا، ليدرأ هزيمة طليطلة العربية. وحقق يوسف الانتصار تلو الانتصار على الإسبان، وحوّل مراكش، بعد أقل من 40 سنة من إنشائها، إلى عاصمة لإمبراطورية متنامية الأطراف، تمتد من كتالونيا الإسبانية إلى المحيط الأطلسي، ومن الجزائر إلى حدود جبال السودان، عرفت بدولة المرابطين.
ومات يوسف، ولم يعد عمه أبو بكر من الصحراء. فورثه ابنه علي بن تاشفين الذي انصرف إلى إتمام بناء مدينة مراكش. فكان أول من أقام الأسوار الواقية حول المدينة، وكل متاريس تلك الحقبة. لكن دولة المرابطين لم تعمر طويلاً. ففي عام 1147، جاء الموحدون، وكانوا جماعة إصلاحية دينية، واحتلوا مراكش. وأمر زعيم الموحدين الروحي، ابن تومرت، بتدمير المدينة عن بكرة أبيها ومحو آثار أسلافهم. لكن عبد المؤمن أول أمير للموحدين، أمر بإعادة بناء مراكش على الطراز الأموي، كما عرف الأندلس، بحدائقه وبركه وصحونه، وكما يبدو واضحاً في المنارة اليوم. ولما جاء ابنه يوسف إلى الحكم، بنى المدرسة، وهي أهم كلية علمية من نوعها أقيمت في دولة الموحدين. وفي عهد يعقوب المنصور أهم أمراء الموحّدين، والذي لقب بالمنصور لانتصاراته العسكرية في الأندلس، وسّع من بناء مراكش وحسّن من أسواقها وحدائقها وأسوارها، وأتمَّ بناء أهم منجزاته وهو جامع الكُتيبة. وفي عصر دولة الموحّدين وعهد يعقوب المنصور أصبحت مراكش قبلة للفكر والثقافة والعلم. وامتلأ بلاط يعقوب بالشعراء والعلماء والفلاسفة الذين كان من أشهرهم الفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد.
بداية الانحدار
كما يحدث عادة في التاريخ، فإنه ما إن تصل الدولة إلى قمة أمجادها، حتى تبدأ بالانحدار. ففي عام 1262، انهارت دولة الموحّدين تحت وطأة الأدارسة الذين كانوا يحكمون فاس لأكثر من نصف قرن. لكن الأدارسة بقوا في فاس. ولم تعد مراكش إلى أوجها إلا عام 1520، عندما وصلها السعديون، وهم من أشراف الجزيرة العربية، وبقيام الدولة السعدية عادت أمجاد العرب إلى مراكش ومعها حياة ألف ليلة وليلة.
وازدهرت مراكش في ذلك العصر أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً في عهد أحمد المنصور الذهبي بطل معركة الملوك الثلاثة بين المغاربة والبرتغاليين وفاتح الصحراء، الذي بنى قصر الباري، ليبقى على مرّ القرون علامة فارقة على تراثه.
وحرّر التاريخ عصراً للانحطاط في مراكش، ولم يبق سوى قبور ودواسر لأمراء، وأطلال أكل الدهر عليها وشرب، شاهداً على زمانهم الذي ولّى وانقضى. إلى أن جاءت الأسرة العلوية من مكناس بزعامة مولاي إسماعيل لتشيّد دولتها. وانتظرت مراكش حتى عام 1873 لتستعيد عظمتها في عهد مولاي حسن (الحسن الأول) الذي أعلن نفسه ملكاً على بلاد المغرب الأقصى، والتي كانت تعرف في حينه باسم مراكش.
أمام تاريخ مراكش المقتضب هذا، وقفت أحدّق في أسواقها وعماراتها وأنا أتساءل عن تلك الصلة التي تربط مدن الحضارة الإسلامية بتعاليم الماضي العظيمة وبالمنجزات الثقافية النموذجية التي حققها. وإذا بالإسلام، هذا المذهب الإنساني المتفتح الذي يتخذ من التسامح والتحرير شعاراً له، كان ذلك الإلهام الروحي الذي هو سمة من سمات تراثنا المشترك. وتأملت طويلاً هذا التراث، الذي عرف في كل مكان، ولا يزال يعرف، فترات ركود تاريخية طويلة، كيف يقاوم محاولات شتى لتدميره أو إلغائه أو نسيانه.
إن مراكش تعيدك إلى مجرى التاريخ، الذي واصل السير منذ القرن السابع عشر على الأقل بدون مشاركتنا عرباً أو مسلمين فيه، فتشعر كم أوهنت الضربات التي جاءت من الخارج هذا التراث الجميل العريق، وكم شوّهته ومزّقت أوصاله. وتكتشف كم ابتعد الإسلام اليوم عن فتوحاته الإنسانية ونأى عن ثقافته، فبعدت الشقة بينه وبين العالم المعاصر.
فبدل الانغلاق في مفهوم جامد، كما هي حال ثقافتنا اليوم، كان علينا ترك باب التفكير والتأمل مفتوحاً في ما يمثله التراث الإسلامي ومن ضمنه طابع العمارة الإسلامية وما تمثله الحداثة، وهنا كان من الممكن أن يصبح مصيرنا على أفضل مما هو عليه، فليس كل ما في التراث قديماً أو عفا عليه الزمن، وليس ـ بالطبع ـ كل ما في الحداثة بشيراً بالتقدم أو بمزيد من الكفاءة.
سؤال صعب
لما كانت مراكش تضج بحديث العمارة الإسلامية فقد طُرح السؤال الصعب، الذي حاول أكثر من مئة مهندس معمار من مختلف المشارب الفنية والخلفيات الثقافية والأقطار الشرقية والغربية أن يجيب عنه، وكل بطريقته: كيف تضفي المكانة التعبيرية على منجزات التراث المعماري الإسلامي العظيمة مع احترام أساليبها التعبيرية الإقليمية والدور الحقيقي الذي أدّاه الإسلام في إلهام تصميمها، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الاستفادة من أساليب التصميم الحديثة ومن تقنيات التنفيذ التي تتيح تلبية احتياجات مجتمعاتنا الجديدة وتنوعها؟
بل كيف تتجنب خطرين لا يزالان يتهددان المعمار: أولهما تحديث يستورد من الخارج ويقحم دون تمييز على مجتمعات إسلامية، والثاني، وهو نقيض الأول، نزعة تقليدية تتمثل في إقحام أشكال ومواد وعناصر مستقاة من آثار تقليدية على مبانٍ عامة أو خاصة بقصد إضفاء طراز أو طابع عام يوصف بأنه إسلامي؟
لم يستطع معماريو العالم أن يجيبوا عن هذا السؤال الصعب، لأن الإجابة عنه لا تكمن في مشروع واحد أو في محاولة ما أو حتى عدة محاولات. إن الإجابة هي جزء من مسار التاريخ السياسي والحضاري للشعوب، وهو مسار أجيال. والإجابة أيضاً هي رهن بأن يستوعب المعمار على مرّ الزمان الثراء الثقافي والطفرة الإبداعية، بقدر ما عليه أن يستوعب أحلام المجتمع ذاتها لكي يغدو هو ذاته قوة دمج للزمان والمكان الذي يجري فيه الاحتكاك المتبادل بين البشر.
إن الفكر الإنساني المعاصر اليوم، والثقافة الإسلامية بمفهومها العريض، تحتاج إلى المشاركة بإيجابية في مغامرة التحديث الجارية. كما كانت تفعل دائماً خلال عصور الازدهار، عندما كانت تملك طاقة روحية متجددة لا تساوم في الجماليات ولا تخاف من عبقرية الإبداع ولا من طموحات العباقرة.
لا بد من حمل هذا التحدي إلى العالم الثالث. إلا أن الأهم من ذلك الوقوف في وجه ظاهرة الاجتثاث الثقافي. وذلك يتطلب الوصول إلى حالة، تكررت كثيراً في تاريخ الإسلام الثقافي، مؤداها أن أي ثقافة تبلغ مستوى كفاءتها وإشعاعها وإخصابها الأمثل وسط أولئك الذين يعيشونها وينتجونها عندما تلتقي جميع الأنشطة التي تؤلفها وتتضافر في سبيل تحقيقها.
إن هذا التحدي المطروح في العمارة يتطلب فتح باب الاجتهاد على مصراعيه. الاجتهاد في التحليل والدرس والفهم والتفسير بهدف تزويد الفكر الإسلامي المعاصر بكل الوسائل التي تتيح له الوقوف بموضوعية على ماضيه، والمشاركة على نحو إيجابي في مغامرة التحديث الجارية.
لكن هذه المغامرة غير ممكنة ما لم نتجاوز الأوضاع القائمة في العالم الثالث اليوم (وفي المجتمعات الإسلامية بالذات)، فنثري، في جو مطلق من الحرية، وعلى غرار ما حفل به الإسلام في الماضي، البحوث والمنجزات التي يجري تحقيقها في أعظم البلاد تقدماً. عندئذٍ قد نلحق بركب الزمن وبحضارة العصر، أو نبقى محكومين بأبدية التخلف. والخيار يكمن فقط في حرية الاجتهاد.
في مراكش شعرت بأنني كنت قريباً من هذه الحرية. فما أحلى الرجوع إلى متاهات التاريخ، وإن أنكره أصحابه ثلاثاً كل يوم وقبل صياح الديك!
القرن الأفريقي: إثيوبيا
الزمان: أكتوبر 1966
بين إثيوبيا والتاريخ حب. وأديس أبابا، وجه هذا التاريخ وحكاية هذا الحب، واليوم هي عاصمة أقدم إمبراطورية في عالم أصبحت الجمهوريات لا تعيش فيه أكثر من أشهر.
والذي يصل إلى أديس أبابا في السادسة صباحاً من يوم رائع من أيام أكتوبر، يتوقع أن يلفحه الحرّ الأفريقي، أو أن تكون ملكة سبأ في استقباله، أو حتى مندوب من بلاط الملك سليمان. ولكن لا بد أن يشعر بأن التاريخ خدعه. قد يكون كذلك، لكن الخدعة أن إثيوبيا غير أفريقيا، وأن تاريخ بلقيس وسليمان ما زال مستمراً.
بدت أديس أبابا تلك الساعة الباكرة، مدينة مغسولة بالندى، باردة، هادئة وجميلة. وبدا التاريخ لعابر السبيل مثلي نوعاً من البحث المضني. الوجوه التي تستقبلك ليست أفريقية بالمعنى المتعارف عليه. لا شيء من الزنوجة فيها. وجوه برونزية كأنها مدهونة بالبن. القامات طويلة ممشوقة. الأنوف إغريقية. العيون كبيرة في اتساع عيون الوعول الشاردة في الطرقات المحيطة بالعاصمة.
ودفق التاريخ قد صب في أديس أبابا، رغم أن عمرها اليوم لا يزيد على 75 سنة. فقد بناها الإمبراطور منليك الكبير ـ جد هيلاسيلاسي ـ لتكون جسراً بين القاهرة شمالاً وكيب تاون جنوباً، ولتحمل مجد الإمبراطورية كله. وأرادها منليك أن تكون أعلى من أية عاصمة أفريقية أخرى، فكانت على منحدرات هضاب »أنتوتو«، بالقرب من منابع المياه الساخنة التي كان اكتشافها السبب المباشر لاختيار موقعها. وكما أن إثيوبيا هي »تيبت« أفريقيا، أو سقف أفريقيا، أصبحت أديس أبابا أو الزهرة الجديدة باللغة الأمهرية، مدينة تعلو أي مدينة أفريقية.
وأصبحت أديس أبابا متحفاً للتاريخ الإثيوبي قديمه وحديثه. وكبرت، حتى بات كل ما فيها يصفعك بعراقته. وفي هذه العاصمة لا يبدو أحد في عجلة من أمره. فالتاريخ نفسه قد استراح سنين طويلة حتى كتب.
منذ ذكر هوميروس أن الآلهة اليونانية وقد تعبت من الخلافات بينها فوق جبل الأولمب وزارت إثيوبيا، قرر هيرودوتوس أن يدخلها التاريخ. وكرّ حبل العراقة من ألف سنة قبل المسيح، وجاء ذكرها في سفر أيوب، ودخلتها المسيحية بأعرق وأجمل أشكالها في أفريقيا، حتى أصبحت أقدم دولة أفريقية مستقلة في قارة كانت غارقة في الاستعمار.
ولعل رحلة العراقة قد بدأت عندما قررت بلقيس ملكة سبأ، التي كانت تحكم كل إثيوبيا وقرن أفريقيا عبر البحر الأحمر إلى جنوب الجزيرة العربية، أن تزور الملك سليمان في القدس، لتنهل من منابع حكمته. وأسفرت الزيارة عن ولد، هو منليك الأول، مؤسس الأسرة الإمبراطورية الحاكمة اليوم، وهيلاسيلاسي الأول، الملك الخامس والخمسون بعد المئتين منحدراً من ذاك اللقاء.
ودخلت المسيحية إثيوبيا عام 330، وكانت بذلك أعتق بلد مسيحي. ورغم اتساع الإمبراطورية الأولى وطرق التجارة التي كانت تمر فيها، انعزلت خلال العصور الوسطى، فكوّنت ثقافتها وديانتها وحدها. وتاريخها أكثره أساطير تبحث عن محقق، أكثر مما هو أحداث مكتوبة تبحث عن مدقق. وألقيت بنفسي في هذا الخضم كله، ورحت أبحث في أديس أبابا عن معالمه الصغيرة الملموسة.
أسد يهوذا
كان أول ما صفعني في المدينة حداثتها، لا قدمها. كل معالمها البارزة التي تقتحم حدود النظر حديثة. القصر الملكي الجديد الذي بني عام 1955 لمناسبة مرور ربع قرن على تولي هيلاسيلاسي العرش، وبعدما أهدى قصره القديم ليكون بناء لأول جامعة بما فيها أسود يهوذا ـ التي يراوح عمرها بين 4 أشهر و20 سنة ـ والتي تسرح في حديقة القصر الخلابة. و«أسد يهوذا» هو شعار الإمبراطورية. والنصب الحجري الرمزي له أمام مسرح هيلاسيلاسي وفي ساحة البنك المركزي، مثال آخر على الحداثة في أديس أبابا وعلى فن النحت الحديث.
ولا تفتخر أديس أبابا بشيء اليوم قدر افتخارها ب«قاعة أفريقيا»، هذا المبنى القائم على هضبة مقابل القصر الملكي. وقاعة أفريقيا، هي المركز الرئيسي لمنظمة الوحدة الأفريقية وأمانتها العامة. وفيها اجتمع رؤساء الدول الأفريقية عام 1963 عندما أسسوا المنظمة.
وهي في الوقت نفسه مركز هيئة الأمم المتحدة للمعونة الاقتصادية لأفريقيا. وقد أهدت الحكومة الإثيوبية البناء عند تشييده إلى الأمم المتحدة، ليكون رمزاً لطموح الشعوب الأفريقية الأمثل. وأهم ما يلفت النظر في قاعة أفريقيا، إلى جانب هندسة البناء الحديث جداً، هو الزجاج الملون الكبير الذي صمّمه ونفذه أكبر فنان إثيوبي معاصر هو أتوا فيورك ثكلي، والرسوم الزجاجية تمثل أفريقيا بماضيها وحاضرها ومستقبلها.
والأبنية المماثلة كثيرة في أديس أبابا. من مبنى الجامعة الجديد الذي قام إلى جانب القصر الملكي القديم، حتى نصب الشهداء أمام حديقة البلدية، حيث تعرض بقايا «أسود يهوذا» التي لم تعد تسعها حديقة القصر الملكي، إلى عشرات الأبنية التي تجعل منها هندسة القرن العشرين معالم بأهمية تلك التاريخية منها في العاصمة. ومن ساحة الشهداء، حيث يقف نصب حديث آخر على شكل مسلة مصرية، يعود التاريخ ليدخل ويتدخل في كل معالم المدينة.
التراث. التراث. التراث. كلمات تصرخ في أديس أبابا، المدينة المحاطة بالتلال والغيوم والصلبان. الكنائس تحيط بها من كل جانب والصلبان تحرسها عند كل زاوية. عند كل خطوة تصطدم برجل بالملابس التقليدية يلف حول كتفه «الشمة». وهي نوع من الشال الأبيض الطويل. ويحمل بيد صليباً من النحاس أو الخشب وفي الأخرى منشة للذباب. ويقف الناس في الشارع ليقبلوا الصليب الذي يحمله. ويقال إن نصف سكان إثيوبيا يعملون في خدمة الكنيسة بطريقة ما.
الكنيسة هي كل شيء. ماضي البلاد وتراثها هو ماضي الكنيسة وتراثها. وفي كل كنيسة في أديس أبابا قداس كل دقيقة. والقداس هناك يختلف عن قداس الكنيسة القبطية المصرية، فيه كثير من المظاهر الأفريقية كالغناء والطبول والرقص. ويبدو أن القديس جورج هو أقوى القديسين. فصورته وهو يقتل التنين رمز كبير يكاد ينافس أسد يهوذا. والقديس جورج ـ أو مار جريس عندنا ـ إثيوبي أسمر البشرة، والتنين دائماً أخضر. له كنيسة في أديس أبابا، أفخم الكنائس، وفيها تتم حفلات التتويج، كما أنها مركز الاحتفالات الدينية كلها.
وصور الإمبراطور مع صور القديسين معلقة جنباً إلى جنب في كل الكنائس. وإلى جانب صور المسيح والعذراء صور تخلد تاريخ إثيوبيا. وأكثر الفن، ديني مقدس رعته الكنيسة في الماضي، وترعاه اليوم. وهو بدائي، طفولي، وألوانه زاهية. لم يتطور أسلوباً ولا شكلاً من قبل ثكلي، الذي أدخل بعض الأنماط الحديثة إليه، وكسر القالب دون أن يخرج على الطابع. والفن الإثيوبي، متحرك، يروي لك حكاية، عبر أكثر من صورة واحدة. كل ما فيه يقطر عفوية وجمالاً.
وأديس أبابا قد تستنفدها كلها في يوم واحد، إلا الناس الذين فيها. الدماثة المصحوبة بالكبرياء. التهذيب والانحناءات المتواصلة التي لا بد من أن تحرك أوجاع الظهر وآلامه. الاستقبال المريح الذي يعدونه للسائح. الفيزا تمنح في المطار دون معاملات ولا تعقيدات. آه ما أحلى السياحة دون عقد!
والتاريخ ترك أيضاً ختمه على الناس في إثيوبيا، كما طبع كل شبر من أرضها بطابعه. المجتمع القبلي، والأنساب والعراقة جزء من المجد الشخصي هناك. «أولاد العيل» هم من لهم ماضٍ ولعائلاتهم أمجاد. لا عقد ولا مركبات نقص عند الإثيوبيين تجاه الغرباء. ربما لأنهم شعب لم يعرف الاستعمار إلا في تلك الفترة المجهضة التي لم تتجاوز الخمس سنوات من احتلال إيطاليا لبلادهم.
وفي أديس أبابا وضواحيها قلما ترى امرأة مترهلة. النساء نحيلات بصدور حجرية عالية. العيون واسعة تتحدى. الرموش كبيرة طويلة. والعيون، أجمل ما فيهن. أما لباسهن فهو أرجوحة ألوان. الأبيض هو الوطني والرسمي والمطرّز كله مع شال مرمي بخفر وعفوية حول الكتفين. لباس النساء جميل، جميل. فيه أنوثة، وفيه هدوء والكثير الكثير من الحياء.
حديث عن العرب
الحديث عن الناس في أديس أبابا يجر إلى الحديث عن العرب. فهم جالية كبيرة في العاصمة الإثيوبية، كالصينيين في جنوب شرق آسيا. هم أصحاب المتاجر الصغيرة، وهم الحرفيون وتجار الاستيراد والتصدير، ولا ينافسهم إلا الهنود. وأكثر العرب يمنيون، مع بعض الحضارمة والقليل من العدنيين.
صور المشير عبد الله السلال رئيس جمهورية اليمن والرئيس جمال عبد الناصر تتصدر بعض الدكاكين، وتتصدر صور الإمام البدر بعضها الآخر. إلا أن صور السلال والثورة أكثر، لأن معظم اليمنيين جاؤوا فراراً من حكم الإمام وهرباً من اضطهاده. وبعض كبار الأغنياء هم من العرب. عندهم عمارات ومحلات واسعة وبنوك. ويوم الجمعة يصطف أمام الدكاكين العربية في السوق مئات الفقراء والشحاذين، لينالوا ما يزكّي به التجار المسلمون أموالهم.
لافتات المحلات تحمل الأسماء العربية إلى جانب الأمهرية والإنكليزية. أشهر الخياطين من العرب العدنيين. وأجمل المناظر، منظر المئات من ماكينات الخياطة وهي مصطفة على المصاطب العالية في السوق تخيط أقمشة كلها ألوان زاهية. آه على الألوان، الألوان الفاقعة، التي لم أكن أظنها موجودة من قبل. ألوان هي بحر يغرف منه أي فنان في إثيوبيا.
والعرب ـ من يمنيين وغيرهم ـ لا يختلطون بالإثيوبيين. يعيشون في مجتمعات وحدهم ويتزاوجون بعضهم من بعض، أو يعودون إلى بلادهم ليأتوا بعروس إلى الغربة. وفي أديس أبابا جامع وحيد يؤمه العرب، وفيه مدرسة لتعليم أصول الدين. وله بابان، واحد اسمه باب الرحمة وآخر باب السلام. أما بناؤه فبشع وصحراوي عكس كل أثر ديني أو حضاري.
أما أسمرة، بوابة أفريقيا إلى الجنوب العربي كله، فشيء آخر كلياً. هناك ترك الاستعمار الإيطالي بصمات واضحة. فأول ما توحي إليك عاصمة إريتريا، أن الإيطاليين بنوا «صقلية» أفريقية. المدينة صغيرة، جميلة، تعج بالإضافات الإيطالية، من حانات ومطاعم، إلى شوارع عريضة وكنائس.
وفي أسمرة، يدخل الطابع الإسلامي زوايا المدينة فتتغير لغة الناس، عندما تختلط العربية مع الأمهرية، وترتفع المآذن من بعيد، وتصبح الكنائس الكاثوليكية أكثر من الكنائس القبطية، وتصبح الإيطالية هي اللغة المشتركة بين الناس، ويزداد عدد البارات والمقاهي بازدياد عدد الشوارع وازدياد عدد الصحف التي تصدر بالإيطالية في أسمرة. وأسمرة لا تختلف عن أديس أبابا في عادات الناس، إلا أنها أكثر أوروبية، وأقل أفريقية، وأكثر إسلامية، وأقل قبطية من بقية إثيوبيا. وفي أديس أبابا، يقام قدّاس لأسد يهوذا كل دقيقة. أما في أسمرة فلا أحد يؤذِّن لحفيد سليمان الحكيم وبلقيس الملكة.



