ينقلنا المؤلف في هذه الحلقة من الكتاب إلى آسيا الوسطى وبالتحديد إلى مدينة سمرقند لنتعرف على أطلال حضارة عريقة وأمجاد طواها النسيان وعلاها غبار الإهمال طوال عقود الحقبة السوفييتية، ولنغوص معه في أعماق التاريخ بأحداثه وأبطاله الذين، وإن غابوا عن الدنيا، فإن آثارهم الخالدة لا تزال ماثلة للعيان حتى يومنا هذا لتدلل على عظيم ما قدمه العرب والمسلمون للبشرية جمعاء.
آسيا الوسطى: سمرقند
الزمان: سبتمبر 1992
في يوم من أيام شهر سبتمبر 1992، تذكرت فجأة زميلي السابق في جريدة «النهار» الروائي أمين معلوف، عندما حطّت بي الطائرة الأوزبكية في مطار سمرقند قادمة من إسطنبول، ولم تكن الطائرة بالفعل سوى طائرة سوفييتية من طراز «أنتونوف» ما زال شعار الاتحاد السوفييتي مرسوماً على جوانبها، واسم «أيروفلوت» مكتوباً على أجنحتها.
خطر في بالي أمين معلوف وأنا أطأ أرض مطار المدينة، لأنني كنت شبه متيقن بأن الأبطال الذين سأسعى إلى لقائهم في هذا البلد السحري، لا علاقة لهم بأبطال روايته «سمرقند» وبالتالي فإن التنافس سيكون على أشده بين معارفي ومعارفه. فأبطالي قائمون في حقيقة التاريخ، وأبطاله وهميون حتى في هامش التاريخ، لكن ما العمل إذا كان أبطاله أكثر شهرة من أبطالي؟
هو روائي، وأنا صحافي.
لذلك شعرت بشيء من خيبة الأمل، عندما لم أجد في استقبالي لا أمين معلوف مؤلف الرواية ولا أحداً من أبطاله: لا صاحب الرباعيات عمر الخيام، ولا زعيم الحشاشين حسن الصباح، ولا قاضي القضاة أبو طاهر. تذكرت أمين معلوف لأن موظف أمن المطار الأوزبكي ـ السوفييتي المظهر، الماركسي التدريب ـ أعطاني مجموعة من البيانات لأجاوب عن كل سؤال فيها ما عدا السؤال عن مخطوطة رباعيات الخيام التي ضاعت ثم وجدها أمين معلوف في روايته. وعندما سألني الموظف باستحياء عما إذا كنت «مسلمان» ـ أي مسلماً ـ وهززت رأسي بالإيجاب، تضاءل فجأة عدد الأوراق التي بين يدي إلى ورقتين ليستا سوى مجرد إقرار جمركي بالعملة الصعبة التي أحملها، وارتسمت ابتسامة ترحيب ودي على وجهه المغولي الملامح، وختم جوازي بختم الاتحاد السوفييتي المنقرض لا بختم جمهورية أوزبكستان المستقلة حديثاً. وقال لي بالأوزبكية ـ ما ترجم لي فيما بعد ـ: «مرحباً بك في سمرقند».
أي سمرقند يا ترى؟ سمرقند الفنتازيا أم سمرقند الواقع؟
وتأهبت لدخول المدينة الذهبية!
وعندما اقتادتني صبية حسناء تتكلم الإنكليزية بطلاقة وتعمل دليلة سياحية في شركة «أنتوريست» السوفييتية السابقة، إلى الحافلة السياحية التي كانت تنتظرنا خارج مبنى المطار، سألتني: من أين أنت؟
أجبتها: أنا عربي من سوريا، مقيم في ثلاثة بلدان دفعة واحدة، جوال آفاق، أعمل في الصحافة والكتابة والنشر. فقالت كأنها تريد أن تطمئن أكثر: هل أنت «مُسلمان»؟
قلت لها: نعم والحمد لله.
ويبدو أن جملة «الحمد لله» أعجبتها أكثر من تأكيدي لها بنعم، فكشفت عن أسنانها التي اختفت بينها سنان ذهبيتان بابتسامة وقالت: وأنا.. الحمد لله.
قلت للسمراء الأوزبكية ذات الشعر الكستنائي: ما اسمك؟ وأين تعلمت الإنكليزية؟
قالت: اسمي فاطمة (ولفظتها فاتيما): دَرَسْتُ التاريخ في جامعة طشقند وتعلمت الإنكليزية فيها على يد أستاذ إنكليزي علمنا لمدة ثلاثة أشهر، وأجيد إلى جانب الأوزبكية الطاجيكية والروسية، وأفهم الفارسية لأن أمي طاجيكية من أصل فارسي، وأبي أوزبكي، وجامعتي سوفييتية. ولغة التعليم عندنا هي الأوزبكية والروسية التي هي لغة الدولة الرسمية إلى جانب اللغة المحلية لكل جمهورية.
واعتقدت فاطمة الأوزبكية أنها عرّفت بنفسها قدر المطلوب. وكانت الحافلة السياحية قد أقلعت بنا نحو المدينة، والنهار يميل إلى الغسق، وبدأت معالم مدينة رمادية هرمة ذات لون واحد تتراءى لي عبر شوارع عريضة يقطعها خط ترولي ـ باص كهربائي يمر من أمام مجموعة أبنية متشابهة هي مساكن شعبية قديمة، غسيل سكانها منشور على شرفاتها كأنه أعلام تذكرك بالوجود السوفييتي الذي بناها خلال السبعين سنة الأخيرة. وإذا حاولت أن تنظر إلى ما وراء هذه الأبنية، فلن ترى سوى دخان مصنع ما يحجب الرؤية إلى ما هو أبعد من أول شجرة صفراء تقف بحياء على زاوية رصيف ضيق.
مرآة العالم
شعرت بشيء من خيبة الأمل وأنا أرى دخان التلوث يهدد «مرآة العالم» و«الجنة الرابعة» و«صديقة الروح» ـ وكلها ألقاب أغدقها المؤرخون والرحالة عبر العصور على سمرقند، فانتفضت جالساً، وسألت دليلتي فاطمة بشيء من الحدة:
أهذه هي عاصمة تيمورلنك؟ أين اختفت قصوره ومساجده ومدارسه؟ هل دمرها الزلزال أم سرقها اللصوص أم عصفت بها الرياح فأعادتها إلى الصحراء؟
ابتسمت الأوزبكية الحسناء ابتسامة واسعة أسفرت بوضوح أكثر عن السنين الذهبيتين اللتين ترصعان فمها، وقالت ببرود يعادل حدتي، وكأنها اعتادت دائماً سؤالاً كسؤالي: هناك خيبة أمل يصاب بها رحالو اليوم عندما يزورون مدناً معينة، فيصدمون عندما يجدون أنها ليست كما تصوروها أو قرأوا عنها. وسمرقند مثال صارخ على ذلك، فأنت تزورها اليوم وهي في قمة انحدارها بعد سبعة عقود من حكم روسيا لها واضطهاد موسكو لشخصيتها وتفتيت السوفييت لوحدتها الدينية والثقافية، فقد تخلت عن دورها كعاصمة لأوزبكستان لمدينة حديثة اسمها طشقند، بقدر ما فقدت زهوها وبريقها كأجمل وأهم مدائن آسيا الوسطى، لكنك عندما تصل إلى ساحة «راغستان» حيث يجري الآن ترميمها لإعادتها إلى بهائها ورونقها القديمين، أو تمر أمام مسجد «بيبي خانم»، الذي بُني ليكون أعظم جامع في ديار الإسلام، أو تسبح بعينيك في بحر من الزرقة وأنت تتطلع إلى أضرحة «شاهي زندا»، التي ما زالت تبهر النظر بعد ستة قرون، تدرك أن بقاء هذه المعالم الرائعة ما زال دليلاً على إصرار الشعب الأوزبكي على الحفاظ على تاريخه الحضاري وتراثه المعماري، واعتزازه بهما.
وكأن مرافقتي خشيت من أن أعتبر أن ردها جاء «وطنياً» أكثر مما ينبغي، فأردفت قائلة:
هل ترى هذه المنازل المعلبة التي نمر عليها؟ إنها منازل يسكنها الروس الذين يديرون المصانع. أما نحن الأوزبك فنسكن التاريخ. وضحكت.
كانت الحافلة قد وصلت إلى مشارف سمرقند ـ المدينة، عندما بدأت معالم التاريخ تظهر على جانبي الطريق. كل ما كنت تتصوره وما تشاهده في الكتب قد أصبح حياً. وفي لحظة تنسى العلب الرمادية التي يسكنها الروس والتي مررت عليها قبل دقائق، ودخان التلوث الذي استنشقته قبل أمتار والترولي ـ باص المحمّل بأكداس من البشر (ملابسهم بألوان قوس قزح وملامحهم توحي بتشكيلات إثنية متعددة) والذي كان قد سد عليك تقاطع الشوارع الرئيسية. فجأة تتقابل أنت والتاريخ وجهاً لوجه، وتغرق في اللحظة التي أنت فيها، وفي اللحظة التي تريد أن تكونها. لقد وصلت إلى سمرقند.
المدينة الساحرة
ليس هناك اسم في سيرة المدن المستمرة في التاريخ يحمل سحراً كسحر اسم سمرقند. وليست هناك مدينة توحي بالبعد وتعيش هاجس التاريخ كسمرقند. وليس هناك مكان يغري الرحالة بالسفر كسمرقند. وكل رحلة إلى آسيا الوسطى لا تمر بسمرقند هي رحلة ناقصة في الواقع وفي الخيال، فأنت تحس بشذا التاريخ لحظة تقع عيناك على أول قبة تركوازية أو مئذنة فيروزية، وتنهار مقاومتك لمنطق العصر وتطوره وأنت تقف أمام ثلاثة آلاف سنة من تاريخ حضارة حيّة ومستمرة. وعندما تبسط نظرك على سمرقند المدينة، تتكشف لك أنها واحة مهددة بأن تعيدها لحظة تخلٍ في أي وقت إلى الصحراء.
وكأنها تعيش على الدوام تحت رحمة ريح رملية. فهي وبخارى تقعان على طرفي وادي نهر زِرَفْشان بين ما هو معروف بالجبال السماوية أو «تيان شان» إلى الشرق وصحراء الرمال السوداء أو «قره قم» إلى الغرب، فضفتا أكبر الأنهار آمو ـ داريا (أو «أوكسس» كما كان يسميه الإغريق القدماء أو «جيحون» كما كان يسميه العرب الفاتحون) بعيدتان آلاف الفراسخ عنها. وكأن قدر سمرقند هو أن تدفع رمال الصحراء ورمال النسيان دون الطغيان عليها من غير أن تستجدي ذلك النهر البعيد.
قليلة هي المدن التي شغلت مخيلات الرجال مثلما شغلتها مدن القوافل في آسيا الوسطى. وقليلة هي الأماكن التي استحوذت على عقول الناس مثلما استحوذت عليها معالم طريق الحرير، قبل أن يلغيه البحر وتختصره السفن العابرة من الغرب إلى الشرق بحثاً عن التوابل والحرير. أربعمائة سنة كاملة ومدن آسيا الوسطى الثلاث الأساسية ـ سمرقند، بخارى وخيوا ـ مقفلة في وجه الدنيا، وكأن الزمان توقف بمرور آخر قافلة من شواطئ البحر المتوسط إلى الصين، من غير رجعة. وقليلة هي الأمصار التي شحذت قريحة الشعراء والكتّاب والفنانين في الغرب مثلما فعلت سمرقند تحديداً بمخيلة هؤلاء الرومانسيين، من دون أن يزوروها أو حتى يعرفوا تحديداً مكانها على الخريطة.
الأسماء كثيرة، لكن أشهرها على الإطلاق كان بالنسبة إليَّ الشاعر الإنكليزي جيمس إلروي فليكر (1884 ـ 1915) الذي لم يسافر في حياته إلى أبعد من بيروت. وكان فليكر قد درس اللغات الشرقية في جامعة كيمبردج ودخل السلك القنصلي البريطاني، فخدم أولاً في إسطنبول ثم عيّن نائباً للقنصل البريطاني في بيروت في مطلع هذا القرن. وكان فليكر أول من أثار مخيلة الناس حول سمرقند في الأدب الإنكليزي الرومانسي بمسرحيته الشعرية «حسن: قصة حسن البغدادي وكيف قام برحلته الذهبية إلى سمرقند»، التي كتبها العام 1913 في بيروت قبل وفاته شاباً بحوالي سنتين، ولم تُمثل حتى العام 1923، وصدرت في طبعة محدودة مع رسوم ملونة في كتاب العام 1924، والتي اشتهرت فيما بعد فقط باسم «الرحلة الذهبية إلى سمرقند».
ولعلي أول ما سمعت باسم «سمرقند» عندما كنت تلميذاً في مدرسة برمانا العالية في الخمسينات حيث درسنا هذه المسرحية الشعرية بحماسة لأن أستاذ الأدب الإنكليزي قال لنا إن فليكر كان يزور برمانا والمدرسة بين حين وآخر، وهو قنصل في بيروت. ومنذ ذلك التاريخ بقي سحر الاسم ورومانسيته عالقين بذهني، من قبل أن أعرف شيئاً عن تاريخه.
قبل هؤلاء كلهم كان ماركو بولو الإيطالي أول رحالة غربي وصل إلى آسيا الوسطى في القرن الثالث عشر في طريقه إلى الصين، ووصف بخارى بأنها «من أنبل المدن وأوسعها»، ووصف سمرقند بأنها «مدينة كبيرة وبديعة». بعده بقرنين جاء الأوروبي الآخر دون روي غونزاليس دو كاليفو مبعوث هنري الثالث ملك قشتالة الإسباني إلى تيمورلنك في سمرقند في القرن الخامس عشر، ووصف دو كاليفو سمرقند «أنها أكبر من إشبيلية (...) وبين بساتينها الكثير من القصور والمنتزهات الجميلة». وحتى العام 1850 لم ينجح سوى أوروبيين في الوصول إلى سمرقند، إلى أن دخل الروس إليها العام 1862.
حيث حرّموا على غير المسلمين والأجانب الوصول إلى آسيا الوسطى التي كانت تحت الحكم الروسي. حتى لورد كورزون وزير خارجية بريطانيا الذي زار سمرقند في ظل السيطرة الروسية في القرن التاسع عشر، ونزل في ضيافة الحاكم الروسي للمدينة، وصف ساحة راغستان بأنها «ساحة عريقة وضخمة»، وأن بخارى على الرغم من تدهورها «من أمتع المدن وأكثرها تشويقاً في العالم».
وظلت سمرقند وبخارى تثيران فضول الرحالين والمغامرين وتشعلان خيال الناس البعيدين، فهما من المدن المحرمة التي لا يستطيعون الوصول إليها، فمنهم مَن حاول ومات في الطريق، ومنهم مَنْ لم يحاول، فبنى في خياله صورة معينة عن روعتهما، وقضى العمر في تلفيق الأساطير حولهما، ومات حسرة من دون أن يصل إليهما، فقد كانت سمرقند وبخارى من أهم مراكز آسيا التجارية وطريق القوافل من سيبيريا إلى الهند، ومن الصين إلى أوروبا، حاملة الحرير من الشرق، والفراء والعنبر من الشمال، والأحجار الثمينة والتوابل من الجنوب، والعطور والعاج من الغرب.
كان كل شيء يُشتهى يباع ويقايض ويتاجر به في أسواقهما وبازاراتهما. كانتا واحتين من الرخاء والترف ومركزين للعلوم والثقافة والفنون. من خلالهما انتقلت الأفكار والمعلومات مع التجار وبضائعهم إلى مختلف أصقاع العالم، ومعهما تكنولوجيا ذلك العصر. فأول مصنع للورق خارج سور الصين العظيم كان في سمرقند في القرن الثامن، وأكبر مكتبة وأغناها في شرق العالم الإسلامي والتي حوت 45 ألف كتاب كانت في بخارى في القرن العاشر.
الرؤية بعيون عربية
حاولت أن أرى سمرقند وبخارى بعينين عربيتين، فقيل لي إن العرب لم يتركوا أي أثر في هاتين المدينتين سوى الإسلام، وأن الإسلام العربي لم يكن عمارة فقط في ذلك الوقت. وعندما طلبت من دليلتي السياحية فاطمة الأوزبكية أن ترشدني ولو إلى أثر صغير، قالت خريجة التاريخ:
القرآن. ألا ترى آياته محفورة على كل قبة ومئذنة ومحراب ومدرسة وسور وضريح؟ ليس من الممكن أن ترى سمرقند أو بخارى بعينين عربيتين، لأنه ليس فيهما أي شيء عربي إلاّ الإسلام الذي حمله إلينا العرب بلسانه العربي الذي هو القرآن، ولكن من الممكن أن تراهما بعينين إسلاميتين إذا اقتنعت بالحديث الشريف أن لا فرق بين عربي وأعجمي الاّ بالتقوى.
والتقوى هنا بمعنى أن كل هذه الحضارة التي تراها هي من صنع إسلامي، أياً كانت هويته القومية. فصنّاع هذه الحضارة انتموا إلى كل عرق أو جنس أو دسكرة في الإمبراطورية الإسلامية. إننا لم نسأل بناة هذه الحضارة عن هويتهم عندما جاؤوا إلينا، كانت هويتهم الوحيدة هي الإسلام.
وبقدر ما أفحمني جواب فاطمة، بقدر ما شعرت بأنها لم تفهم سؤالي تماماً، فالعين العربية التي حاولت أن أرى بها ما حولي هي البحث عن الدور العربي في أسس هذه الروعة الحضارية، والذي طمسه التاريخ، وحاربه المستعمرون، وألغاه حكم سوفييتي دام سبعين سنة.
كل حضارة عانقت الإسلام، تبنت الخط والزخرفة العربيين، بديلاً من الصور والرسوم للأشخاص، التي يحرمها الإسلام، فأدخل العرب بذلك إلى فن العمارة والديكور تقاليد الخطوط والأشكال الهندسية. فزينت الجوامع والمدارس الدينية التي ظلت مزدهرة في آسيا الوسطى لقرون طويلة، وإن لم يبقَ منها اليوم شيء يذكر.
فسمرقند وبخارى دمرتا مرات ومرات بسبب الغزوات والحروب، إلى جانب غياب مواد البناء القوية كالحجارة، فهي لم تكن متوافرة بينما كان المتوافر يتألف من الطين والطوب والخشب. وهذا النوع من المواد لا يصمد عادة لعاديات الزمن. إلى جانب تفضيل العرب للخيام والسرادقات والمضارب التي يعشقونها، وهم البدو الرحل في الأصل.
مع ازدهار التجارة على الطريق الذهبي، أصبحت كل من سمرقند وبخارى وخيوا في خوارزم مدناً غنية بالمال والثقافة والعلوم والفنون، وتحولت إلى «حواضر» حقيقية.
أمير العلوم
وسط هذا العصر ولد أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا (980 ـ 1037) في بخارى الذي لقّب «أمير العلوم». ففي سن الثامنة عشرة استطاع أن يشفي خان بخارى من مرض أصابه، فكافأه بالسماح له بالاطلاع والعمل في مكتبة المدينة التي أضاف إليها الكثير مما كتبه في الفلسفة والفلك والرياضيات والشعر، إلى جانب الطب، فترجم أرسطو بالعربية.
وكتب كتابه الشهير «القانون» في الطب، الذي هو عبارة عن موسوعة من المعلومات الطبية من الصين والهند وفارس ومصر واليونان، جمعها من مصادر امتدت إلى عشرة قرون. وكان هذا الكتاب من الأهمية حيث ترجم باللاتينية. وأصدر البابا صكاً بابوياً بالسماح بتعليمه في أوروبا. وظل كتاب «القانون» لابن سينا معتمداً في كليات الطب الأوروبية أساساً للمعارف الطبية العامة حتى بدء الاكتشافات الطبية العلمية في القرن التاسع عشر. كذلك ألّف كتاب «الشفاء» في القانون، وعمل في السياسة، وعيّن وزيراً في البلاط.
وفي خيوا ولد محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني (973 ـ 1048)، الذي كتب في كل فروع المعرفة الإنسانية، واضعاً مبادئ الجيولوجيا الحديثة وعلم الفلك، باحثاً في سرعتي الضوء والصوت، دارساً احتمال دوران الأرض على محورها قبل 600 سنة من غاليليو في إيطاليا. أقام في الهند بضع سنين واطلع على فلسفة اليونانيين والهنود.
ومن كتبه الكثيرة: «الآثار الباقية عن القرون الخالية» الذي ترجم إلى الإنكليزية و«الاستيعاب في صفة الإسطرلاب» و«الجماهر في معرفة الجواهر» و«تاريخ الهند» الذي ترجم إلى الإنكليزية في مجلدين. و«تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن». و«التفهيم لصناعة التنجيم». وقد نقل ياقوت الحموي الكثير عن كتبه.
وفي سمرقند ولد أُولوغْ بيك (1404 ـ 1449) عالم الفلك الشهير وحفيد تيمورلنك، والذي بنى أول مرصد في العالم الإسلامي العام 1417، على هضبة خارج سمرقند، وكتب على بابه: «العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة». ورسم أول خريطة للأجرام والأفلاك السماوية، مكتشفاً مراكز واتجاهات سير مائة ألف نجم وجرم.
واستطاع أن يحسب بدقة علمية متناهية، وبالمعايير العلمية الحديثة، طول السنة الشمسية بـ 365 يوماً و6 ساعات و9 دقائق و6,9 ثوان. واعترف الغرب بفضله العلمي الكبير عندما نشرت جامعة أكسفورد أوراقه العام 1652. وكانت قد ترجمت أبحاثه قبل ذلك باللاتينية والصينية، واعتمدها العلماء في كل مكان، وعندما اغتيل أُولوغْ بيك من قبل ابنه العام 1449، كان يعمل ويدرس في مرصده ومدرسته أكثر من ألف فلكي وتلميذ.
وفي خوارزم ولد عالم الرياضيات الشهير محمد بن موسى الخوارزمي حوالي العام 848، والذي كان ينعت بالأستاذ والذي أهدى إلى العالم علم الجبر واللوغاريتمات بكتابه «الجبر والمقابلة» الذي ترجم إلى اللاتينية ومن ثم إلى الإنكليزية، وإلى جانب كونه رياضياً، كان فلكياً ومؤرخاً. عيّنه الخليفة العباسي المأمون قيِّماً على خزانة كتبه في بغداد وعهد إليه بجمع الكتب اليونانية وترجمتها.
فترجم كتاب «المجسطي» لبطليموس مختصراً، وسماه «السند هند»، والذي كان أساساً لعلم الفلك بعد الإسلام، وألف كتاب «عمل الإسطرلاب» وكتاب «التاريخ» الذي، نقل عنه الأصفهاني، وكتاب «رسم المعمورة من البلاد» الذي فيه كتاب «وصف أفريقية» و«صورة الأرض من المدن والجبال» الذي نقل عنه المسعودي. ويقال إنه مات في بغداد بعد وفاة الخليفة العباسي الواثق بالله.
وفي بخارى ولد محمد بن إسماعيل البخاري (811 ـ 871) صاحب «الجامع الصحيح» المعروف بصحيح البخاري، فهو أول من وضع في الإسلام كتاباً في الأحاديث الصحيحة التي وُثِقَ برُوَاتِها. ويعتبر كتابه هذا أوثق كتب السنّة المعوَّل عليها. والبخاري مؤرخ، وإمام أهل الحديث في عصره، قام برحلة طويلة العام 826 في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، وسمع من نحو ألف شيخ. وعندما كتب كتابه تعصب عليه جماعة من بخارى ورموه بالتهم، فأُخرج إلى سمرقند، ومات فيها. وإذا كان «الصحيح» هو أشهر كتب البخاري على الإطلاق، فله كتاب «الضعفاء» في رجال الحديث و«خلق أفعال العباد» و«الأدب المفرد» و«التاريخ».
وفي فاراب على ضفاف نهر آمو ـ داريا (أو جيحون كما سماه العرب). ولد أبو النصر الفارابي (874 ـ 950) أكبر فلاسفة المسلمين. ومنها انتقل إلى بغداد، وألف فيها أكثر كتبه، ورحل إلى مصر والشام، واتصل بسيف الدولة الحمداني، وتوفي في دمشق. وكان الفارابي يُعرف بالمعلم الثاني، وكان يحسن اليونانية وأكثر اللغات الشرقية المعروفة في عصره.
شرح مؤلفات أرسطو، الذي كان يُعرف بالمعلم الأول، وله نحو مائة كتاب، من بينها: «الفصوص» الذي ترجم بالألمانية و«آراء أهل المدينة الفاضلة»، و«مبادئ الموجودات» الذي ترجم بالعبرية، و«السياسة المدنية»، و«جوامع السياسة». ويقال أنه وضع الآلة الموسيقية التي تعرف ب»القانون». وألّف في الموسيقى كتاب «إحصاء الإيقاعات» عن النغم، وكتاب «المدخل إلى صناعة الموسيقى» عن الآلات الموسيقية، وكتاب «الموسيقي الكبير».
توقفت لحظة أمام معارفي الجدد، وضحكت في داخلي للمنافسة غير المتكافئة التي ستواجهني مع مؤلف رواية «سمرقند». وتمنيت مرة أخرى لو كان معي هو وأبطاله.