يواصل المؤلف في هذه الحلقة حديثه عن مدينة سمرقند، فيصف لنا ما تبقى من معالمها القديمة كالمساجد والمدارس والقصور، ويروي لنا بعضاً من حكاياتها الطريفة التي يصنف بعضها تحت خانة الأساطير، ثم يعرج على مدينة بخارى التي بلغت درجة من المجد والتألق لا تقل عما بلغته شقيقتها سمرقند، إن لم تتجاوزها في كثير من الأمور. ويؤكد الريس على أن بخارى تبدو في وضع أفضل من سمرقند من حيث محافظتها على الدرر المعمارية التي تزخر بها وتنتمي إلى مختلف العصور.
في ضواحي سمرقند حيث تمتد البساتين بين السواقي المحملة بالمياه المحوّلة من نهر زرفشان، وحيث حقول القطن ومساكب البطيخ وأشجار التفاح والسفرجل على مد النظر، بنى تيمورلنك في محاولة لتأكيد تفوق عاصمته على أي مدينة في الدنيا، مجموعة من القرى أطلق عليها أسماء أهم مدن المعمورة في ذلك الزمن. فكانت قرى تحمل أسماء دمشق ومصر وبغداد وشيراز وإشبيلية. غير أن الزمن لم يبقِ أي أثر لهذه القرى ولا لقلعة تيمورلنك وقصره. فقد طوتها الرياح، ونهبها اللصوص، ودمرتها أحقاد الناس. لكن بقي من مدينة تيمورلنك الزرقاء من العظمة ما يكفي خيال كل مسافر في الماضي على الطريق الذهبي وما يُشبِع نظر كل من يصل إليها اليوم على الطريق الترابي. فقد زالت قصور المتعة وظلت قصور المعرفة تقف شامخة وسط سمرقند، وكأن في زوال الأولى وبقاء الثانية حكمة لا يدرك معناها إلاّ التاريخ.
قد تكون ساحة راغستان هي »أنبل ساحة في العالم« حسب وصف الزوار الأجانب الذين أموها في القرون البعيدة، لكن أبنية المدارس الثلاث الرائعة التي تقف على زوايا الساحة الثلاث، بينما تركت الزاوية الرابعة مفتوحة، لا تترك مجالاً كبيراً للخيال وأنت تقف قزماً وسطها بينما تجيل ناظريك في هذه الفسيفساء الزرقاء. والمدرسة، هي الجامعة التي يدخلها المسلمون ليتلقوا فيها العلوم من دينية وسواها، فيتخرجون فيها أئمة وعلماء وأساتذة وإداريين.وكان مبنى المدرسة هو الأهم والأفخم والأبرز في ذلك العصر. ومفهوم المدرسة كمؤسسة منفصلة عن الجامع، بدأ في آسيا الوسطى، وكذلك طرازها المعماري المتميز. ومبنى المدرسة يحتوي عادة على إيوان داخلي في ساحة ذات قناطر مرتكزة على أعمدة. وتحت كل قنطرة غرف يعيش ويدرس فيها التلامذة والأساتذة، شبيهة بأديرة الزرادشتيين. وكلمة مدرسة دخلت إلى اللغة الأوزبكية وكل اللغات الإسلامية في آسيا الوسطى، حتى أصبحت مفردة كثيرة التداول.
ولعل أجمل مدرسة من المدارس الثلاث التي تحيط بساحة راغستان، هي مدرسة أولُوغْ بيك، العالم الفلكي وحفيد تيمورلنك. وقد بناها بين العامين 1417 و1420 غربي الساحة. وهي تعلو ضعف علو الأبنية المحيطة بها وبواجهة تزيد في عرضها على ثلثي عرض واجهتي المدرستين الأخريين. وكان أولوغ بيك يدرس هناك الرياضيات وعلم الفلك. وكانت مدرسته تضم مئة تلميذ.
ولعل من سخرية الأقدار أن لينين زعيم الحزب الشيوعي هو الذي أنقذ مدرسة أولُوغ بيك من الاندثار، عندما أمر العام 1922 بإقامة معمل للسيراميك في سمرقند لإصلاحها وترميمها. وفي العام 1932 أصدر تعليماته بتجليس وإصلاح مئذنة المدرسة الشهيرة التي كانت قد شارفت على الانهيار.
وراغستان التي تعني (مكان الرمل)، كانت أيام تيمورلنك الساحة الرئيسية التي تعلن فيها بداية الحروب ونهايتها وتنفذ فيها الإعدامات، وتعرض فيها غنائم الغزوات والسبايا، وتقام فيها الأسواق وتفرش البضائع من مختلف أنحاء العالم. أما اليوم، وقد أقفلت المدارس والجوامع وأقام الناس أسواقهم على جوانبها .
وفي الأزقة الضيقة المحيطة بالمكان، فلم تعد راغستان أكثر من ساحة في متحف معماري كبير من زمان غابر، لا ترى فيه إلاّ أشباح النساء الأوزبكيات بملابسهن المرقّطة بألوان قوس قزح والمصنوعة من حرير بخارى، والرجال ينوءون بالقلنسوات الأوزبكية السوداء التي يعتمرونها من ورق مقوى، من دون أن تلفت نظرهم هيبة المكان وروعته وعبء الإرث التاريخي الذي يرزحون تحته، مدركين أن زمانهم هو زمان آخر.
حكاية بيبي خانم
ليس من منافس لساحة راغستان في سمرقند، من حيث الروعة المعمارية، إلاّ مسجد بيبي خانم. وبيبي خانم، امرأة جميلة وأميرة صينية ذات بشرة شديدة البياض وشعر أسود فاحم، كما يصفها لنا دوكاليفو مبعوث الملك الإسباني إلى بلاط تيمورلنك. وكانت الزوجة المفضلة من بين زوجات تيمورلنك السبع. فعندما قرر تيمورلنك أن يبني لها مسجداً يكون الأروع بين كل مباني أمبراطوريته تعبيراً عن حبه لها، كان قد شارف على السنوات الأخيرة من عهده، فأراد أن يبني المسجد على عجل.
وبدأ بناء المسجد يوم 11 مايو 1399، وهو يوم اختاره المنجمون والعرّافون على أساس أن في طالعه الخير. وكان تيمورلنك وقتئذٍ عائداً من إحدى غزواته في الهند، ومعه غنائم تلك الحملة، فقرر أن يسخّرها كلها لبناء المسجد. فجمع من مختلف أنحاء أمبراطوريته مئتي مهندس معماري وبنّاء وحجّار ونجار وفنان يساعدهم 500 عامل و95 فيلا من الهند، لنقل مواد البناء إلى مكانها.
وكان شخصياً يراقب عملية البناء من محمله، ويرمي بالنقود وقطع اللحم والحلوى إلى المهندسين والعمال تشجيعاً لهم على السرعة في العمل. وأُنجز بناء المسجد بقبته الكبيرة الزرقاء وساحته وأبوابه ومآذنه ومداخله الواسعة في خمس سنوات، وهو رقم قياسي في أي عصر.
لكن بيبي خانم كانت امرأة محسودة. ولأن مسجدها بُني على عجل، فقد بدأت أجزاء من حجارته الطينية وزخارفه وأخشابه تتساقط حتى قبل بنائه، مما أرعب الناس، فقاطعه المصلون خوفاً من وقوع مزيد من الانهيارات عليهم. واستمر المسجد عبر السنين حتى نهاية القرن التاسع عشر حين أصابته هزة أرضية، قرر رجال الدين على أثرها وقف الصلاة فيه وإخلاءه، وتحولت ساحة المسجد الرائعة إلى سوق للقطن.
ولم تكن بيبي خانم في حياتها مدار حسد كبير فقط، بل إن ثمة الكثير من الأساطير قد نسج حولها، حتى تداخل التاريخ بالحكاية. ولعل أجمل هذه الحكايات، أن مهندس المسجد كان شاباً وسيماً من مدينة مشهد في بلاد فارس وقع في غرام بيبي خانم، فطبع على خدها قبلة حارة إلى درجة أنها تركت أثراً وكأنها حرق على شكل شفتين. ولما رأى تيمورلنك ذلك أرسل جنده لقتل المهندس الشاب الذي فرّ إلى أعلى مئذنة في المسجد.
وركّب جناحين صناعيين وطار بهما إلى بلدته مشهد. وتضيف هذه الحكاية أن تيمورلنك طلب من بيبي خانم أن تنفي خيانتها له بإلقاء نفسها من المئذنة عينها، فإذا بلغت الأرض سالمة أثبتت براءتها، وإذا ماتت فقد ثبتت إدانتها. ولما كانت بيبي خانم امرأة شديدة الذكاء والحيلة والتدبير فقد ارتدت كل ثيابها، التي تقول الأسطورة أنها بلغت سبعين ثوباً، وألقت بنفسها من المئذنة، فوصلت سالمة إلى الأرض من غير أذى، لأن كثافة الثياب وفرت لها وقاية مظلية جوية وسماكتها شكّلت لها حماية عند الارتطام بالأرض.
ولم يكن مسجد بيبي خانم هو البناء الوحيد الذي بناه تيمورلنك بسرعة قياسية، فقد هدم ضريح حفيده محمد سلطان، الذي قتل في إحدى المعارك مع العثمانيين، لأن هندسته لم تعجبه وأعاد بناءه في عشرة أيام. وقد نجح في ذلك بعد أن شنق اثنين من معماريي المسجد، فخاف الآخرون على حياتهم وتمّ إنجاز ضريح الحفيد في الوقت المحدد.
أول سوبرماركت
ما إن انتهى بناء ضريح محمد سلطان، حتى أمر تيمورلنك ببناء أول سوبر ماركت في العصور الوسطى الذي هو عبارة عن سوق في شارع واحد يجمع كل أنواع البضائع المختلفة، لا كما جرى التقليد في تلك العصور وبعدها، بأن يكون هناك سوق لبضائع معينة، كسوق الملح أو سوق التوابل أو سوق الخضرة مثلاً. وتمّ إنجاز هذا السوق بكامل قبابه وأرصفته ودكاكينه خلال عشرين يوماً، بكلفة لا تتعدى قطع رؤوس أربعة مهندسين.
وإذا وقفت اليوم في سوق البلدية في سمرقند الملاصق لمسجد بيبي خانم، بين أكوام الرمان والبطيخ والعنب، التي تتسلق بارتفاعها الجدار الجنوبي للمسجد، تشعر بأنك أمام مشهد رائع لهيكل ديناصور جميل يرفض أن ينقرض، وأن عملية ترميمه المستمرة ببطء شديد، لن تنتهي أبداً. وكأن تيمورلنك الذي أراد أن يقدم هذا المسجد هدية لزوجته المفضلة بيبي خانم، ما زال يبني إلى الآن في هذا المسجد من دون أن يستطيع أن يشنق مهندساً واحداً من مهندسي الترميم، في محاولة أخيرة ـ وربما يائسة ـ للإسراع في إنجازه.
كأن تيمورلنك قد أحس بأن بناء عاصمته الجديدة سمرقند قد اكتمل، فقام في يناير 1405 بإعداد أكبر حملة عسكرية في تاريخ فتوحاته قوامها مئتا ألف رجل، وهدفها اختراق السور العظيم واحتلال الصين، أغنى بلد في العالم. لكن على مسيرة 640 كيلومتراً من سمرقند، وفي يوم من أيام فبراير الباردة، مرض تيمورلنك. ومات بعد أقل من شهر من بدء زحفه نحو الصين. فكفّنه رجاله وعطروا جثمانه بماء الورد والمسك والكافور، وأرسلوه على جناح الليل إلى سمرقند، خوفاً من حزن جنوده. ودفن إلى جانب حفيده محمد سلطان في الضريح الذي أعاد بناءه، والذي أصبح ضريح الأسرة التيمورية كلها، وعرف باسم (غوري مير).
هناك أسطورة تحيط بضريح تيمورلنك كانت تقول إن كارثة ضخمة ستحيق بالبلاد في حال إزعاج تيمورلنك في مثواه الأخير، وأنه في حال فتح القبر فإن غازياً أقسى من تيمورلنك وجحافله سيدمر البلاد. وانتشرت (لعنة تيمور) كأسطورة (لعنة الفراعنة) في أوساط الناس، وردعتهم عن سرقة القبر طوال قرون عديدة، إلى أن جاء العالم السوفييتي المشهور ميخائيل غراسيموف وقرر فتح القبر واستخراج جثة تيمورلنك وفحصها.
وبالفعل هذا ما تمّ، واكتشف غراسيموف أن تيمورلنك كان أعرج في قدمه اليمنى، وفحص جمجمته وأخذ لها صوراً، ركّب لها وجهاً العلماء السوفيت فيما بعد، وهي معروضة في متحف مرصد أولوغ بيك. وبينما كان غراسيموف في 22 يونيو 1941، يفحص الهيكل العظمي لتيمورلنك، دخل أحد مساعديه إلى القبر وقال له إن جيوش هتلر قد غزت روسيا.
لعل مرصد أُولوغ بيك، هو البناء الوحيد في سمرقند الذي تفوق قيمته الحضارية كصرح علمي قيمته الهندسية أو أهميته المعمارية. فبين العامين 1409 إلى 1449، أحال أُولوغ بيك عاصمة جده تيمورلنك إلى مركز للمثقفين، جمع فيه علماء الفلك والشعراء وعلماء الدين والشريعة وعلماء الرياضيات والفلاسفة والمهندسين المعماريين والخطاطين. فوراء جدران المدارس المزينة بالفسيفساء والقيشان وفي غرفها الصغيرة كان علماء الرياضيات والفلسفة مع علماء الفلك في مرصد أُولوغ بيك الدائري المبني على هضبة تشرف على العاصمة يحاولون حل معضلات السماء والأرض والوجود.
وظل المرصد ضائعاً في غياهب الأرض قروناً طويلة، حتى جاء العالم الروسي فلاديمير فياتكين في العام 1908، واكتشفه بعد دراسة مخطوطات تاريخية استمرت سنوات، مكتشفاً آلة السدس (من قبل اختراع التلسكوب) التي يقاس بها ارتفاع الأجرام السماوية، مطمورة تحت الأرض، والمصنوعة من حجر الرخام في حالة ممتازة وكأنها صنعت أمس، إلى جانب جزء من السكة الحديدية التي كانت الآلة تتحرك عليها. وبني على الموقع نفسه متحف دائري صغير يذكّر بإنجازات أولوغ بيك، يؤمه اليوم عند نهاية القرن العشرين شبان وشابات سمرقند المتزوجون حديثاً للتبرك به، لسبب لم يفسره لي أحد.
مدينة الموتى
بالإضافة إلى (المتروبوليس) الشهيرة التي بناها تيمورلنك في سمرقند، هناك أثر آخر يضاهيها هو (النكروبوليس) - أو مدينة الموتى- وهو حتماً مكان لا بد من زيارته في سمرقند يدعى (شاهي زندا) أو مزار الملك الحي، الذي هو عبارة عن مجموعة غرف أضرحة مغلقة، مزينة بالقيشاني الأزرق، تعد أجمل ما هو موجود في آسيا الوسطى.
وكان تيمورلنك قد بنى (شاهي زندا) كمقابر ملكية له ولعائلته وأصدقائه، وجعلها آية في فن الزخرفة المعمارية. (شاهي زندا)، التي تحولت إلى مزار مقدس منذ القرن الحادي عشر، تقف على هضبة منخفضة، تصعد إليها بدرج حجري يمتد 36 درجة حفرتها أقدام الحجاج والمتبركين، لتصل إلى ممر طويل تنتشر غرف الأضرحة على يمينه ويساره، وتشكل أبوابها الخشبية وبناؤها الداخلي أرقى أنواع العمارة بخطوطها العربية ورسومها الهندسية الإسلامية.
لكن الذي يسترعي ناظريك وأنت تمر في هذه المدينة - المقبرة هو تدرجات اللون الأزرق المستخدمة في زخرفة وتزيين الأضرحة، فكل ضريح من الأضرحة المنتشرة يشكل اتجاها مختلفاً من اتجاهات الهندسة المعمارية وأساليبها في ذلك العصر، فضريح شقيقة تيمورلنك شيرين، الذي بُني في العام 1385، يشكل اتجاه فن العمارة الذي صممه الخوارزم في نهاية القرن الرابع عشر.
آسيا الوسطى: بخارى الزمان: سبتمبر 1992
بخارى مدينة ولدت في التاريخ وظلت في التاريخ. وهي مدينة نشأت في الصحراء وترعرعت في الصحراء. بل هي توأمة التاريخ مع الصحراء. هي وسط لا مكان، لكنها في وسط التاريخ، الذي ما زالت حكاياته يتناقلها الناس من رحالة ومؤرخين ومغامرين إلى اليوم.
وإذا كنت لم تسمع بسجاد بخارى، فلا بد من أن تكون قد سمعت ما كان يقال في قديم الأزمان (إن النور يهبط عادة من السماء، أما في بخارى فإن النور يصعد إلى السماء). فبخارى (مدينة المعرفة) كما كانت تلقب، هي إلى اليوم بالنسبة إلى أهالي أوزبكستان (بخارى شريف)، بمئات المساجد والمدارس والمآذن التي تحتضنها.
فخلال أربعين سنة من حكم ابن تيمورلنك شاه روخ، استطاع أن يحول قبائل أبيه البدوية إلى مجتمع متحضر في إمبراطورية مسلمة، سنيّة المذهب، عاصمتها السياسية حيرات (في أفغانستان اليوم)، وعاصمتها الثقافية والعلمية سمرقند، وعاصمتها الدينية والروحية بخارى. وعندما توفي شاه روخ في العام 1477، خلفه لفترة قصيرة ابنه أولوغ بيك، الذي كان حاكماً لسمرقند وبخارى خلال عهد والده.
ولم تمر سنتان حتى اغتاله ابنه عبد اللطيف، بتحريض من رجال الدين المتعصبين، الذي اغتيل بدوره من ابن عمه عبد الله، الذي اغتيل أيضاً بعد فترة وجيزة على يد ابن عم آخر له اسمه أبو السعيد. وأضعفت دورة الدم وهي تستسقي الدم عرش تيمورلنك وإرثه، فجاء الأوزبك.
وهم قبائل بدوية بقيادة محمد شيباني الحفيد الثاني لجنكيز خان شيبان من السهوب والصحراء الداخلية واحتلوا سمرقند وبخارى والأراضي والبلاد الواقعة بين نهرَيْ آمو- داريا وسير ـ داريا وجعلوها وطناً لهم، بعد أن طردوا الحفيد الثالث لتيمورلنك، بابور، فهرب من سمرقند إلى الهند وأصبح أول أمبراطور للمغول فيها، مؤسساً الإمبراطورية المغولية الأخرى.
واستمر الأوزبك الذين دخلوا الإسلام في مطلع القرن الرابع عشر، في بناء المساجد والمدارس في سمرقند وبخارى. وأصبحت بخارى محجاً لطلاب وحجاج يأتونها من الهند وكشمير والأندلس وبلاد الشام وفارس واليمن وتركستان. وحتى نهاية القرن الثامن عشر كان في مدارس بخارى ثلاثون ألف تلميذ. مما جعلها المدينة الجامعية الأولى في عالم ذلك القرن.
في مطلع القرن التاسع عشر، كانت روسيا القيصرية قد بدأت تزحف نحو آسيا الوسطى، حتى العام 1868 حين ضمّتها إلى إمبراطوريتها وعزلتها عن العالم الإسلامي. حتى جاء العام 1920 حيث نجح البلاشفة الشيوعيون في إسقاط حكامها الإقطاعيين وأغلقوا جميع مدارسها ما عدا واحدة فقط، ومنعوا الصلاة في مساجدها ما عدا ثلاثة فقط.
وعلى الرغم من أن النظام السوفييتي أعاد فتح بعض المساجد في عهد غورباتشوف، إلا أنها بالطبع لم تعد ملتقى للحجاج أو مركزاً للعلوم الدينية. ومن اللافت للنظر أنك ما زلت ترى عدداً من المواطنين المسنين ـ كما وصفهم لورد كورزون في الثمانينيات من القرن الماضي ـ يتجولون في أزقة بخارى ودروبها الضيقة، (في وقار البطاركة وثياب الأمراء)، المعطف أو القباء التقليدي المقلم بالألوان، والجزمات الجلدية الطويلة إلى الركبة، واللحى البيضاء المهذبة والقلنسوات السوداء والملونة أو العمائم البيضاء. ثم يجلسون في المقاهي المحيطة بالحاووظ (أو برك الماء) يشربون الشاي الأسود الذي لا يُشرب!!
بالمقارنة، تبدو بخارى اليوم في وضع أفضل من سمرقند، من حيث إن المدينة الجديدة لم تمحُ المدينة التاريخية الجميلة. فالمساكن الشعبية البروليتارية المبنية على الطريقة السوفييتية والأحياء السكنية التابعة لها بشوارعها العريضة لم تخنق مباني المدينة القديمة وأزقتها الضيقة المرصوفة بالحجارة.
ولئن بدا مبنى الحزب الشيوعي المحلي هو الأبرز بين المباني، فالدرر المعمارية التي تزدحم بها بخارى من مختلف العصور، من ضريح الأسرة السامانية في القرن العاشر المبني من الطين المشوي، إلى برج قاليان الذي يبلغ خمسين متراً بحائطه المصمم من الآجر في القرن الثاني عشر، إلى مدارس العصر التيموري ومساجده المبلطة بالقيشاني والفسيفساء الزرقاء، مازالت تسحر الزائر إلى درجة التساؤل كيف يمكن أن يسمح لتراكم حضاري كهذا أن يذوي وينهار؟
وإذ لم تعد بخارى مركز التقوى في آسيا فهي لم تعد أيضاً مركز التجارة. فصناعة السجاد اليدوي البخاري التاريخية قد تحولت إلى مكننة متخلفة في صناعتها. ومصانع الحرير الطبيعي الذي اشتهرت به بخارى، تحولت إلى مصانع للحرير الصناعي الرخيص، لا يُلْبَس، وإن كان يباع بأسعار مغرية لا تزاحم.
العصر الساماني
أيام بخارى العظيمة كانت في العصر الساماني. والسامانيون أسرة قدمت من بلاد فارس، وكانت أول أسرة مسلمة لأول دولة إسلامية في آسيا الوسطى. وجعل السامانيون من بخارى المدينة ـ القدوة في كل آسيا الوسطى. وبحكم موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، أصبحت في عهدهم أهم مركز تجاري وثقافي في العالم الإسلامي.
وامتدت أمبراطورية السامانيين من حيرات في الشرق إلى أصفهان في الغرب، وشملت منطقة هي باتساع أوزبكستان وطاجكستان اليوم، إلى جانب جزء كبير من أفغانستان وإيران. وكانت لغات البلاط الفارسية والعربية والتركية. وفيها عدد من المكتبات العامة يوم كانت الكتب تنسخ باليد. واحدة من هذه المكتبات الملكية، هي المكتبة التي عاش بين رفوفها ابن سينا قبل ألف سنة، فنظمها ودرس فيها وكتب كتبه الشهيرة التي غيّرت مجرى دراسات الطب والصيدلة في العالم.
ولعل غياب الآثار السامانية الكثيرة يرجع إلى ضعف عمليات التنقيب وإهمال الحكم السوفييتي لهذه المناطق، وسياسة طمس العلاقة العربية ـ الإسلامية، والتي كانت أحد أسس السياسة السوفييتية في الجمهوريات الإسلامية في آسيا.
ولعل الأثر الوحيد البارز للتأثيرين المعماري والهندسي العربيين هو مقبرة تعود إلى القرن العاشر في وادي زرفشان في بخارى للأسرة السامانية. وقد نجا هذا الأثر الضخم، الذي هو عبارة عن ضريح مبني كله من الطين المشوي ومزدان بكامله بالآيات القرآنية والخطوط الهندسية العربية محفورة على جدران عالية وقبة طينية كبيرة، إذ كان مدفوناً تحت الأرض وقد عثر عليه صدفة.
وأضرحة الأسرة السامانية التي شيدها مؤسس الدولة إسماعيل الساماني لأبيه نصر بن أحمد، هي اليوم من أهم معالم بخارى. إذ تقع وسط حديقة كبيرة وجميلة يؤمها الناس باستمرار وتعقد الأعراس فيها. ويدور عادة العروسان ثلاث دورات عكسية حول الضريح إذا أرادوا تحقيق أمنية ما. ويلقي الناس بالنقود من أبواب الضريح تنفيذاً لنذور.
وقد صدف في أثناء وجودي هناك عرس جماعي لثلاث عائلات، وقد داروا حول الضريح ثلاث دورات وألقت كل عروس بالنقود من باب الضريح عند انتهاء الدورة الأخيرة. وقد شاهدت أكداساً من الروبلات مرمية حول الأضرحة، وقد تساءلت يا ترى مَنْ يأخذها؟ فرد أحد الأوزبكيين المرافقين لي بأنها كانت توزع على أعضاء اللجنة المركزية لفرع الحزب الشيوعي في بخارى.
وعلى أطراف حديقة كيروف، التي تشرف على سوق بخارى المفتوح، يقف مزار (ششمة أيوب) أو نبع أيوب، الذي يقال إن النبي أيوب ضرب عصاه في ذلك المكان في زمن عمّ فيه القحط والجفاف بخارى، فانفجر نبع كبير ما زال الناس يشربون منه ويتبركون به. وقد بني حوله في القرن الثاني عشر مزار مؤلف من ثلاث قباب صغيرة يجمعها في الوسط صحن صغير، يدخله الناس لقاء روبل واحد.
وحول (ششمة أيوب) يلتف سوق بخارى الذي يبيع كل شيء، يخطر في البال من أنواع الفاكهة والخضار إلى القبعات الصغيرة السوداء التي يعتمرها أهالي أوزبكستان صيفاً وقبعات الأستراكان الجميلة التي يعتمرونها شتاءً. والأستراكان وهو نوع خاص من أنواع الغنم، الذي لا يعيش إلاّ في واحتي قره قوم وكتّقورغان في مناطق أوزبكستان وتركمانستان. ولا يأكل إلاّ الذرة. وقد فشلت محاولات نقل هذا النوع من الغنم إلى الصين أو إيران. ومن جلده الناعم ذي التجعيدة الخاصة تصنع القبعات الشهيرة.
والسوق يتعرج بطرقه الترابية إلى جانب سور بخارى، الذي كان حتى خمسين سنة مضت يلف المدينة كلها على امتداد 12 كيلومتراً وارتفاع عشرة أمتار. وكان سور بخارى يعتبر (مقدساً). وهناك قول مأثور لأهالي بخارى (مَنْ يَقُلْ إن سور بخارى غير مستقيم، فهو منبوذ من الله). وحتى العام 1938، كان للسور أحد عشر باباً وقلاع وأبراج مراقبة. وقد انهارت كلها تحت وطأة الاستعمار الروسي ـ السوفيتي، وتوسيع المدينة وتحديثها.
إلى جانب ذلك كانت أسواق بخارى المسقوفة الجميلة والأزقة المبلطة بالحجر والقباب الصغيرة المزركشة، التي ما زال بعضها يقاوم حتى اليوم حرب الفناء مع الزمن، تستقبل قوافل التجار من كل مكان في العالم عبر أحد عشر معبراً أو طريقاً، والتي جعلت منها الأغنى في كل آسيا الوسطى.
في الوقت نفسه كانت هذه الطرق مركزاً للصوص القوافل من التركمان المختبئين في صحراء قره قوم، والذين ساهموا في القضاء على أهم طرق التجارة في العالم، في الوقت الذي اكتشف فيه البرتغاليون رأس الرجاء الصالح في القرن الخامس عشر، ولم تعد آسيا الوسطى الوسيط الذي يملك تقاطع الطرق، ويحتاج العالم إليه.

