ينتقل المؤلف بنا في هذه الحلقة إلى حضرموت، التي هاجر عدد كبير من أهلها منذ القدم إلى جنوب شرق آسيا، وبالذات إلى الهند حيث كانت حيدر أباد تعتبر الوطن الثاني للحضارمة كما وصلوا إلى اندونيسيا وماليزيا وسيلان. ويصف لنا الريس ما شاهده في طريقه إلى المكلا، عاصمة حضرموت، وكذلك لقاءه بسلطانها الشاب الذي كان يطمح إلى تحقيق الرخاء لشعبه ورفع كاهل الفقر عنهم، ويروي لنا ما دار بينهما من حديث باللغة الإنجليزية لأن السلطان كان يتقن الإنجليزية والأوردية أكثر من العربية، وكيف عبر له عن حبه وحب كل الحضرميين للزعيم العربي عبد الناصر.

اليمن حضرموت الزمان: نوفمبر 1967 يمتد وادي حضرموت كنهر كبير بين ضفتين من الجبال العالية المتقاربة. وسيؤون تقبع في وسطه كمدينة أهملت التاريخ فتناساها. وإلى الجنوب منها تريم الكثيرية، وإلى الشمال شيبام القعيطية، كأنهما مدينتان خرافيتان وسط لا شيء، إلا واحات كبيرة من النخيل وناطحات سحاب عالية من الطين كل ما في غراف، القرية الصغيرة التي تقع في منتصف الطريق تماماً بين سيؤون وتريم، والتي زوّدت الطائرات بفسحة صغيرة من الصحراء وسط الوادي تدعى مطاراً، يوحي بالوهم، وتحس بعزلة محببة عن الواقع، فليس فيها ما يربطك بالعالم الذي تعرفه.وعندما يسألك الموظف اللبق الجالس إلى طاولة بثلاثة قوائم، عن التأشيرة التي منحتك إياها الدولة الكثيرية، تتذكر أنك لم تسمع بهذه الدولة من قبل، وأنك ترجوه أن يمنحك إياها الآن وأنت في غرفة المطار الطينية البيضاء، وقد تكدس فيها المسافرون مع الأمتعة، وضاع جواز السفر الغريب بين كومة أوراق ملفوفة كطائرات الورق.

ويسألك الموظف ثانية بلطف، إذا كنت قد جئت للعمل أو للزيارة، فتضحك لأنه آخر مكان في تصورك يصلح لأن يعمل فيه الإنسان. وتنتهي معاملات الدخول إلى السلطنة الصغيرة المحاصرة بالدولة القعيطية، الأكبر والأغنى، غرباً، ودولة المهرة، وقبائلها الموزعة في أقاصي الجزيرة العربية بين عاد وثمود، بعضها لم يبلغها الإسلام بعد.وبعضها لا يتكلم العربية، شرقاً، وسلطانها بعيد في جزيرة سوقطرة، لم يزر يابسة السلطنة منذ أكثر من عشر سنين. وتحملك سيارة اللاندروفر من صحراء المطار عبر الوادي الأخضر المفتوح على نهر جفَّ منذ ما يزيد على قرن. الأمطار لم تهطل منذ سنوات وسنوات، والنخيل هو الخضرة الدائمة.

والطريق المرصوفة بحجارة صوانية، تمر بغراف، القرية الصغيرة ذات الكهوف الطينية والبيوت الواطئة القليلة. وتدخل سيؤون عبر ممر من أشجار النخيل، وكأنك في حلم سينمائي افتعلته هوليوود. وتلمع القباب البيضاء، وتبدو سيؤون من بعيد، واحة من الألوان، البيوت خضراء، وحمراء، وبيضاء، وزرقاء، كلها زاهية. الشوارع ترابية مرصوفة ونظيفة، والناس كأنها لا تعمل إلا في البناء والزراعة.

الطريق إلى الفندق

* هل ثمة فندق؟ سألت سائق اللاندروفر.

ـ نعم، أجاب بإصرار.

ووصلت السيارة إلى أجمل ما رأيت من فنادق. غرف صغيرة حديثة، مزروعة بين النخيل، وحولها برك ماء صاف تصلح للسباحة، وربما للشرب. وكراس مصفوفة إلى جانب النوافير، وكأنها معدّة خصيصاً للحلم أو للشعر.

وتلقي بأمتعتك في الفندق لتباشر البحث عن عاصمة الكثيري، قبل أن تبحث عن السلطان أو السلطنة، لأنك تشعر بأن المدينة قد تكون أهم من حاكمها أو ساكنيها.كل شيء في سيؤون من الطين والألوان. لا حجر ولا إسمنت. الشوارع فسيحة ترابية ونظيفة. والنظافة تلفت النظر في كل مكان في الكثيري، وخاصة القادم من اليمن وعدن. فالهندسة صناعة محلية، تكاد تكون أهم ما يميز حضرموت عن الجزيرة العربية كلها.

وزراعة الذرة والخضر، هي مهنة الحضارمة المقيمين الذين لم يسعدهم الحظ بركوب البحر إلى أبعد. وتتطلع إلى أعلى، فترى البيوت الطينية ترتفع إلى عشر طبقات أو أكثر، وتمتد كقصور من ألف ليلة وليلة، حولها حدائق وخضر وماء، وفيها ألوان وألوان. ورحت في شوارع سيؤون أفتش عن التاريخ. وجدت قصر السلطان الأبيض الممتد بأسواره العالية فوق هضبة صغيرة تشرف على السوق وأمامه ساحة كبيرة فيها مقاهٍ ودكاكين تبيع الصور. وكأن بيع الصور هو تجارة رائجة في تلك البلاد.

صور مجموعة من السلاطين ضاعت أسماؤهم في بطون التاريخ تتصدر الأمكنة ومعها صور لعبد الناصر وأيوب خان وشاه إيران وفرح ديبا والملكة إليزابيث. كلها في دكان واحد، تستطيع أن تطلب منه أية صورة، فيطلعها لك من بين الغبار. فطلبت صورة عنترة بن شداد على سبيل التجربة، فأخرج لي البائع فارساً أسود يمتطي جواداً رافعاً السيف ليبتر رأس فارس آخر مقبلا عليه. ولم أطلب غيرها.

وراح فضولي يبحث بين الناس عن تاريخ الكثيري. عرفت أن الكثيري عمرها أكثر من 800 سنة. وكانت حضرموت كلها كثيرية قبل نصف قرن. وكان جد السلطان الحالي حسن بن علي بن منصور الكثيري، الذي فرَّ إلى السعودية بعد استيلاء الجبهة القومية على البلاد وإلغاء نظام السلطنة في سبتمبر 1967، مؤسساً لدولة الكثيرية في حيدر أباد في الهند، على رأس فرقة من المرتزقة تعمل في خدمة النظام، كعادة الحضارمة تلك الأيام.

وقامت ثورة على النظام قضى عليها جيش الحضارمة، فأعطى النظام الجد مالاً وجنوداً، عاد بهم إلى حضرموت فأسس مملكته الواسعة التي كانت تشمل حضرموت كلها. ومات الجد، واختلف الكثيريون في من يخلفه، واستعان فريق ضد آخر بمنطقة يافع، الجارة. ونجح فريق في السيطرة على العرش.

وعاد الخلاف حول الملك. وهذه المرة دخل أهل يافع في الصراع، حين عاد زعيمهم عمر القعيطي، وهو مؤسس الدولة القعيطية من الهند، حيث كان في خدمة نظام حيدر أباد، وقد ورث عنه الكثير من المال. وكانوا قد طلبوا منه أن يعود بسرعة ليملّكوه وقد اشتد الخلاف بين الكثيريين. ووقعت الواقعة، وانقسمت الدولة بين كثيري وقعيطي.وكان كلما تأزم الموقف، يعود السلطان الفاشل إلى الهند، ليأتي بمزيد من الرجال والمال والسلاح. والحضارمة كانوا وقتها على اتصال مستمر وهجرة دائمة إلى الهند الشرقية، وحيدر أباد وطنهم الثاني.

وبدأت المعركة بين غالب بن محسن الكثيري وعمر بن عوض القعيطي، اليافعي الأصل، وقد انقسم الحضارمة في الهند على من يؤيد من. وبقيت الحرب سجالاً، وكانت العاصمة وقتها في مكان قريب من المكلا، اندثر. ودار الصراع على الساحل. فالذي يستولي عليه، يحصل على الداخل. وكان الساحل في أيدي يافع، حتى استتب الأمر للقعيطيين وانسحب الكثيريون إلى الداخل.

مثلث حضرموت

أما المهرة فهم الطرف الثالث في مثلث حضرموت. فثمة علاقات قديمة بين المهرة والقعيطيين، وقبائل كثيرية في أراضي المهرة، كقبيلتي الرواشد وبيت كثير.ففي مناطق المهرة قبائل لم يبلغها الإسلام بعد. وفيها أكثر من سلطان. واحد في قشن، وآخر في سيحوت، وثالث في جزيرة سوقطرة، وسلطانها لا يحكم أي جزء من البر، رغم أنه الذي يعترف به الإنجليز ويوقعون معه المعاهدات.

ولكن من المؤكد أن المهرة عرب. فهم قبائل قديمة لا يعرف أحد أصلها، لها سمات أفريقية ـ حبشية، شاء الإنجليز أن يستغلوها للتدليل على عدم عروبتها. لغتهم ذات ثلاث لهجات. فلهجة أهالي سوقطرة مثلاً غير لهجة أهل الساحل. بعضهم يقول ـ ومنهم البروفيسور سارجنت الخبير في اللهجات الحضرمية ـ إنها لغة سريانية، وأن القبائل المهرية نزحت من الشاطيء السوري واستقرت في الجزيرة العربية قبل الإسلام بقرون.

وآخرون يضيفون أنها قبائل نزحت من أفريقيا الشرقية، وأن لغتهم قريبة من اللغة الأمهرية في الحبشة. والرأي الأكثر شيوعاً أنهم حميريون، وأن لغة أهلها هي الحميرية القديمة، إلا أن طه حسين يقول أن لا صلة لها باللغة الحميرية، بل هي سامية جاءت من الشمال ثم انقرضت.

وليس لدى المهرة لغة مكتوبة، إلا أن الإنجليز بدأوا منذ مدة قصيرة بوضع أحرف للغتهم وكتابتها وتعميم مصطلحاتها. فلغتهم فيها الكثير من المفردات العربية، وأكثرهم قادر على فهم العربية وإن كان لا يتكلمها إلا بصعوبة. وجبال المهرة مناطق غنية بالنفط، وهذا جزء من حرص بريطانيا عليها.

فقد جاءت شركة (بان أميركان) وحفرت أربعة آبار للنفط في المنطقة، وكانت في البدء متفائلة بوجود النفط بكميات تجارية إلى درجة كبيرة. وفجأة أعلنت أن لا نفط هناك، وحملت معداتها ورحلت.والحضارمة لا يعدّون أنفسهم جزءاً من اليمن. فلا ميل هناك نحو اليمن، ولا يمنيون عندهم، والعلاقات بينهم معدومة من 250 سنة وأكثر. والحضارمة تطلعوا واتصلوا بالشرق الأقصى، ولم يتطلعوا أو يتصلوا باليمن. فعاداتهم وطبائعهم مختلفة.

والدخل الأساسي لدولة الكثيري من الجمارك. ومشكلتهم هي في الجمارك. فهم محاطون من كل جانب بالدولة القعيطية. فالبضائع التي تصل إليهم تدفع عليها الضرائب مرتين. مرة للقعيطيين ومرة لهم. ومبدأ (الترانزيت) غير معترف به، بل لا تريد الدولة القعيطية الاعتراف به. ورغم وجود مشاريع اقتصادية مشتركة بينهم بقيت المشكلة بلا حلّ. دخلهم من الجمارك لا يزيد على 90 ألف جنيه إسترليني في السنة، تضاف إليها المساعدة البريطانية التي هي حوالي 100 ألف جنيه إسترليني.

إلا أن موازنتهم السنوية لا تتعدى 150 ألف جنيه، تصرف كلها على الصحة والمعارف والشرطة والتنظيم الإداري.انطلقت سيارة اللاندروفر في حرّ بعد الظهر عبر الطريق المرصوفة في الوادي البني اللون الأغبر الجاف. وكانت تريم في الجانب الآخر تسبح في واحة من النخيل والألوان والماء. وكانت الكثيري في عزّها.

وإذا بتريم مدينة مسورة، بابها ضيّق، ومن خلف السور الطيني تطل ناطحات السحاب الطينية، ومعها مآذن على مد النظر. وأمام الباب احتشد جمع غفير من الناس وقد علت أصواتهم واختلطت بإطلاق الرصاص في الهواء، وقد مشى أمامهم فتيان يحملون حراباً على رأسها ما لم أتبينه من بعيد.

وسألت رفيق الطريق الحضرمي، فقال: هؤلاء الناس قد عادوا من صيد الغزلان، وقد حملوا رؤوسها على الحراب، وهم يطلقون الأهازيج بين كل وقفة ووقفة. وأنه تقليد من تقاليد الصيد، وصيد الغزلان عندهم فن قديم.

ودخلنا الباب وراء الجماهير، فإذا نحن في ساحة كبيرة خلفها جبل كبير وقد التصق السور وجدرانه الثلاثة به، وكان هو الجدار الرابع. ووسط الساحة مقابر ذات شواهد قصيرة وكأنها مجموعة تحف صغيرة صفت بشكل هندسي أنيق في واجهة متحف من المتاحف.لعل هذه المقابر وجدت قبل تريم، وبعضها منذ أيام الحميريين. أجيال وراء أجيال تدفن هنا في وسط البلدة.

وكانت جموع الصيادين والناس قد اختفت من الساحة وتوزعت في الأزقة الترابية الضيّقة. وإذا بتريم تختلف عن سيؤون وشيبام. إنها مدينة حدائق مسوّرة: داخل السور الكبير، أسوار صغيرة تدور حول قصورها وعماراتها المرتفعة، وإذا بالجو، جو أرستقراطي بعيد عن التجارة والمقايضة والأسواق التي تملأ سيؤون والمكلا.

ولفتتني كثرة المآذن، فسألت رفيقي الحضرمي عن كل هذا، فقال: في تريم 365 مسجداً. كل يوم من أيام السنة له مسجد. فأغنياء حضرموت كانوا ينذرون بعد موتهم ببناء مسجد على أرواحهم، بدلاً من أن يبنوا مدارس أو مستشفيات. أما اليوم وقد اتفق عدد الجوامع مع عدد أيام السنة، فنرجو أن يبدأ بناء المدارس والمستشفيات.

ووصلنا إلى منزل الدليل، فإذا به قصر من القصور. وتعبر البوابة الخارجية فإذا بها قطعة من الشرق الأقصى، وتمر إلى الحديقة، وإذا بها جزء من الملايو أو سنغافورة. كل شيء أخضر، وكأنك في غابة استوائية. وصُفّت مائدة طويلة، فيها من أنواع الشراب والمرطبات والأطعمة، وكأنك عند سلطان من سلاطين ماليزيا، أضيفت إليها كل اللمسات العربية الجميلة، فاختلطت حضارتان في الطريق إلى المعدة. وأكلنا وشربنا وتحدثنا.

وسقطت الشمس وراء السور الكبير، وبدأت النساء في العباءات البرتقالية والبراقع السوداء ينسحبن إلى بيوتهن من الحقول، ولمعت أنوار المآذن الكهربائية كمنارات على شاطئ مهجور، وتحولت تريم عند المغيب إلى مهرجان من الألوان الأرستقراطية، وبدت سيؤون في الطرف الآخر من الوادي كأنها خرافة.

شباك كثيرة، ومراكب قديمة راسية، وصيادون وأشرعة ممزقة، وطريق يتيمة تمر عبر منحدر جبلي ضيّق، وشاطئ واسع كله حبال وأسماك وناس لعلهم تجار أو بحّارة أو ربما قراصنة.

في انتظار الجزر

كان هذا هو المدخل إلى المكلا، نافذة حضرموت المفتوحة على العالم، وعاصمة الدولة القعيطية. كل ما فيها يوحي بالحركة، وكل ما فيها كأنه ذكرى من ذكريات.

والطائرة لا تصل من عدن إلى المكلا. فلا بد من أن تهبط في الريان، وهي قرية صحراوية على مشارف المكلا من الداخل. وانتظرنا في شمس الريان المحرقة بعد طيران أكثر من ثلاث ساعات في طائرة الداكوتا القديمة، أن يتراجع المد ويصبح من الممكن لسيارة اللاندروفر أن تسير في محاذاة الشاطئ في ساعات الجزر حتى تصل بعد ساعة، إذا لم تغصْ في الرمال أو تتلف إحدى عجلاتها، إلى طريق المكلا الضيّق.

وأقلعت السيارة براكبيها اليتيمين، أنا وزميل أجنبي، على الشاطئ الاستوائي وهي تغوص تارة وتقف طوراً لإصلاح ما أفسده الحر من محركها، أو حطمته الرمال في عجلاتها، مروراً فوق آلاف الأسماك الملونة القريبة التي تركها المد على الضفة قبل أن يرحل، وحوْلها تموج مئات السلاحف الكبيرة الجميلة فتلتهمها، وطيور البحر تضرب زجاج نافذة السيارة بالأجنحة والقوارب الغارقة ترسو بعيداً عن الشاطئ وقد سحبها المدّ معه، فتعلقت بالشباك التي تركها الصيادون على الرمال.

وتطل المكلا من فوق الطريق الذي سدّ بالصخور، حتى يلوح في نهايته شارع ضيّق كله بياض مفتوح على البحر، كرصيف طويل لميناء كبيرة، وقد تكدست أكوام الأخشاب والبضائع في كل مكان حتى لم يعد من مكان للمشاة، واختلطت أشكال الوجوه العربية بعضها مع بعض في الجو. ومن المكلا أبحر الحضارمة إلى العالم ليجمعوا ثروات ويبنوا أمجاداً، ويعودوا بحضارات وعادات تندمج في بيئتهم وتراثهم، ومن ثم تكافح في أرض غريبة لتثبت أهليتها وفرديتها وخصائصها. فالحضارمة المهاجرون أكثر من الحضارمة المقيمين، والمسافر منهم يعيل المقيم، والثروة الوحيدة هي ثروة الهجرة.

من إندونيسيا إلى سنغافورة إلى الملايو، حيث أسسوا دولاً وممالك، حتى الهند وسيلان في آسيا. ومن زنجبار وكينيا وتنجانيقا والحبشة والصومال في أفريقيا، كان مدّ الحضارمة يتدفق إلى جنوب الجزيرة العربية، ومعه أموال، ليبني، وتتحول الرمال في بلاده إلى ناطحات سحاب من الطين.

وينقل من الشرق الأقصى وأفريقيا التوابل والخشب والحرير والقصب. ولا يحمل معه من الجزيرة إلا الإسلام، فيعطيه لإندونيسيا والملايو وزنجبار، (نحن فاشلون في بلادنا، وناجحون في الخارج)، كان تعليق رفيق حضرمي في المكلا لملاحظتي على بدائية تفريغ البضائع من السفن في المكلا، مع وجود عشرات من الحضارمة العاطلين عن العمل.

ولكن يبدو أن المد الذي ركبه الحضارمة عاد بهم من الشرق الأقصى وأفريقيا الشرقية. فكانت إندونيسيا وقد توقفت ثرواتهم فيها وتعطلت أعمالهم في عهد سوكارنو. وكانت الهند وفقرها، وقد جفت ينابيع الخير فيها. وكانت كينيا وقد فرضت قيوداً على غير الأفريقيين. وعاد الآلاف من الحضارمة وخاصة من أفريقيا إلى الوادي الأخضر بدون مال ولا عمل ليعايشوا الفقر من جديد.

بدأت هجرة ثانية، ولكن هذه المرة إلى السعودية وإلى الكويت ومجمل الخليج العربي. فثمة اليوم 250 ألف عائلة حضرمية في السعودية وحدها، ترسل في الشهر 100 ألف جنيه إسترليني إلى البلاد. ونصف هذا العدد في بلدان الخليج العربي.

ودخلت السياسة لتُفسد. وأصبح يهم الحضارمة التجار أن يؤمّنوا مصالحهم ويُرضوا الدول التي لهم تجارة فيها. ووقع الصراع. فإذا أغضبوا السعودية، يا ويلهم. وإذا أغضبوا إندونيسيا يا ويلهم، وإذا أغضبوا سنغافورة والملايو، فيا ويلهم أيضاً. إذن، ليمشوا على الحبل بمهارة.

موعد مع السلطان

بقي علي مقابلة السلطان، سلطان الدولة القعيطية. ورحت أبحث عنه. لعله كان أصغر من يحكم دولة في العالم اليوم. فالمدينة تذكرك بمرفأ من مرافئ القراصنة في القرن الثامن عشر. والقصر يذكرك ببيت من البيوت الدمشقية العتيقة. والرجل يذكرك بشاب سقط سهواً من نظام حيدر أباد في الطرف الثاني من البحر.

وكل شيء حولك يصر على أنك تعيش في عالم ليس فيه من الواقع شيء. كانت سماته الهندية تطغى على الخليط من الملابس التي يرتديها. الكوفية والعقال على الرأس، كإصرار على الملامح العربية. السترة الهندية الطويلة ذات القبة الضيّقة، كتحية لأجداده الهنود. والسترة اليمنية الملونة، للواقع الجغرافي الذي يعيشه.

كان غالب بن عوض القعيطي، سلطان الدولة القعيطية، حتى تنازله ـ أو إرغامه على التنازل ـ عن السلطة بعد استيلاء الجبهة القومية أيضاً على دولته في سبتمبر 1967، واقفاً على رأس الدرج الخشبي الطويل عندما استقبلني في القصر السلطاني في المكلا، الذي لا يبعد إلا خطوات عن المستشارية البريطانية في الطرف الآخر من الشارع الترابي الضيّق الذي يفصل بينهما.

وظننته بادئ الأمر، وأنا أصعد الدرج الخشبي الطويل أحد المرافقين الذين في انتظاري، حتى يقودني إلى الحضرة السلطانية، لأنه لم يكن أمام السور الخارجي للقصر إلا جندي واحد حافٍ يحمل بندقية عتيقة، لم يسألني إلى أين وأنا أمر بكل حرية.

لم أكتشف أنه السلطان غالب، إلا وهو يمد يده ليصافحني مرحباً بإنجليزية سليمة ويقودني بنفسه إلى غرفة الاستقبال. كان شاباً في الثامنة عشرة، خجولاً، يسير وفي يده عصا من البامبو الهندي المطعّم وكأنه يعرج.

وبدا مرتبكاً، كأنه يستقبل إنساناً من عالم غريب، مطرقاً في الأرض يفرك يداً بيد ويتحدث بصوت لا يكاد يكون مسموعاً.

بدأ السلطان الصغير حديثه بحياء شديد، وقال بصوت منخفض، أنا الابن الأكبر من بين ثلاث بنات وصبي. والدي السلطان عوض، كان متزوجاً من ثلاث نساء. أمي ابنة عم حيدر أباد، وهي اليوم في الهند. وأنا من مواليد حيدر أباد، وقد عشت وتلقيت قسطاً من تعليمي في الهند، وأتكلم الأوردية بطلاقة.

* والعربية؟

ـ عربيتي المكتوبة ما زالت ركيكة، فمن الأفضل أن نستمر بإلانجليزية خوفاً من اختلاف اللهجة.

* ومن بعد الهند إلى أين؟

ـ أرسلني والدي إلى السودان لأتعلم العربية، وبقيت هناك سنتين كنت أعود خلالها إلى القعيطي. وبعدها ذهبت إلى بريطانيا، حيث أتممت تعليمي الثانوي في كلية «ميلفيلد» وكنت أنوي دخول الجامعة لولا موت والدي. لقد كان طموحي أن أدرس في أوكسفورد، كنت مؤهلاً للدخول إليها، ولكن.

وأطرق السلطان غالب في الأرض من جديد، وقد اختنق صوته مع الجملة الأخيرة، وارتسمت على وجهه أمارات حزن، وكأن هذا القصر، وهذا المكان، وهذا الحديث، آخر ما يتمناه في الدنيا.

ولم أعد أسمع صوته، فصرت أستعيد الكلمات منه. وانتقلت من مقعدي إلى جانبه ولم يتحسن الوضع قط..

قلت له: لا بد أن يكون لك كشاب مثقف آراء سياسية معينة، فهل تستطيع أن توضح لي بعضها؟

ابتسم السلطان غالب بخفر وقال: أريد أن أرفع كاهل الفقر عن بلدي.

وقلت له: صور الرئيس عبد الناصر لفتت نظري في كل دكان في المكلا وعلى أكثر السيارات، مع صور عبد الله السلال وعبد الحكيم عامر وعبد السلام عارف، حتى إن هناك دكاناً لا يبيع إلا صور جمال عبد الناصر.

ـ هذا صحيح. فنحن الحضارمة نحب عبد الناصر، ونسمع إذاعة صوت العرب، والشعب يعتقد أن عبد الناصر رجلٌ عمل الكثير من أجل العرب.

* وأنت ما رأيك فيه؟

ـ عبد الناصر رجل وطني.

وسكت السلطان الخجول، وكأنه أزاح عن كاهله عبئاً.

* وهل تعتقد أن الزمن سينتظرك؟

ـ لا يهم. المهم أنني أسعى لكي أؤمّن لشعبي حياة كريمة، يكون هو سيداً على مقدراته وخيراته.

ورأيت، وقد جاء الخادم بالشاي ثانية، أن أبتعد عن السياسة.

* أي كتب تقرأ؟

ـ لا أقرأ الروايات ولا الشعر، وعندي مجموعة كبيرة من الكتب. وأقرأ الآن كتاباً عن الدستور السوري بالعربية لمؤلف نسيت اسمه، وكتاباً آخر عن علم قراءة الكف.

ولم أسأل السلطان عن أي دستور من الدساتير السورية يقرأ.

* قل لي، ما هو طموحك الحقيقي؟

ـ وقف السلطان الصغير ونحن نسير عبر الغرفة في طريقنا إلى الباب وقال: بصراحة، طموحي أن أدرس الفلسفة في أوكسفورد.

وأخذني بيدي في جولة قصيرة في غرف القصر. وكانت الغرفة الأولى غرفة العرش، يتصدرها مقعد قديم مصنوع من الفضة هدية من الهند، وعلى جدرانها صور السلاطين الذين حكموا دولة القعيطي خلال أربعمئة سنة. أما أثاثها ومحتوياتها، فهي كما في غرف القصر الأخرى. وأي بيت قديم في حي السراسقة يحوي من الأثاث والتحف أكثر بألف مرة مما في قصر السلطان.

وافترقنا عند الدرج. وودعت الشاب الصغير الذي كان يحكم أكبر سلطنة في الجنوب العربي، وشعرت بأنني تركت إنساناً وحيداً بين جدران قصر قديم نسيتْه الأيام، يحاول رجل صغير أن يزيح عنه عقارب الزمن التي صدئت، وكله أمل وطموح وتفاؤل. فالساكن الجديد لقصر الأشباح في عالم تجتاحه الثورات اليوم، لم يكن يدرك بعْد أبعاد المأزق الذي يواجهه، ولا عمق المأساة التي قد تطيحه ـ وقد فعلت ـ في ساعة غضب ثوري.

ورحت أبحث في شوارع المكلا عن صورة للسلطان. وعند كل دكان كنت أسأل عن صورة له، وكان الجواب: عندنا صور لعبد الناصر، لعامر، لعارف، للسلال. أما للسلطان فلا.

وفي صباح اليوم التالي، وكان السلطان الصغير عرف حكايتي، أرسل إليَّ الصورة الوحيدة التي يملكها وتوقيعه عليها. وشعرت بأن المكلا في هذا الصباح، بلدة حزينة، يغسل أقدامها بحر طاهر، ويحكمها أمير فقير، بينه وبين الغد سباق. فإما أن يغرقه مدّ الثورة وكلَّ نياته الحسنة، وإما أن يركب البحر إلى شاطئ بعيد. وأغرقته الثورة وسبقه الغد، فرحل إلى أرض غريبة بعيدة.