لأنه من الصعب على المرء أن يفهم حاضر مدينة ما من دون أن يتوغل في تاريخها، فإن مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا يروي لنا في هذه الحلقة نفحات من تاريخ مدينة سمرقند بأسلوب تمتزج فيه الحقيقة بالأسطورة ليقدم لنا وصفاً رائعاً لحاضرة ظلت منارة العلم والثقافة طوال قرون، وتوالى على حكمها قادة وزعماء عظام استطاعوا أن يحافظوا عليها في الصدارة رغم مطامع الغزاة والمحتلين وحملات النهب والسلب والدمار.
سمرقند الزمان: سبتمبر 1992 من أي باب من أبواب سمرقند تدخل؟ وإلى أي حي من أحيائها تلج؟ وأي حديث تفتحه مع روادها؟ليس هناك إلاّ باب واحد تدخل منه إلى سمرقند المعاصرة: وهو باب التاريخ. والتاريخ تاريخان التاريخ الموثّق والتاريخ الأسطوري. ومن الصعب الفصل بين التاريخ والأسطورة في أي حديث، ومع أي كان في سمرقند اليوم. لكن لا بد من أن يكون للتاريخ بداية وأن يكون للحديث نهاية.يقول التاريخ إن سمرقند ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان اسمها أفراسياب. وهو اسم لملك نصفه إله من ملوك السوغدان. ويضيف التاريخ أن الإغريق كانوا يسمونها قراقندا، وأن الإسكندر المقدوني واجه أولى هزائمه القليلة فيها، بعد أن عبر نهر آمو ـ داريا في خمسة أيام. وتنسب مخطوطة تعود إلى العصر المقدوني أنها كانت أيام الإسكندر بلدة كبيرة ذات تحصينات وقلعة وسور دفاعي يمتد حوالي 14 كيلومتراً، وتملك صناعة يدوية وتجارة مزدهرة وحياة ثقافية. وقد عثر علماء الآثار السوفييت في تلال أفراسياب على بقايا قلعة وسور بامتداد 80 متراً وارتفاع 13 متراً، وفي أسفله بقايا قصور ومعابد وأسواق وشوارع وأقنية.
وسمرقند تقع على مثلث من الأرض فوق تلة في منطقة مهملة ما زال اسمها أفراسياب، تشكل اليوم ضواحي المدينة. ولا شيء فيها يُذكر بأي حضارة قديمة كانت هناك. ولأن سمرقند اعتمدت في حياتها على نهر زرفشان الذي يجمع مياهه من الجبال السماوية، فقد استقطبت دائماً قبائل البدو التي كانت تأتي للغزو قادمة إليها من الصحراء المجاورة والسهول الشمالية.
ولكن سرعان ما كان يطيب لها المناخ فتقيم وتتحول إلى مجتمع من الحضر. وعندما دمر الفاتح العربي قتيبة بن مسلم المدينة في القرن الثامن، هُجِرَت أفراسياب وأُهْمِلَت. وعندما أعيد بناء سمرقند، أصبحت أفراسياب منطقة الحِرفيين والصناعات اليدوية. وفي تلال أفراسياب اكتشف الأثريون بقايا مسجد كبير، يظن أن مجموعة من المدافعين عن المدينة اعتصموا فيه لمواجهة جنكيز خان وجيوشه. وقد وجدوا بقايا بريد وسلاح وجدران محروقة عليها كتابة محفورة بالسكين لجندي جريح.
وتقول الأسطورة إن تاريخ الفتح العربي لآسيا الوسطى كان معلقاً بحذاء امرأة، هو الأغلى في العالم، فقد كانت تحكم بخارى أميرة جميلة اسمها خاتون، كانت وصية على العرش حيث كان ابنها قاصراً. وعندما وصلت جيوش الفتح العربي إلى أسوار المدينة، هربت خاتون. لكنها في أثناء هروبها سقط من قدميها حذاؤها الذهبي المرصع الذي كان يقدر ثمنه بحوالي مائتي ألف درهم من دراهم تلك الأيام.
وحزنت خاتون لضياع حذائها الثمين، فقررت أن تعود إلى بخارى لاستعادته. وفوجئت عند عودتها بأن المدينة ما زالت صامدة في وجه الجيوش العربية. فاستعادت الحكم وتزعمت ثورة شعبية، أخرت الفتح العربي ثلاث سنوات، وكلفته أربع حملات عسكرية بين العامين 706 و709 قبل أن تحتل جيوش قتيبة بن مسلم بخارى. وكانت الجيوش العربية قد وصلت إلى آسيا الوسطى، وقطعت نهر آمو ـ داريا في العام 654، لكن العرب لم يفتحوا المدن ويتولوا السلطة في آسيا الوسطى إلاّ بعد أن أصبح قتيبة بن مسلم والياً على خراسان العام 705، حيث حقق أول انتصاراته بهزيمة خاتون أميرة بخارى الجميلة.
أما سمرقند فقد سقطت بيد قتيبة بن مسلم في العام 711 . ومن الأساطير التاريخية الأخرى المتداولة أنه عند وصول القوات العربية إلى أبواب المدينة، خرج أهاليها من وراء الأسوار ليقنعوا قادة الفتح العربي بألا يضيعوا وقتهم في حصارها، لأنهم وجدوا «ما هو مكتوب أن مدينتنا لن تسقط إلاّ على يد رجل اسمه سرج الجمل». ولما لم يكن أهالي سمرقند يعرفون العربية، لم يدركوا أن اسم قتيبة يعني «سرج الجمل». ومنذ ذلك الوقت دخل أهالي سمرقند في الإسلام، وقرروا أن يتعلموا العربية حتى يجيدوا قراءة طالعهم في كتبهم القديمة الصفراء.
الدور العربي
لكن تاريخ الإسلام في آسيا الوسطى ليس كله تاريخاً عربياً. إنه تاريخ يشترك فيه الفرس والأتراك الشرقيون والعثمانيون والقوقازيون الذين رسخوا الإسلام بطرق مختلفة في الأقاليم الواسعة الممتدة من القوقاز حتى حدود الصين، ومن قازان حتى حدود إيران وأفغانستان. غير أن أهمية الدور العربي كانت تكمن في استطاعة العرب التوغل إلى وراء نهر آمو ـ داريا (أو جيحون) وقدرة جيوشهم الفاتحة على التحرك حيث استطاعوا أن يفتحوا بين العامين 706 و716 كل الأقاليم الواقعة جنوب نهر سير ـ داريا، إلى أن سقطت مدينة باكو (عاصمة أذربيجان اليوم) إثر حصار طويل لها بدأ في العام 676 .
لقد أدخل العرب الإسلام إلى آسيا الوسطى عن طريق الفتح العسكري، لكن سرعان ما استبدل به خلفاء الدولة العباسية في بغداد، وخاصة في الفترة الشعوبية المتأخرة، النشاط الدبلوماسي الذي تولاه من بعدهم خلفاء بني عثمان في إمبراطوريتهم العثمانية المترامية الأطراف، لكن الفضل الأساسي في انتشار الإسلام واستمراريته يعود إلى نشاط التجار المسلمين، من عرب وفرس وأتراك، الذين أتاح لهم الفتح العربي التجول في آسيا الوسطى.
ومع هؤلاء التجار، دخل عدد من أصحاب الطرق الصوفية، الذين شكلوا جماعات في الداخل، أدت دوراً مهماً في تأصيل الإسلام والمحافظة عليه. وفي منتصف القرن العاشر كان الإسلام قد سيطر بلا منازع على المنطقة التي أصبحت أحد المراكز الحضارية والثقافية الأهم والأروع في العالم الإسلامي، وظلت على تفاعلها الحيوي وانفتاحها حتى نهاية القرن السادس عشر.
في منتصف القرن الثامن، كان دور قتيبة بن مسلم وقواده من العرب قد انتهى بعد أن انضوى معظم آسيا الوسطى تحت راية الإسلام. في هذا الوقت بالذات كانت الصين في مرحلة توسع، فوقعت أول وآخر مواجهة بين العرب والصينيين في التاريخ. وكان ذلك في العام 751 . ففي موقع اسمه طلاس قرب دزنبول (في كازاخستان اليوم) تقرر أي من الحضارتين ـ الإسلامية أم الصينية ـ ستنتصر في آسيا الوسطى، على الرغم من أن أياً من القوتين العربية والصينية لم تكن مستعدة للحرب لولا خلاف بين إمارتين صغيرتين:
فرغانة وشاش. وكما يحدث عادة في كل الخلافات، استعانت فرغانة بالصين وشاش بالعرب. وحمي وطيس المعارك خمسة أيام في طلاس من غير نتيجة حاسمة لأي من الطرفين. إلى أن دخل عامل ثالث في المعركة، فقد انضم في اليوم السادس ترك القارلوق إلى العرب والشاشانيين، فهجموا في خطة عسكرية محكّمة على مؤخرة القوات الصينية وهزموها، فتبعثرت الجيوش الصينية وهربت متراجعة، ولم تعد الصين منذ ذلك اليوم إلى آسيا الوسطى. في الوقت نفسه لم يلاحق العرب الصينيين تاركين لهم الانسحاب إلى داخل حدودهم، معلنين بذلك توقف التوسع العربي. وحسم الأتراك النصر لمصلحة الإسلام.
وكان لمعركة طلاس أثر حضاري مهم إذ إن الصينيين الذين أسرهم العرب نقلوا إليهم وعلموهم صناعة الورق، التي نقلها العرب بدورهم إلى الغرب. وكانت تلك أول عملية انتقال للتكنولوجيا بين دولة وأخرى في التاريخ. وعلى الرغم من أن العرب لم يبقوا في آسيا الوسطى أكثر من قرنين، إلاّ أنهم أبقوا بصماتهم على المنطقة كلها الممتدة جنوبي بحر الأورال، تاركين لها إلى جانب الإسلام، الحرف العربي الذي ظل مستعملاً 1300 سنة في الكتابة والزخرفة، حتى خمسين سنة خلت حين فرض الحكم السوفييتي على الجمهوريات الإسلامية الحرف الروسي.
وبحلول القرن العاشر أصبح الإسلام الدين الأكثر انتشاراً في آسيا الوسطى، حالاًّ محل البوذية والزرادشتية والمانوية والمسيحية النسطورية التي كانت تتنازع فيما بينها. ولم يعش بين الأديان التي جاءت قبل الإسلام إلاّ مجموعة صغيرة من اليهود في كل من بخارى وسمرقند. وعلى الرغم من اعتناق الأتراك للإسلام إلاّ أنهم أبقوا على تقاليدهم وخصائص ثقافتهم، وظلت التركية لغتهم ولغة أكثر آسيا الوسطى، التي عرفت بتركستان.
وفي نهاية القرن العاشر سقطت الأسرة السامانية وهي أسرة فارسية الأصل كانت عاصمتها بخارى على أيدي الترك الذين جعلوا عاصمتهم سمرقند بدلاً من بخارى، وحكموا المنطقة حتى منتصف القرن الثاني عشر، والذين هزموا بدورهم على أيدي القرقيز، وهم قبائل مغولية من أصل صيني وذات حضارة صينية الطابع. لكن في القرن الحادي عشر كانت قد ظهرت قوة جديدة في آسيا الوسطى هم الأتراك السلاجقة.
وكانوا قد استولوا على ما هو معروف اليوم بإيران والعراق وسوريا وأخيراً تركيا التي أخذوا منها الاسم. وكانت سيطرة السلاجقة قد وصلت إلى واحة خيوا في خوارزم، على امتداد شواطئ نهر آمو ـ داريا جنوب غربي بحر الأورال وكان سلاطين الأتراك السلاجقة قد عيّنوا الخوارزم شاه حكاماً ممثلين لهم في تلك المنطقة، لكن الخوارزم في العام 1077 قرروا الانفصال عن السلاجقة.
فأعلنوا الاستقلال في دولة لهم جعلوا عاصمتها أورغنش بالقرب من خيوا (خيوا هي اليوم قرية طينية صغيرة مسوّرة تحوي الآثار الإسلامية وسط أورغنش التي هي المدينة ـ العاصمة) وفي مطلع القرن الثالث عشر كان الخوارزميون قد نجحوا في ضم سمرقند وبخارى إلى دولتهم، وأصبحوا القوة المسيطرة في آسيا الوسطى.
في هذا العالم المتداخل وبين الأسر الحاكمة المتصارعة فيما بينها وفي مناطق النفوذ المتنازع عليها، ولد تيموجين ـ أو جنكيز خان كما عرف فيما بعد ـ في منغوليا. تقول الأسطورة إنه ولد من غزالة وذئب. ويقول التاريخ إنه ابن زعيم قبيلة مغولية، لمع اسمه بإخضاع عشيرة من عشائر المغول قيل إنها قتلت أباه. وفي العام 1206 كان قد وحّد القبائل المغولية، وشكل منها أسرع وأهم خيالة في تاريخ الحروب القديمة.
زحف جنكيز خان
دخل جنكيز خان آسيا الوسطى، عندما وقعت الواقعة بينه وبين جيرانه الخوارزم، إلى الغرب. في العام 1218 مرت قافلة مؤلفة من 450 تاجراً من خيوا في طريقها من منغوليا إلى أفغانستان، فهاجمها الخوارزم شاه وقتلوا أفرادها ونهبوا بضائعها بأمر من حاكم أوترار الخوارزمي. وعندما أرسل جنكيز خان مبعوثاً إليه ليحتج على التعدي على القافلة ويستفسر عن مصير بضائعها، قتله حاكم أوترار أيضاً.
وإذا بهذه الحادثة تغير من مجرى التاريخ في آسيا الوسطى والعالم، بإطلاقها أول وأكبر غزو لقبائل من البدو إلى مدن العالم المتحضر. لقد كانت حرية التجارة عند المغول، وظلت عبر تاريخهم كله، الركن الأساسي لسياستهم، وأي تدخل فيها كان يعاقب بحد السيف.
فقاد جنكيز خان مائتي ألف رجل من المغول في حملة ضد أوترار الخوارزمية، ثم بخارى حتى وصل إلى سمرقند. لكنه سرعان ما اجتاح بلاد فارس بعد أن أصبحت آسيا الوسطى كلها تحت أقدام المغول وسنابك خيولهم، ملاحقاً شاه (أو أمير) خوارزم إلى سواحل بحر قزوين. ووصف مؤرخ من أهالي بخارى كان قد هرب من أمام جحافل المغول عند دخول جند جنكيز خان المدينة بأنهم: «جاؤوا، دمروا، أحرقوا، عذبوا، قتلوا ـ ورحلوا».
وإذا كان ذلك مصير بخارى، فإن مصير سمرقند كان أرحم. فقد كانت أكثر تحصيناً من بخارى، وكان لها اثنا عشر باباً، وبين كل بابين قلعة، وعندها 100 ألف مُدافع. لكنها قررت أن تستسلم بدون قتال. لذلك أبقى جنكيز خان أهاليها مقيمين فيها، بعد أن سباها ونهبها. ويقول الرحالة العربي ابن بطوطة الذي مرّ بسمرقند في العام 1333، إنه وجدها مدينة «من غير أسوار ولا أبواب.
قلاعها وقصورها مدمرة ، لكنها واحدة من أكبر وأجمل مدن العالم، فهي مبنية على ضفاف نهر، ويتمشى سكانها على تلك الضفاف كل يوم بعد صلاة العصر (...)». ويصف ابن بطوطة بخارى التي زارها في العام نفسه أيضاً بأنها مدينة «دمرها الملعون جنكيز كلها ما عدا القليل من جوامعها ومدارسها وبعض أسواقها». ويقول عن سكانها، الذين اشتهروا بتقواهم وتنورهم بأنهم كانوا «محتقرين لتعصبهم».
من آسيا الوسطى تقدمت جحافل المغول بقيادة أبناء جنكيز خان نحو الصين من ناحية ونحو شرق أوروبا من ناحية ثانية. ومن جهة أخرى زحفت نحو بلاد الشرق والمتوسط، حتى امتدت إمبراطوريتهم في قمتها من المحيط الهادي إلى الدانوب ومن بورما إلى سيبيريا، وكانت بذلك أكبر إمبراطورية عرفها العالم.
وحكم المغول هذه الإمبراطورية بالقوة، وفرضوا داخل حدودها احترام القانون، حتى إن المؤرخ الفرنسي لويس بولنوا ذكر أن «من الممكن لفتاة أن تحمل على رأسها طبقاً من ذهب وتمشي من طرف إلى طرف عبر الإمبراطورية المغولية من دون أن يضايقها أحد». وإذا كان التاريخ لا يذكر المغول وزعيمهم جنكيز خان إلاّ كغزاة وقتلة، فإن «السلام المغولي» الذي فرضوه في آسيا الوسطى، هو الذي أعطى التجار والرحالة الأوروبيين ـ ومن بينهم ماركو بولو ـ الشعور بالأمان في السفر والترحال، ومكنهم من إحداث أول اتصال في التاريخ بين الصين والغرب.
بعد موت جنكيز خان قسمت إمبراطوريته بين أولاده الأربعة: فذهبت تركستان، بما فيها سمرقند وبخارى إلى ابنه الثاني شاغاتاي، والتي حكمها أولاده وأحفاده من بعده مدة قرن كامل، إلى أن سقط حكم الأسرة الجنكيزية في الإهمال والفساد في منتصف القرن الرابع عشر.
إلاّ أن حلم إمبراطورية آسيوية لم يمت. وكان آخر فصل ذهبي فيه وأكثره مجداً في تركستان في نهاية القرن الرابع عشر ـ بداية القرن الخامس عشر في عصر الأسرة التيمورية. في هذا العصر زها الأدب والشعر، وازدهرت الفنون والتجارة، ونمت العلوم والثقافة، ونهضت كالفينيق مدن كسمرقند وبخارى، وعادت إلى الصدارة من جديد.
ولد تيمور، مؤسس الأسرة التيمورية، في كِشْ جنوب سمرقند في العام 1336 . وكان ابن زعيم قبيلة مغولية ـ تركية. أصيب بجرح في رجله اليمنى في اشتباك محلي، مما أعطاه لقب تيمور الأعرج أو تيمورلنك. وكان قائداً استراتيجياً وعسكرياً بارعاً، إلى جانب كونه لاعب شطرنج ماهراً.
وكان تيمورلنك في الواحدة والعشرين من عمره عندما اتخذ من جنكيز خان مثلاً أعلى له معداً نفسه لغزو العالم. واستطاع خلال نصف قرن عبر حملات عسكرية متعددة الاتجاهات أن يقتطع إمبراطورية تمتد من نهر الأندوس إلى البحر الأسود، وأن يخوض بحاراً من الدم والمذابح، تاركا أهرامات من الجماجم عند مدخل كل مدينة فتحها، أو حيثما مرّ جنوده. وفي العام 1370 كان زعيم تركستان غير المنازع، بانياً قلعته الشهيرة في سمرقند.
وفي العام 1380 كان قد هزم خانات بلاد فارس وأصبح زعيمها وقضى على العشيرة الذهبية في سهوب آسيا الوسطى. وفي العام 1398 قام بغزو الهند، وفي السنة التالية غزا جورجيا. وفي العام 1401 قام بغزو بغداد ودمشق وقضى على المماليك في الشام وبلاد الرافدين. وفي العام 1402 هزم الأتراك العثمانيين في أنقرة ودخل إلى مدينة سميرنا (إزمير اليوم) المسيحية ووقف على بحر إيجه يرقب اليونان. وفي العام 1405 مات تيمورلنك بداء الرئة وهو يعد جيوشه لغزو الصين.لكن التاريخ لم يسترح هنا، فما زال الحديث له، وإن كان ذا شجون.
سمرقند التيمورية
لسمرقند المدينة لون واحد، تجده في سمائها وقبابها ومساجدها ومآذنها وساحاتها ومدارسها وأضرحتها، هو الأزرق الخليط بالسماوي والترك وازي والفيروزي والكحلي. والأزرق هذا، كان اللون المفضل لتيمورلنك باني سمرقند التاريخية من تراب وغبار الصحراء المحيطة بها، الذي أصبح يعرف بلون الإسلام. وسمرقند مغطاة من رأسها إلى أخمص قدميها بالبلاط القيشاني ذي اللون الأزرق بكل ما فيه من خيالات وتفرعات مع تداخلات اللون الأبيض والقليل من الأخضر.
في القرن الرابع عشر كان تيمورلنك قد افتتح كل آسيا، من سور الصين العظيم حتى البحر المتوسط. واختار الفاتح الأعرج سمرقند لتكون عاصمة جديدة لفتوحاته، قرب مكان ولادته في كِشْ. وجمع أهم صنّاع زمانه ليجدد بناء المدينة فيبني من خلالها سمرقند الجديدة جنوب سمرقند القديمة، التي دخلت التاريخ فحافظ عليها بقدر ما حافظت عليه. جاء بالمعماريين والبنائين والنحاتين والنجارين والرسامين والخطاطين من كل بلد افتتحه. وجاء بعلماء الرياضيات ـ إذ كانت الرياضيات هي أساس فن العمارة في القرون الوسطى ـ من فارس والهند وتركستان والشام وبلاد الرافدين.
واستطاعت هذه المواهب والكفاءات المتعددة التي صبت في بحيرة سمرقند أن تعكس في بنائها الجديد الحضارات الأربع الأساسية لبلدانها، فتقيم نهضة عمرانية لا مثيل لها في آسيا الوسطى. وإذا بسمرقند الجديدة، لا هي عربية ولا فارسية ولا تركية ولا هندية. بل هي الأربع معاً في تمازج شكّل مفهوم حضارة التتر.
وجاء حفيده أُولوغْ بيك من بعده ليحوّل سمرقند إلى إحدى عجائب العالم الإسلامي، حين جعل منها مدينة للثقافة والعلم والفكر، بانياً مرصدها الشهير ومدارسها المتعددة، وإذا ببخارى تتحول تحت حكم الأسرة التيمورية إلى مدينة مقدسة، تدعي وجود 365 مسجداً فيها، يستطيع المسلم أن يصلي كل يوم وعلى مدار السنة في مسجد مختلف. واستطاعت هذه المواهب الخلاّقة التي تجمعت في مكان واحد أن تزهو بالحضارة الإسلامية إلى مرتبة لم تصل إليها من قبل ولا من بعد.
وبنى تيمورلنك سوراً عظيماً حول سمرقند الجديدة، طوله سبعة كيلومترات وله ستة أبواب. وبنى قلعة غربي المدينة حفر حولها قنوات مياه عميقة. وداخل القلعة كان «القصر الأزرق» (كوك ساراي)، الذي كان مقر تيمورلنك الأساسي ومركز المالية. وإلى جانبه كانت مكاتب الحكومة ومخازن السلاح ومصانعه. كان هناك أكثر من ألف عامل يعملون في صناعة السلاح وحدها. رماح وسيوف ودروع وسهام وكل نوع من أنواع السلاح التي عرفتها حروب القرون الوسطى، لتشكل ترسانة تمد حملات تيمورلنك وفتوحاته.
الاهتمام بالعاصمة
وكان اهتمامه بعاصمته اهتماماً قلّ نظيره. فكان يراقب شخصياً أعمال البناء بين الحملة والحملة، جالباً إليها عند عودته من كل فتح من فتوحاته كنوز المدن الأخرى التي يكون قد سباها، ومعها حرفيوها: عمال البناء والنحت من أذربيجان ودلهي، عمال البلاط والموزاييك من شيراز وأصفهان، عمال السيراميك والحرير من دمشق، عمال الفضة والنحاس من تركيا. كأنه هو الذي دمر مدن الشرق كلها بوحشية لا مثيل لها، أراد أن يحيي في بناء سمرقند كل ما دمره أو أحرقه في المدن الأخرى.
حتى إن دوكاليفو مبعوث هنري الثالث ملك قشتالة الإسباني الذي زار تيمورلنك في أواخر عهده، وحضر احتفالاً من الاحتفالات التي كان يقيمها على ضفاف نهر زرفشان قال إنه كان «يهتم بأمور شعبه، وإن القمح كان رخيصاً والحاجيات متوافرة، والثروة متعادلة، وعدل الأمير (تيمورلنك) منتشراً والأبدان صحيحة، والطقس معتدلاً، والعداءات قليلة، والملذات كثيرة، وصحبة العشاق آمنة». لذلك أطلق عليها الشاعر الإنجليزي فليكر اسم «سمرقند السعيدة».
أما دوكاليفو، الذي يعود إليه الفضل في نقل أول صورة عن سمرقند وعن تيمورلنك إلى الغرب، فلم يخفِ انبهاره بما رآه، فهو يقول عند لقائه الأول بتيمورلنك: «لقد كان جالساً على تخت ومتكئاً على وسادات من الحرير، وقربه نافورة مياه يسبح في بركتها تفاح أحمر. وكان يلبس عباءة من الحرير ذات لون واحد، وقلنسوة طويلة فوقها تاج مرصع بالزمرد واللؤلؤ والأحجار الكريمة».
وكان ذلك اللقاء وسط حديقة شاسعة غناء، أقيمت على كل طرف من أطرافها الأربعة خيمة كبيرة من الحرير، كان تيمورلنك ورجاله ينصبونها في حدائق سمرقند، ويتنقلون بها من حديقة إلى حديقة كل عدة أيام حتى لا يفقدوا بداوتهم. ومن هذه الحدائق، حديقة باغي ديغوشا أي (فرحة القلب)، وباغي شمال أي (حديقة الشمال).
فمعماريو سمرقند لم يكتفوا ببناء القصور، بل أقاموا سلسلة من الحدائق، وصفها أحد زوار تيمورلنك شرف الدين علي يزدي، فقال: «أرضها من الحجارة الملونة، مطلية بخشب الأبنوس، والعاج، وجدرانها مزينة بخزف من قاشان، بناها مهندس من دمشق، وزيّنها خزاف من العراق».


